بمناسبة استضافة برنامج «للحديث بقية» للصحفي المتألق والمبدع يوسف بلهيسي، والذي استضاف من خلال حلقته الثانية الأستاذ إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وساهم في الحوار إلى جانب مقدم البرنامج الصحفي المحترم عن الإذاعة الوطنية امين لمراني. طبعا النقاش عرف عمقا في التحليل وموضوعية في مقاربة مجموعة من الملفات والقضايا الراهنة المرتبطة أساسا بتدبير الشأن العام والتحديات الراهنة والأفق المستقبلي عشية انتخابات شتنبر 2026، وهي الملفات التي تجاوب معها الأستاذ إدريس لشكر بكامل الموضوعية والجرأة السياسية وبمرجعية وطنية مسؤولة تقدر تقييم الأمور بسياقاتها بعيدا عن النظرة الحزبية الضيقة. ومن بين فقرات البرنامج الأساسية فقرات خصصت لتفاعل المواطنين، هذه الأسئلة التي كانت ترتبها وتقدمها باحترافية كبيرة الصحفية المتمرسة عبير ملوكي. فالاطلاع على عينة من الأسئلة الواردة من المواطنات والمواطنين، داخل المغرب وخارجه، يكشف بوضوح وبكل موضوعية أننا لسنا أمام تفاعل عادي مع برنامج إعلامي، بل أمام لحظة سياسية دالة تعكس عمق الارتباط المستمر بين المجتمع وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فمن حيث الامتداد المجالي، تغطي الأسئلة مختلف جهات المملكة (الدارالبيضاء، فاس، طنجة، العيون، تزنيت...) وتمتد إلى مغاربة العالم (ألمانيا، فرنسا، بلجيكا،...)، بما يعكس أن النقاش لم يكن محصورا في دائرة نخب محدودة، بل تحول إلى فضاء عمومي حي تتقاطع فيه انتظارات فئات اجتماعية متعددة. أما من حيث المضمون، فإن كثافة الأسئلة وتنوعها؛ من قضايا القدرة الشرائية، البطالة، التعليم والصحة، إلى إشكالات اليسار، المعارضة، والدبلوماسية الوطنية.... تعكس مستوى عاليا من الوعي السياسي لدى المتدخلين، كما تؤكد أن المواطن لا يزال يرى في الحزب مخاطبا شرعيا ومؤهلا للإجابة عن القضايا الكبرى. والأهم من ذلك، أن طبيعة هذه الأسئلة لم تكن مجاملة أو سطحية، بل اتسمت بجرأة نقدية عالية، مساءلة اختيارات الحزب وموقعه وأدائه. وهذا في حد ذاته مؤشر إيجابي، لأن الأحزاب التي تفقد مكانتها لا تسائل، بل تهمش. أما حين يحاط الفاعل السياسي بهذا القدر من الأسئلة الدقيقة والضاغطة، فذلك دليل على أنه لا يزال في قلب معادلة الانتظارات المجتمعية. في هذا السياق، يكتسب برنامج "للحديث بقية" قيمة مضافة حقيقية، إذ لم يكتف بنقل خطاب سياسي، بل يساهم في تليين، نوعا ما، تلك الخصومة التي أصبحت ظاهرة بين الفاعل الحزبي والمجتمع، عبر آلية تفاعلية مباشرة أعادت الاعتبار للنقاش العمومي الجاد. كما أن هذا الزخم من التفاعل لا يمكن قراءته فقط كمؤشر إعلامي ناجح، بل ينبغي تأويله سياسيا باعتباره دليلا على أن الاتحاد الاشتراكي، رغم التحولات والصعوبات، لا يزال يشكل بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنات والمواطنين، فضاء للتعبير، ومرجعا للاحتجاج، وأفقا للأمل. إنه، بتعبير أدق، لا يزال يؤدي وظيفته التاريخية ك"ملجأ سياسي" تطرح فيه الأسئلة قبل الأجوبة، وتصاغ من خلاله انتظارات المجتمع في أفق تحويلها إلى مشاريع وإجابات.