بيئة القصة تدور أحداثها بأحياء مدينة فاس العتيقة، في السبعينيات من القرن الماضي، بشخوص ترتكز بالأساس على سي ادريس الأب وسي الفاطمي (المعلم الظاهرة)، داخل مبنى عتيق كمدرسة جمعت بين عدة تناقضات تربوية، أبرزها معلم بسادية فوق العادة، ياما أسكنت الرعب في نفوس أطفال أتوا ليتعلموا، لكن بأساليب جد قاسية إلى درجة العدوانية! الفقيه سي ادريس في إحدى ليالي المديح، وما أكثر عروضها التي كانت تنهال عليه من كل أحياء مدينة فاس العتيقة، وأحيانا خارجها، أوعز إليه أحد الضيوف بالترحيب بابنه، فهمس إليه وهو يرشف الشاي: "ابعث بابنك لهذه المدرسة.. لن تكلفك سوى 10 دراهم شهريا، هناك سيصبح رجلا"، وصفها له بأنها تقع بدرب مشماشة، أو درب الرطل بحي مصمودة. لم يجد ج. ادريس بدا من اختيار أحد أبنائه، لينخرط في صفوف هذه المدرسة، خلال عطلة الصيف "لدعم" تعلماته في مادتي الحساب والقراءة، وتدارك النقص الذي كانت تشوب نتائجه في التعليم العمومي. وذات صباح، من أحد أيام فاس القائظة، أمر ابنه بأن يلتحق فورا بالمدرسة، وحال وصوله عليه أن يسلم مديرها سي البوخاري عشرة دراهم كدفعة أولى، وأوصاه بضرورة تقديم نفسه كابن للفقيه سي ادريس، إمام مسجد الحداديدن. ذهب الابن متعثرا وسط متاهات الأزقة والدروب المتعرجة، إلى أن انتهى به المطاف إلى منحدر ضيق شبه معتم، أفضى به أخيرا إلى باب "منزل"، طرقه ليجد نفسه داخل بهو فسيح بجدران علاها زليج عتيق باهت، يحكي قصص القرون الخوالي، ذات غرف أربعة جمعت بين الدوري السفلي والفوقي، تنبعث منها ضجيج يختلط فيها صخب أطفال، تتعالى وتنخفض أصوات حناجرهم، ونظراتهم لا تبارح السبورة والواقف إزاءها. قادتني امرأة مسنة، خلتها أول وهلة نائبة المدير، سلمتني إلى رجل ملتح، بجلباب داكن، يقعد بغرفة ضيقة تعبق برائحة رطوبة تخنق الأنفاس، وسعت طاولة أثرية يقعد خلفها الرجل الملتحي بنظارات سميكة، كان منكبا على حزمة أوراق وفواتير، سرعان ما دونني بها على إثر تسلمه العشرة دراهم، كان وجهه من الصعب جدا أن تقرأ عنه شيئا سوى البرودة وعدم الرضى. وعلى التو نهض وأمسك بي كوديعة، سار بي خطوات حتى دلف إلى غرفة سفلى، فأومأ إلى شخص هناك استقدمه للحراسة في انتظار التحاق المعلم. وسط التلاميذ كانت أعينهم لا تنفك ترمقني بنظرات تحسر لما سينتظرني، بعضهم شرع يقذفني بنظرات عدوانية مجانية، لم يكن هناك ما يشبه توافق الأعمار، بل كانت متنافرة بين الثماني سنوات والثالثة عشرة سنة، وتكدسهم بالطاولات زاد أن رفع من درجة حرارة الغرفة/القسم، رغم أن نوافذها كانت مترعة على البهو، لا يخلو ضجيجهم من طنين ذباب موسمي يتهادى مترنحا بين طاولة وأخرى، أشبه بأسراب طائرات مغيرة عابرة! معلم لا كالمعلمين! وعلى حين غرة همدت الأصوات، والأنفاس كادت أن تتوقف، حتى من دندنة الذباب، كل الأنظار توجهت نحو الباب، دلف منها شخص يحمل على كتفيه شخصا ككومة لحم، برز منها فقط رأس غليظة في استدارة (دلاحة متوسطة الحجم)، ذات محيا بشوش ونظرات ثاقبة سلطت على أنحاء القسم، سار به خطوات إلى أن "حطه" ووضعه على كرسي مرتفع قليلا بمحاذاة السبورة والمنضدة، بدا واضحا أنه مبتور الساقين، ملفوف الركبتين بنسيج خشن، طرفاه العلويتان قصيرتان، بيدين ذات أصابع قصيرة ثخينتين، استوت يداه على الطاولة وهو يهم بافتتاح "حصة الدرس"، فنادى في جمع التلاميذ بصوت ارتعدت له فرائسهم، اعتاد أن يصدر كلامه بحرفي "ها..ها..": "ها..ها.. يالله فتحو الكتب "التلاوة""، شرع أحدهم يقرأ، وفجأة صعقه صوت المعلم: ".ها..ها.. آشنو تما آلبغل.. ما شفتيش السكون على كلمة "المسكين"؟"، ثم عاد لينتقل إلى آخر: "..ها..ها.. يالله زيد كمل.. آالبغدادي..." وكأن الطير نزل على رؤوسهم من شدة الخوف، وقد أنسوا الرعب يتطاير شررا من أعينه. خلال تفرسه في سحناتهم وقع نظره على التلميذ الوافد الجديد، فضرب بجمع كفه الطاولة، فكادت تتوقف أنفاسهم، قال في أثرها: "ها..ها.. أوقف انتا.. انتا... بوفيستا الكحلا... اشكون جابك العندي؟"، صدر صوت من الخلف: ".. جابو المدير.. معا...."، فقمعه قبل أن يكمل: "..ها..ها.. اسكوت.. ليماك... سولتك انت ولا هوا؟" همهم التلميذ الجديد، ثم أجابه على الفور: ".. ولد سي دريس.." فأعقبته شتيمة المعلم، وهو يرفع عقيرته مقهقها: "..ها..ها... بزعاط إلا كونتي ولد سي ادريس.. نوض تكاعد... ما تجي حتى تجيب الأدوات.. يالله زيد عليا خلفا.. ليماك.." خرج لتوه، ويداه ممسكتان بحزامه، كان لا يلوي على شيء، قادته خطواته إلى بوابة خلفية تفضي إلى درب مشماشة، وهناك في زاوية مظلمة أخذ يتبول بحرقة بادية، وأعينه لا تفارق الباب، خشية أن يرمقه المعلم ولو من خلف جدران! حصة الحساب عاد الفتى إلى المنزل مكسوف الحال، وصور المعلم/الطاغية ما زالت تهيمن على أحاسيسه، مقترنة بمشاعر الكراهية لا عهد له بها تجاه مدرسة درب مشماشة ومتاهاتها وفظائعها، لكن كان عليه أن يتجرع كل شيء وإلا سيعتبر عصيانا لأوامر والده. وهكذا، وفي اليوم الموالي، بعد أن رتب لوازمه، قصد درب مشماشة، وبات عليه أن ينتظر الأسوأ. كعادته استقل بطاولته وشرع يجرب ريشة جديدة، يغمسها في المحبرة المثبتة أمامه، يدقق في تحنيش خربشات على الطاولة، وما زال كذلك إذا به يقذف بها إلى الأسفل لا شعوريا، عندما لمح المعلم قادما محمولا على سواعد صنديد، لم يعلم أنه يجمع بين مساعده وحمّاله. استهل الحصة بتذكيره بجداول الضرب، إلى أي مدى تمكن منها التلاميذ، وجعل يباغت كلا على حدة: "ها..ها.. 7 في 4، 9 في 2، 7 في 7..." وإذا أخطأ أحدهم أمره بالمثول بين يدي الأستاذ سي الطاهري كما كانوا ينادونه، وكان الوافد الجديد من بينهم، وهم ثلاثة ممن عدموا الإجابة، كان سي الطاهري يشد معصم اليد الواحدة ليخلو الجو للمساعد أن ينهال عليه بمسطرة حديدية ثقيلة، كانت تكفي ضربة واحدة ليتعالى صراخ وأنين الواحد منهم، ولما وصل دوره للقصاص حدجه الفاطمي بنظرات شزراء مخاطبا إياه بغلظة لا توصف: "ها..ها.. آولد سي دريس جبتي الأدوات ولا... لا... هدار ليماك... مالك... ساكت؟" أومأ إليه برأسه بأنها في المحفظة، فأمر بإطلاق سراحه، ناهرا إياه: "ها..ها.. غدا نشوفك فالمطالعة..." التفكير في العصيان كانت أتعس أوقاته أن يجد نفسه متجها صوب درب مشماشة حيث تقبع آلامه، احتار في أمره، وغدا يضرب أخماسا في أسداس ليتخذ قرارا بالعصيان، ويموه الجميع بأنه منتظم في دراسته مواظب على الحضور، لكنه في واقع الحال، بدلا من أن يتجه إلى درب مشماشة، يعرج عليها قاصدا باب الحمراء، ليشبع نهمه بالكرة، حتى ولو عثر عليها عبارة عن لفافة من الجوارب المحشوة بالورق المقوى... توالت الأيام بأصباحها وأماسيها، غدت له من خلالها مدرسة درب مشماشة مجرد صور قاتمة لم تنفك تحاصره كلما دلج عائدا إلى المنزل مع مغرب الشمس، حتى كان ذات ليلة انتهى إلى مسامعه وقع أقدام تطأ عتبة الدار على عجل، فوقف على إثرها أبوه يناديه بصوت متهدج: "..آجي... كتمشي للمدرسة ولا... لا... اعطاوني اخبارك... ياك آلصلغوط... هذا هو الراجل... راني وصيتو... إلا ما مشيتي غدا... غاديين يديوك مكتف..." قالها ودلف إلى غرفته، وهو ما زال يصخب ويتوعد وينذر... في الغد حاولت أمه إيقاظه، فلم يقدر، وبدا جبينه يتفصد عرقا، علموا فيما بعد أنه مريض لا يقوى على النهوض. وكان في قرارة نفسه أن المرض أهون عليه من رؤية المعلم "ها..ها.." يدق أصابع التلاميذ كل يوم!