يشكل الارتفاع الملحوظ في مفرغات الصيد الساحلي والحرفي بميناء طنجة مع متم يناير الماضي، مؤشرا اقتصاديا يتجاوز البعد الإحصائي ليعكس تعافيا مباشرا في الدورة المالية لصغار الصيادين. وتمثل هذه الطفرة الإنتاجية، البالغة نسبتها 51 في المئة، متنفسا نقديا لآلاف الأسر التي يرتكز نموذجها الاقتصادي على العائد اليومي للرحلات البحرية في شمال المغرب. وتفيد المعطيات الرسمية للمكتب الوطني للصيد ببلوغ حجم المفرغات نحو 251 طنا. وبلُغة الاقتصاد الواقعي، يُترجم هذا المعطى إلى ضخ حوالي 85 طنا إضافية في مسالك البيع الأولية خلال شهر واحد مقارنة بالفترة ذاتها من العام المنصرم. ولا ينحصر أثر هذه الوفرة في تنشيط الحركة التجارية داخل الميناء، بل يمتد ليحدد بشكل حاسم وتيرة خروج المراكب وحجم الكتلة المالية القابلة للتوزيع. وتتجسد الانعكاسات الفورية لهذا النمو في البنية التمويلية العرفية التي تؤطر عمل الصيد الساحلي والحرفي. فهذا القطاع لا يحتكم لمنطق الأجور الثابتة المعمول به في الصيد الصناعي، بل يعتمد حصريا على "نظام المحاصة". وبموجب هذه الآلية، يُقتسم العائد المالي للمبيعات بين المُجهّز وأفراد الطاقم فور استخلاص التكاليف التشغيلية كالمحروقات. وتجعل هذه البنية المرنة أي ارتفاع في حجم المفرغات يتحول فورا إلى سيولة نقدية مباشرة في جيوب البحارة. وإلى جانب تنامي العائدات، لعب انتظام وتيرة التفريغ طيلة شهر يناير، بمعدل يناهز ثمانية أطنان يوميا، دورا مفصليا في كبح فترات الركود. وتعتبر هذه الانقطاعات نقطة الضعف الهيكلية التي ترهن القدرة الشرائية للعاملين في الصيد التقليدي وتدفعهم نحو الاستدانة غير المهيكلة. وبالتالي، فإن استدامة النشاط تعادل استقرارا ماليا يقلص من الهشاشة السوسيو-اقتصادية لهذه الفئة. ويكتسي الأداء الإيجابي لقطاع الصيد بطنجة دلالة أعمق عند وضعه في سياقه الوطني. فقد سجلت البيانات القطاعية للعام المنصرم تراجعا عاما في مفرغات الصيد الساحلي والحرفي بالمغرب بنحو 15 في المئة، لتستقر عند 1,13 مليون طن. ويسلط هذا التباين الضوء على الدينامية المحلية لأسطول طنجة وقدرته على توفير بديل اقتصادي في ظرفية متسمة بالانكماش. ورغم صلابة هذه المؤشرات الكمية، ترتبط الاستفادة الصافية لصغار المهنيين بمتغير أساسي يتمثل في القيمة السوقية للمنتجات البحرية. فالانتعاش الاقتصادي المستدام لا يُقاس بحجم الكميات المفرغة فحسب، بل بطبيعة الأصناف المصطادة وتثمينها التجاري داخل أسواق الجملة، وهو محدد ستكشف الأشهر المقبلة عن مدى مساهمته في تحصين هذا التعافي.