على بُعد ستة أشهر ونيّف من زمن الاقتراع النيابي بالمملكة يبدو رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، وقد اعتلى منصة "الإثارة" بدلاً من منصة الإنجاز، محوّلاً حقيبته الوزارية إلى مصدر ل"زوابع" من الجدل الذي لا ينتهي؛ فبينما ينتظر المغاربة حلولاً عملية لضبط الأسواق وتخفيف وطأة التضخم يطل الوزير بخطاب يفتقر إلى الحس السياسي والمسؤولية الاجتماعية، وفي عزّ شهر رمضان، ل"يُعمق الشرخ" بين الحكومة والشارع. لم تعد "سقطات" مزور مجرد هفوات عابرة، بل يرى فيها المتابع لخرجات الرجل ما يشبه "نهجاً تواصلياً يستفز المشاعر العامة"، ويضع العمل الحكومي برُمته في موقف الدفاع أمام موجات الغضب المتصاعدة التي غذّتها تصريحاته "المتهورة" و"غير المحسوبة" عن الجالية، التي يُعزّها ملك البلاد، ويخصها بمكانة مرموقة وعناية خاصة. في ملف المعيش اليومي اختار مزور لغة "الاستسلام" أمام لوبي المضاربات، معلناً ببرود صادم استحالة العودة بأسعار اللحوم الحمراء إلى نطاق ال70 درهماً، وكأنه "يشرعن" الغلاء ويمنحه صك البقاء فوق عتبة ال100 درهم. هذا الإقرار بالعجز عن لجم "الفراقشية" والوسطاء، رغم الترسانة القانونية والإجراءات الحكومية المتخذة، كشف عن فشل ذريع في حماية المستهلك النهائي. إن تبسيط الوزير الفجوة بين الواقع وتوقعات المواطنين لم يكن سوى محاولة للتملص من المسؤولية، تاركاً قفة المواطن البسيط عرضة لنهش الوسطاء، في وقت كان يُفترض أن يكون "حامي الحمى" التجاري في وجه الجشع. لم يتوقف "تسونامي" التصريحات المستفزة عند المغاربة المقيمين بتراب الوطن، بل امتد ليطال مغاربة الخارج، الذين يعدون صمام أمان اقتصادي ورمزاً للارتباط الوجداني بالوطن الأم. ففي وقت يحرص العاهل المغربي على إعلاء شأن مغاربة العالم وفتح آفاق الاستثمار أمامهم جاءت كلمات مزور ناسفةً جسور الثقة، بحديثه المتعالي عن عدم استحقاق العائدين أي "هدايا" أو تحفيزات. هذا الخطاب لم يكن سوى طعنة في خاصرة "الاستثناء المغربي" في التعامل مع مغتربيه، ما دفع نادي المستثمرين بالخارج إلى التحذير من "أزمة ثقة" حقيقية، معتبرا أن لغة الوزير "تفتقر إلى التقدير الذي يليق بمكون أساسي من مكونات الدولة والمجتمع". إن "بورتريه" رياض مزور اليوم يرسم ملامح مسؤول غائب عن نبض الواقع، يقتات على الجدل عوضاً عن تقديم البدائل؛ فمِن فشله في محاربة المضاربات التجارية التي أنهكت جيوب المغاربة، إلى خرجاته التي تفتقر للدبلوماسية والكياسة تجاه الجالية، يبدو الوزير وقد أصبح "عبئاً تواصلياً" ثقيلاً، يهوي به في "درك النازلين". إن المرحلة الراهنة، بتحدياتها الاقتصادية والاجتماعية الحساسة، تتطلب رجال دولة يتقنون فن الحلول لا فن "الاستفزاز"، ويؤمنون بأن كرسي الوزارة هو تكليف لخدمة المواطن وحماية مصالحه، وليس "منصة لإطلاق صواريخ كلامية" على آمال البسطاء وانتظارات "مغاربة العالم".