في التاريخ الاستعماري، لم يكن الاحتلال العسكري وحده كافياً لإخضاع الشعوب، بل كان يحتاج إلى أدوات محلية تؤدي أدواراً وسيطة تبرر وجوده، وتروج لخطابه، وتسهم في تفريغ المقاومة من مضمونها التحرري. ضمن هذا السياق، برز ما عُرف ب"اللفيف الأجنبي"، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كمنظومة مركبة من الوسطاء والوكلاء الذين اشتغلوا في خدمة مشاريع الهيمنة، عبر آليات متعددة تجمع بين العنف الرمزي والتأطير الأيديولوجي. غير أن هذا المعطى لا يمكن فصله عن سؤال السيادة، الذي شكّل في التجارب التحررية، وعلى رأسها تجربة عبد الكريم الخطابي، حجر الزاوية في بناء المشروع المقاوم. فالسيادة، في هذا الأفق، لم تكن مفهوماً قانونياً مجرداً، بل ممارسة مادية وتاريخية، تتجسد في قدرة المجتمع على تقرير مصيره، وتحرير قراره السياسي، وبناء استقلاله الاقتصادي والثقافي. لقد أدرك الخطابي أن مواجهة الاستعمار لا تقتصر على طرد الوجود العسكري، بل تتطلب تفكيك البنيات الوسيطة التي يعيد من خلالها إنتاج نفوذه داخل المجتمع. في المرحلة المعاصرة، ورغم التحولات المرتبطة بما يسمى بمرحلة ما بعد الاستعمار، لا يعيد التاريخ نفسه بشكل حرفي، لكنه يعيد إنتاج آلياته ضمن شروط جديدة. فقد انتقل مركز الفعل من المجال العسكري إلى المجال الرمزي، حيث لم تعد البندقية الأداة الرئيسية، بل حل محلها الخطاب، ولم تعد الثكنة الفضاء الحاسم، بل أصبحت المنابر الإعلامية ومراكز البحث والفضاءات الأكاديمية مواقع أساسية لإعادة إنتاج الهيمنة. في هذا الإطار، يتشكل ما يمكن تسميته ب"اللفيف الأجنبي الجديد"، الذي يشتغل من داخل المجتمع ومؤسساته، مستنداً إلى شرعية رمزية مستمدة من صفات مثل "الخبير" و"المحلل". لا يمكن اختزال هذا اللفيف في مجرد اختلاف في الرأي أو تنوع في المواقف، بل يتجاوز ذلك ليعكس اصطفافاً ضمن شبكات نفوذ إقليمية ودولية. إذ تحولت فئة من أشباه الأكاديميين والصحفيين إلى أدوات وظيفية تشتغل على تبرير السياسات، وتسويق السرديات الجاهزة، وإعادة تشكيل الوعي بما يخدم مصالح خارجية. ويعتمد هؤلاء على توظيف خطاب تقني ومصطلحي يوحي بالحياد والموضوعية، بينما يؤدي في العمق وظيفة تبريرية تضليلية، تجعل من المعرفة أداة للهيمنة بدل أن تكون وسيلة للتحرر. ضمن هذا التصور، يمكن فهم ما يشار إليه ب"لفيف أبوظبي" و"لفيف تل أبيب" بوصفه تعبيراً تحليلياً عن شبكات متداخلة تشتغل على التبرير والتشويه وإعادة تشكيل المجال العمومي. هذه الشبكات، المتقاطعة مع دوائر نفوذ غربية ومشاريع تطبيع، لم تعد تكتفي بالتأثير الخارجي، بل نجحت في اختراق الفضاء الداخلي، خصوصاً في مجالي الجامعة والإعلام، حيث فرضت حضوراً يهدف إلى إضعاف كل خطاب نقدي مستقل. في هذا السياق، لم تعد بعض المنابر الإعلامية فضاءات للنقاش الحر، بل تحولت إلى منصات لتسويق خطاب جاهز يتمحور حول مفاهيم مثل الاستقرار ومحاربة التطرف والتنمية، في مقابل تهميش ممنهج لقضايا الحرية والعدالة والكرامة. كما أن الجامعة، في عدد من الحالات، لم تعد تؤدي وظيفتها النقدية والمعرفية، بل أضحت فضاءً لإعادة إنتاج خطاب التبعية، في حين تحول جزء من الإعلام إلى أداة لتدوير الروايات الرسمية وتكريسها. إن إعادة قراءة هذه التحولات من زاوية المشروع التحرري لعبد الكريم الخطابي تكشف أن معركة السيادة لم تنتهِ، بل تغيرت ساحاتها. فالسيادة، في تصور الخطابي، لا تُختزل في الاستقلال الشكلي للدولة، بل ترتبط عضوياً بتحرير الإرادة الجماعية من كل أشكال الارتهان، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية. ومن هذا المنطلق، فإن اختراق النخب وإعادة توظيفها ضمن شبكات نفوذ خارجية يمثل شكلاً من أشكال تقويض السيادة، حتى في غياب الاحتلال المباشر. يتميز الفاعلون ضمن هذا اللفيف بنمط اشتغال يقوم على الهجوم بدل النقاش، وعلى التبرير بدل التحليل، وعلى طمس الحقيقة بدل البحث عنها. وكل صوت خارج الإطار المرسوم يتحول إلى هدف لحملات ممنهجة، تروم ضبط المجال العمومي وإفراغه من أي مضمون تحرري. ويكتسي الأمر خطورة إضافية حين يتعلق بنخب خرجت من داخل المؤسسات الأكاديمية والإعلامية نفسها، قبل أن تنخرط في إعادة توظيف أدواتها لخدمة مشاريع الهيمنة، وهو ما يكشف عن وجود بنية متكاملة لاستقطاب النخب وإعادة تشكيلها. إن الفارق بين هذا اللفيف ونظيره في المرحلة الاستعمارية الكلاسيكية لا يكمن في الجوهر، بل في الوسائل. ففي حين ساهم اللفيف القديم في إخضاع المجال الترابي، يسهم اللفيف الجديد في إخضاع المجال الرمزي والعقلي. إنها استمرارية لمنطق الارتهان نفسه، ولكن بأدوات أكثر نعومة وتعقيداً، ما يجعلها أكثر خطورة من حيث قدرتها على التغلغل وإعادة إنتاج الهيمنة بشكل غير مرئي. ورغم اتساع هذه الظاهرة وتعدد أدواتها، فإنها تظل عاجزة عن إنتاج شرعية فعلية، إذ إن الشرعية، في المنظور التحرري الذي دافع عنه الخطابي، تنبع من الإرادة الشعبية ومن الانخراط في قضايا المجتمع، لا من الارتباط بمراكز النفوذ. وعليه، فإن المعركة لم تعد مقتصرة على المجال الميداني، بل امتدت إلى مجال المعنى: إلى اللغة، وإلى آليات تعريف الواقع وتفسيره. ومن هنا تبرز أهمية تحصين الوعي الجماعي، من خلال تفكيك السرديات المهيمنة، وكشف وظائفها، وتحليل ارتباطاتها. في هذا الإطار، يغدو الادعاء بالحياد موقفاً إشكالياً، إذ إن الحياد في سياق يتسم بعدم تكافؤ القوى لا يعبر عن موضوعية بقدر ما يعكس شكلاً من أشكال التواطؤ الضمني. لذلك، يتحدد الموقف بين الانحياز لقضايا الشعوب، أو الانخراط في منظومة تجعل من النخبة أداة، ومن الكلمة سلعة، ومن المعرفة وظيفة خاضعة لمنطق السوق والنفوذ. في السياق المغربي، يمثل نفوذ ما يسمى ب"لفيف أبوظبي" و"لفيف تل أبيب" تجلياً معاصراً لهذه الديناميات، حيث يشكل تهديداً مركباً لمفهوم السيادة كما صاغه المشروع التحرري الريفي. إذ تعمل هذه الشبكات على تنسيق مصالحها السياسية والاقتصادية والأيديولوجية داخل المجال الوطني، عبر وسطاء محليين يضطلعون بوظائف متعددة، تشمل التأثير في النخب، واستقطاب الأطر الشابة، وإعادة إنتاج خطاب منسجم مع أجندات خارجية. على المستوى السياسي، يتجلى هذا التأثير في إعادة توجيه النقاش العمومي بما يخدم توازنات خارجية، وعلى المستوى الاقتصادي في توجيه الاستثمارات والتمويلات نحو قطاعات استراتيجية بما يعيد إنتاج التبعية، وعلى المستوى الثقافي في إعادة تشكيل الوعي بما يضعف الحس النقدي ويحد من إمكانات الفعل المستقل. وهي كلها عناصر تتعارض مع مفهوم السيادة كما بلوره الخطابي، والذي يقوم على الاستقلال الشامل والمتكامل. تستدعي مواجهة هذه التحولات استحضار البعد التحرري لمفهوم السيادة، ليس كشعار، بل كبرنامج عمل. فعلى المستوى المجتمعي، يبرز دور الوعي الشعبي المنظم في كشف هذه الشبكات وآليات اشتغالها. وعلى المستوى الإعلامي، يصبح بناء إعلام مستقل ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار مهني. أما على المستوى الأكاديمي، فإن استعادة الوظيفة النقدية للجامعة تمثل شرطاً أساسياً لإنتاج معرفة تحررية قادرة على مواجهة خطاب الهيمنة. إضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر بناء نخب بديلة، منخرطة في قضايا المجتمع، ومحصنة ضد آليات الاستقطاب والتدجين. لاهاي، 23 مارس