الهشاشة الطاقية العالمية والذكاء الاصطناعي: المغرب نموذجاً لتعزيز الصمود والتنافسية الطاقية تكشف التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط مرة أخرى أن الطاقة لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت أحد المرتكزات البنيوية للقوة الاقتصادية والاستقرار الدولي. في سياق دولي يتسم بتوترات جيوسياسية متزايدة قد تعيد تشكيل التوازنات الطاقية العالمية، ومن ثم التوازنات الاقتصادية، تبرز الهشاشة الاستراتيجية لمضيق هرمز كمؤشر واضح على مدى قابلية الأمن الطاقي العالمي للتأثر الحاد بالاضطرابات الدولية. وبالنظر إلى الدور البنيوي الذي تضطلع به الطاقة في مختلف الأنشطة الإنتاجية والخدماتية، فإن أي اضطراب يطال تدفقات مواردها الاستراتيجية، ينعكس مباشرة على سلاسل القيمة العالمية، وعلى ديناميات الاقتصاد المعاصر. وفي ظل هذا السياق الدولي المتسم بتسارع التحولات، وارتفاع منسوب عدم اليقين في المجال الطاقي، تجد الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة نفسها مضطرة إلى تعزيز قدراتها في التدبير الاستراتيجي لهذا القطاع الحيوي، الذي يشكل محركاً أساسياً لمختلف القطاعات الاقتصادية. وفي هذا الإطار، تبرز السيادة الطاقية، المقرونة بحكامة دقيقة واستشرافية، باعتبارها ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتقوية المكانة التنافسية للدول في الاقتصاد العالمي. ومن ثم، تصبح قدرة الدول على تأمين مواردها الطاقية، وحسن تدبيرها، وتثمينها، عاملاً حاسماً في تعزيز تنافسيتها الاقتصادية. كما يدفع هذا الواقع الدول إلى إعادة التفكير بعمق في نماذجها التنموية، بما يسمح بالتوفيق بين تحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز صمود البنى الاستراتيجية والسلاسل الإنتاجية والخدماتية، فضلاً عن ترسيخ قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية، والاعتماد على مقاربات استشرافية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في البيئة الدولية. بناء على ما سبق ذكره، يندرج التوجه الذي اختاره المغرب، بانخراطه منذ أكثر من عقدين في مسار هيكلي للانتقال الطاقي، تنزيلاً للتوجيهات الملكية ذات الصلة. ويتجسد هذا التوجه في اعتماد استراتيجيات وطنية طاقية طموحة وتعزيز الالتزامات المناخية للمملكة على الصعيد الدولي، إلى جانب التكيف التدريجي مع التحولات التي يعرفها النظام الاقتصادي العالمي، ولا سيما تلك المرتبطة بتشديد المعايير البيئية. وقد أضحى هذا التكيف أيضاً، أكثر حدّة مع بروز آليات تنظيمية جديدة، من بينها آلية تعديل الكربون على الحدود (Mécanisme d'ajustement carbone aux frontières – CBAM)، حيث أقرّ الاتحاد الأوروبي فرض رسوم إضافية على بعض المنتجات المستوردة التي يرتبط إنتاجها بانبعاثات كربونية تفوق المستويات المعتمدة ضمن سياساته المناخية. ويأتي ذلك في سياق توجه متزايد نحو إدماج البصمة الكربونية ضمن معايير التنافسية الاقتصادية عند ولوج الأسواق الأوروبية. كما تستند هذه الدينامية المغربية إلى مؤهلات بنيوية مهمة، من بينها الموقع الجيوستراتيجي المتميز للمغرب، من خلال تواجده بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي كواجهة استراتيجية، إضافة إلى فضاءات ساحلية تمتد على ما يفوق 3000 كيلومتر، فضلاً عن إمكانات كبيرة ومتنوعة في مجال الطاقات المتجددة، سواء الشمسية أو الريحية، وهو ما يمنح المغرب فرصاً واعدة في ظل التحولات الجيوطاقية الجارية، ويؤهله لتموقع استراتيجي متميز على الصعيد العالمي. غير أن السؤال الجوهري يظل قائماً: كيف يمكن للمغرب أن يحوّل هذه المؤهلات إلى قوة تنافسية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، تجدر الإشارة إلى أن إعادة تشكيل التوازنات الجيوطاقية، إلى جانب تشديد المتطلبات المناخية، يمكن أن تؤدي في الوقت ذاته إلى إعادة رسم قواعد جديدة للتنافسية العالمية. فواقع التحولات الجارية يفرض الإقرار بأن الطاقة لم تعد مجرد عامل تقني من عوامل الإنتاج، بل أصبحت محدداً مباشراً لجاذبية الاقتصادات الوطنية، ولمستوى قدرتها التنافسية الصناعية، بل وحتى لإمكانية ولوجها إلى الأسواق الدولية. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن المنافسة بين الدول في الاقتصاد العالمي الجديد لم تعد تدور فقط حول امتلاك الموارد الطاقية، بل عليها أن تصبح تدور أيضاً حول القدرة على تحويل معطيات الطاقة إلى معرفة استراتيجية توجه القرار الاقتصادي. إن توفر معطيات طاقية موثوقة، قابلة للمقارنة والتتبع، أصبح عاملاً استراتيجياً ضرورياً وموجهاً للقرارات الاقتصادية والصناعية، في بيئة دولية تتسم بتزايد متطلبات الشفافية والمعيارية. ففي الاقتصاد المعاصر، لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت نظام معلومات استراتيجي، يعكس بنية الاقتصاد وقدرته التنافسية. في هذا السياق، لا تصبح السيطرة على الموارد الطاقية وحدها عاملاً للقوة، بل تصبح أيضاً القدرة على التحكم في المعطيات المرتبطة بها، وتحليلها، وتوظيفها استراتيجياً أحد الأبعاد الجديدة للسيادة الاقتصادية في العصر الرقمي. ومن هنا يبرز تساؤل جوهري: هل يتم فعلاً تدبير المجال الطاقي باعتباره أداة استراتيجية لتعزيز التنافسية والسيادة الاقتصادية؟ وفي هذا الصدد، يصبح من الضروري توفير المعطيات الطاقية وتجميعها، واعتماد معايير ومرجعيات متجانسة، وتوفير أنظمة للتتبع بشكل كاف من حيث قابلية الاستعمال والتشغيل البيني. فالتشتت يؤدي حتما إلى إضعاف انسجام الاستراتيجيات، والحد من جودة القرار الاقتصادي، وبالتالي إضعاف التنافسية الاقتصادية. وانطلاقاً من كل ما سبق، يبرز إطار جديد للقيادة الاستراتيجية للطاقة (Pilotage stratégique) يتمثل في الذكاء الطاقي (Intelligence énergétique)، وهو مفهوم قمتُ بصياغته تحليلياً ومنهجياً في مقال علمي، نُشر مؤخراً في مجلة علمية وتقنية دولية. ففي عالم أصبحت فيه الطاقة تمثل ما كانت تمثله المالية في السابق، أي لغة مركزية للسلطة الاقتصادية، تصبح القدرة على امتلاك معلومات ومعطيات طاقية موثوقة وقابلة للمقارنة والتحقق عاملاً حاسماً. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً أساسياً في هذا المجال، من خلال تمكين التحليل التنبؤي للتدفقات الطاقية (Flux énergétique) وتحسين آليات قيادتها الاستراتيجية. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تدوير خوارزميات تحليلية متقدمة، قادرة على معالجة كميات ضخمة من المعطيات الطاقية والاقتصادية والبيئية في الزمن شبه الحقيقي، بما يسمح ببناء سيناريوهات متعددة لتطور الأسواق والطلب الطاقي وتدفقات الموارد. ومن شأن هذه القدرات التحليلية أن توفر أدوات استشرافية متقدمة، تساعد صناع القرار على اتخاذ قرارات استراتيجية أكثر دقة ومرونة واستباقية، سواء فيما يتعلق بتوجيه الاستثمارات الطاقية، أو تدبير المخاطر المرتبطة بالتقلبات الجيوطاقية، أو التخطيط للانتقال الطاقي على المديين المتوسط والبعيد. وانطلاقاً من هذا التصور، يهدف الذكاء الطاقي إلى بناء قاعدة بيانات منسجمة من المعطيات القابلة للقياس والتتبع والتحقق، بما يعزز تماسك وجودة عملية القيادة الاستراتيجية. وترتكز بنيته الوظيفية على نمطين متكاملين: -النمط الأول، مستقل في خدمة الحقل الطاقي وحده، وذلك من خلال قيادته استراتيجياً بهدف تعزيز انسجام مكوناته ومرونتها، وتنوير توجهاته الاستراتيجية، وتقوية صموده، مع حماية الثروة المعلوماتية الوطنية للحقل الطاقي المغربي. -النمط الثاني، يكون في خدمة الذكاء الاقتصادي (Intelligence économique)، كما عرّفه مارتر في تقريره الشهير سنة 1994، وذلك من خلال تطعيمه بمؤشرات فيزيائية قابلة للتدقيق، تعكس البصمة الطاقية والكربونية الإجمالية للمواد المنتجة، وللخدمات، عبر مختلف سلاسل القيمة، بما يتيح تنوير قرارات الاستثمار، والاختيارات الصناعية، والتوجهات الاستراتيجية، على نحو أكثر موضوعية. بمعنى آخر، سيشكل الذكاء الطاقي امتداداً عملياً للذكاء الاقتصادي، من خلال إدماج المؤشرات الفيزيائية للمتغيرات الطاقية والكربونية، باعتبارهما بصمة دالة على بروفايل الاقتصاد. وعليه، سيصبحان أداتين استراتيجيتين جديدتين لتحليل تنافسية الاقتصاد، من خلال تزويد الفاعلين المعنيين بالقرار الاستراتيجي بمعطيات أكثر دقة وموثوقية، بما يتيح توجيه الاختيارات الاقتصادية والصناعية على نحو أكثر استباقية ومرونة، مع مراعاة الأبعاد ذات الطابع الدبلوماسي. هكذا، سيتجاوز رهان قيادة الحقل الطاقي البعد التقني المحض، إذ سيتعلق الأمر أساساً بربط الطموح الطاقي بالقرار الاقتصادي التنافسي، استناداً إلى معطيات فيزيائية موضوعية وقابلة للمقارنة. في هذا السياق الدولي المتحول، حيث تصبح الشفافية شرطاً متزايد الأهمية للولوج إلى الأسواق، لم تعد الطاقة مجرد سياسة قطاعية، بل أصبحت عاملاً محدداً للتموقع الاستراتيجي للدول والأقاليم والمؤسسات. وفي هذا الإطار، تبرز بعض القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، حيث ستكون، بحكم خصوصياتها، هي الأولى كمجالات خصبة ومرشحة لاستقبال وتطبيق ضوابط الذكاء الطاقي، ومن بينها قطاعات النقل، وصناعة الإسمنت، والصناعات الفولاذية، حيث يصبح التحكم في تدفقات الطاقة وإضفاء الطابع الموضوعي والفيزيائي عليها، ولو بقدر نسبي، عاملاً أساسياً لتقوية التنافسية الاقتصادية. أما قطاع الأسمدة فيحتل مكانة خاصة بالمملكة. فإلى جانب دوره الحيوي في تعزيز تحقيق الأمن الغذائي الوطني، يمكن أن يسهم أيضاً في تعزيز الدبلوماسية الخضراء للمغرب باعتباره رافعة موثوقة للتعاون الدولي ولدعم الانتقال الطاقي. في عالم يتزايد فيه تداخل الطاقة بالاقتصاد والجيوسياسية، لن يكون التحدي الرئيسي للدول هو فقط إنتاج الطاقة، بل القدرة على قيادتها استراتيجياً، وتحويل معطياتها الفيزيائية إلى رافعة للتنافسية الاقتصادية. وهو ما يجعل من القدرة على تدبير المعطيات الطاقية وتحليلها، أحد الشروط الأساسية لتعزيز التنافسية الاقتصادية للدول في النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وفي هذا الأفق، قد يشكل الذكاء الطاقي أحد المفاتيح المفاهيمية القادرة على مساعدة المغرب على تحويل طموحه الطاقي إلى قوة اقتصادية حقيقية، شريطة تدبير الثروة المعلوماتية الوطنية المرتبطة بها تدبيراً صارماً، يضمن حماية الأصول الاستراتيجية الحساسة. – أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء-مدقق رئيسي لنظام إدارة الطاقة وفق معيار ISO 50001