-تحية على هامش اليوم العالمي للمسرح- (إننا نملك الفن حتى لا نموت بسبب الحقيقة) نيتشه الحديث عن ريادة مسرحية في تطوان هو من المسلمات التي تجري على كل لسان. لكننا – بمعية الرائد رضوان احدادو – أثبتنا ذلك بالوثائق الدامغة في كتاب ندّعي بأنه سابقة في خزانتنا المسرحية. (المسرح في تطوان – التماعات المئوية) هو كتاب من الصنف الفاخر (Beaux-livre)، يتضمن 230 صورة نادرة لتاريخ المسرح بتطوان منذ 1860 إلى الآن، و50 صورة أخرى توثق لأهم المشاريع الثقافية التي تحققت بها بفضل اليد البيضاء لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده؛ صور تم جمعها على مدى عقدين، ثم معالجتها بحرفية حفظًا لهذا التراث اللامادي. ففي غياب متحف وطني للمسرح المغربي، يظل تاريخ أبي الفنون لدينا تائهًا في ألبومات شخصية، ما عرض الكثير من الوثائق للتلف والضياع. في الحقيقة، يتعلق الأمر بكتابين فاخرين أنجزناهما حول منجزات الفن بتطوان، وليس كتابًا واحدًا فقط: الأول كما أسلفنا حول مئوية المسرح بتطوان، فيما ندخر الثاني لمفاجأة سارة بعد النشر. كلا الكتابين احتفاء بالمنجزات الحضارية لتطوان وتراثها اللامادي؛ أي نعم، ولكن قبل ذلك نودهما تخليدًا لربع قرن من الالتزام الملكي السامي الذي تحققت معه رؤية مجتمعية متكاملة وتنمية مستدامة بهذه الحاضرة كما بكل ربوع المملكة الشريفة، وامتنانًا وتقديرًا لمنجزات وطن ولمغرب ثقافي ناهض، بفضل السياسة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس أعزه الله ونصره. الكتابان جاهزان للنشر منذ أكثر من سنة، ولكن المشكلة التي تواجه نشرهما هي في غياب الشركاء، خصوصًا مع التكلفة الباهظة لطباعة الكتب الفاخرة. فباستثناء السيد المدير العام لوكالة تنمية وإنعاش الشمال الذي دعمت مؤسسته ما يقارب نصف الطباعة، ومستثمر وهو في نفس الوقت سياسي منتخب تحمس لمد يد العون قدر المستطاع لإخراج المشروع إلى الوجود، باءت كل محاولات إيجاد شركاء آخرين بالفشل. لم يشفع لهذين العملين غير المسبوقين لا تطوع ومبادرة المؤلفين الذين أنفقوا سنوات في جمع ومعالجة المواد البصرية النادرة وتأريخها حفظًا لها من الضياع، وما استلزمه ذلك كله من جهد وتكاليف مادية باهظة تحملها المؤلفون رغم أنها فوق طاقتهم؛ ولا مناسبة إعلان تطوان عاصمة متوسطية للثقافة والحوار لسنة 2026، وما أحوج الحاضرة – والحالة هذه – إلى مثل هذه الإصدارات الفاخرة التي تسوق لها سياحيًا وتثمن مكانتها الحضارية، خصوصًا وأن الكتب الفاخرة حول مدينة تطوان لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، آخرها كان قد نشر منذ سبع سنوات كاملة. المفارقة أن السيد مدير معهد سرفانطس السابق بادر إليّ بصور نادرة للمسرح بتطوان ما بين العشرينات والأربعينات، مثلما أبدى تحمسه للتنقيب عن وثائق أخرى بالمكتبات الوطنية في إسبانيا. بل وعدني بالحصول على صورة (كريستالينا)، وهو أول عرض مسرحي قدم في افتتاح مسرح إسبانيول سنة 1923، كما عبر عن استعداد مؤسسته لنشر النسخة الإسبانية من الكتاب، اعتبارًا لكونه – حسب قوله – نموذجًا للمثاقفة وتبادل التقاليد الفنية بين بلدين عريقين. والسؤال: لماذا يفتقر المسؤولون على تسيير الشأن الثقافي ببلادنا لمثل هذه الروح اليقظة وهذا الحس بالمصلحة الجمعية، في وقت يشنف مسؤولوها أسماعنا بخطابات رنانة حول حفظ التراث وصناعة إبداعية هم عاجزون عن فهم قيمتها قبل التفكير في تنزيلها السليم على أرض الواقع؟ الأمر نفسه ينسحب على جماعة تطوان التي لم يدرك جل مسيريها حقيقة أن المعرفة هي التي تقود عملية تكوين الثروة، وأن الإبداع هو جوهر التغيير الاقتصادي والاجتماعي، مثلما لم يستوعبوا بعد بأن المسارح والمتاحف عناصر مهمة في تكوين الاقتصادات الراهنة. إن خير مثال كان لهم أن يقتدوا به هو البرنامج المندمج للتنمية الاقتصادية والحضرية لمدينة تطوان الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس نصره الله سنة 2014، بغية تعزيز الانتعاش الاقتصادي والجاذبية السياحية، من أجل تحسين ظروف عيش الساكنة. نص البرنامج على شق اجتماعي: تعليمي – صحي، رياضي وثقافي، من منطلق أن تطوان هي مدينة مبدعة، ونهوضها مرتبط أساسًا بهذا المحور الثقافي وبمصالحة الحاضرة مع ماضيها الثقافي العريق؛ ولا تكون المدينة مبدعة دون وجود قطاع فنون وثقافة نابض بالحياة، قادر مع الوقت على توليد فرص العمل والإنتاج والخدمات. مع كامل الاحترام والتقدير الذي أكنّه لمختلف الفاعلين السياسيين المسؤولين بالدرجة الأولى عن تدبير الشأن العام، وتنزيل كافة التوجيهات الملكية السامية من خلال التدبير والتسيير والتخطيط والوساطة وحتى الترافع؛ فإن تدبير جماعة تطوان الحالي للشأن الثقافي لا يرقى إلى ما تتطلع إليه الساكنة، وهو ما خطط له البرنامج المندمج لمدينة تطوان لسنة 2014، كما لا ينسجم وأهداف برنامج التنمية المجالية المندمجة أو الجيل الجديد من برامج التخطيط الاستراتيجي بالمغرب الذي أطلق بتوجيهات ملكية سامية في سنة 2025. والدليل هو غياب أية استراتيجية لدى الجماعة لدعم ورعاية العمل الثقافي، حيث تخصص كل الموازنة المالية للنهوض الثقافي في خانة تنظيم المهرجانات – وهذا إيجابي ونشجع عليه، لما للمهرجانات من دور مركزي في تنشيط الحياة الاقتصادية والجذب السياحي – ولكن المبادرة تفقد قيمتها في غياب موازنة مماثلة لدعم مشاريع الإنتاج الفني والمسرحي بالخصوص بهذه الحاضرة، باعتبار هذه الإنتاجات الفنية هي ما يضمن فرص عمل حقيقية للفنانين المحليين، ناهيك عما تتمخض عنه من مظاهر الإبداع. والنتيجة أننا في تطوان نحتضن مهرجانات المسرح والسينما الوطنية والدولية، لكننا عاجزون عن الإسهام فيها دون أن تكون تطوان حاضرة فيها بإبداعاتنا المحلية. خلال سنة 2025، أنتجنا في فرقتنا "لابو بوكيت" (Labo-Beckett) لفنون العرض المعاصرة بتطوان مسرحية (قبلة – Qiblah)، وهي أداء بصري يثمن قيمة التسامح، وحاليًا نجوب بها الخشبات الوطنية بعد عرض افتتاحي ناجح بقصر الثقافة والفنون بطنجة، قبل أن ننتقل خلال الصيف المقبل لتقديم العرض بمهرجانات مسرحية كبرى بعمان والقاهرة. هذا واحد من الإنتاجات الفنية التي أبدعها فنانو هذه الحاضرة وتمثل الفن المغربي المعاصر في المحافل القارية، ولكنه إنتاج تحقق بدعم من الوزارة الوصية على القطاع الثقافي – وهو دعم يغطي 60% من قيمة المشروع فقط – فيما لم تساهم جماعة تطوان بأي شيء في هذا الإنتاج، رغم أننا كنا قد تقدمنا في السنة الفارطة بطلب شراكة مع الجماعة في الآجال المحددة لذلك. ولنا اليوم حق التساؤل، ما دمنا لم نتوصل إلى حدود الساعة بأي رد كتابي أو شفهي من هذه الجماعة: هل حقًا عرض طلبنا للدراسة من الأصل؟ وهل اطلعت عليه أية لجان كما ينص دفتر التحملات؟ وإذا حدث ذلك وتحفظت هذه اللجنة عن توقيع الشراكة – وهذا حق المجلس إذا كان مبررًا – فمن حقنا التوصل بكتاب يبرر القرار، في إطار الشفافية في تدبير المالية العمومية؟ والسنة الحالية نتقدم من جديد بطلب شراكة يخص إنتاج مسرحية (مخاطبات) التي ستكون من إنجاز فنانين محليين بارزين في مجال التمثيل والموسيقى والكرافيزم، بمشاركة الممثل المغربي المتألق الأستاذ هشام بهلول؛ والخشية كل الخشية أن يجد طلبنا الجديد نفس اللامبالاة التي لا تنم عن شيء سوى عن احتقار المسرح. ترافعنا – كما غيرنا من الفنانين المغاربة – لأكثر من عقدين كاملين حتى صار الدعم المسرحي لوزارة الثقافة يتم بالعدالة المجالية نسبيًا؛ فهل علينا أن نصرف من جديد عقدين آخرين حتى يستوعب المنتخبون المحليون بتطوان ضرورة التوزيع العادل للشراكات في القطاع الثقافي بين تنظيم التظاهرات الكبرى – الذي هو مهم – ودعم الإنتاجات الفنية المحلية – الذي هو أهم؟ على الأقل حتى تكون سياسة هذا المجلس في انسجام مع ما نصت عليه التعليمات الملكية السامية بأن 2026 هي سنة العدالة المجالية، والقطع مع مغرب بسرعتين. أستاذي الغالي رضوان احدادو، شريكي في مغامرة الكتاب الفاخر (المسرح في تطوان – التماعات المئوية)، وصانع هذه البهجة وهذا العلم المرح.. أقول لك وأنا عارٍ سوى من الكلمات: لقد خبرت طيلة أكثر من ستة عقود صرفتها في العشق والوفاء لأبي الفنون بأن الشكل الأذكى للانتقام من المسرح هو احتقاره. ولكن أقول لك، أستاذي الرائع، في انتظار مشوب بالأمل كما بالألم: ليس علينا سوى بمزيد من الانتظار لما قد يأتي أو لا يأتي.. عقود طويلة أنفقناها في الانتظار، فلا بأس من أيام أخر.. أمد الله في عمرك أستاذي، ومتعك بالصحة والعافية؛ فمنك تعلمنا حب الله والوطن والملك، وأدركنا ليس هناك أبقى ولا أعز من تقديم الخدمة العمومية. وعزاؤنا أننا لو كنا نحتكم على الموارد التي تكفينا منذ اليد لخدمة الوطن، لكنا قمنا معًا بما قمنا به دومًا دون تفكير ولا تردد؛ فبذل المال هو أقل التضحيات، لأن القبور – كما قال شكسبير – بلا جيوب؛ ولكنا قد طرنا إلى مطابع أوزلم في إسطنبول على بساط من ريح، وأحضرنا معنا ذاك الذي بذلت السنين ولا زلت تقاوم من أجل أن تراه أمرًا واقعًا. وكل عام والمسرح المغربي يناضل، وليس أن تناضل سوى أن تبدع.