ما الذي يعيق التنمية الترابية؟ لا يمكن إنكار أهمية المقتضيات المنصوص عليها في القوانين التنظيمية الثلاثة للجماعات الترابية، وخاصة منها ما يتعلق بالجانبين القانوني والمالي، لتجسيد التنمية الترابية على أرض الواقع. ولا يمكن إنكار الجهود التي بذلتها وتبذلها الدولة في هذا الشأن. ولكن، لا يمكن كذلك تجاهل حقيقة ملموسة لدى المواطنين والمواطنات في جل جهات المملكة وعنوانها البارز: بطء سرعة قطار التنمية الترابية ببلدنا. هذه الحقيقة أثبتتها العديد من الدراسات والتقارير وأكدتها المعطيات التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط في السنتين الأخيرتين، ومضمونها باختصار شديد أنّه، لحد الآن، ثلاث جهات فقط من أصل 12 بالمملكة تحقّق أكثر من نصف الثروة الوطنية. ولذلك، فإنّ السؤال الذي يفرض طرحه اليوم بإلحاح من لدن جميع المسؤولين عن تدبير الشأن العام الترابي هو: ما الذي يعيق التنمية الترابية ببلدنا؟ تهدف هذه الورقة إلى المساهمة في ملامسة الإجابة عن هذا السؤال المحوري. لكن قبل ذلك، تفرض علينا المسؤولية الإعلامية تقديم بعض الإضاءات للقارئ العام التي تمهّد لهذه الإجابة، حتى نبتعد عن الأحكام المسبقة والانطباعية دون ادعاء بامتلاك حقيقة الفهم والمعرفة. ولا شك أنّ التطبيق على أرض الواقع هو الذي يمكّن من تحديد المعيقات الفعلية للتنمية الترابية، لأنّ "ليس من رأى كمن سمع". أولاً – أي معنى عملي إجرائي للتنمية الترابية؟ بالملموس، يمكن القول إنّ هذه الجماعة الترابية أو تلك (والقصد: هذه الجهة أو هذه العمالة أو هذا الإقليم أو هذه الجماعة) قد بلغت مرحلة التنمية الترابية حينما تحصل تنمية فعلية ملموسة لأحوال سكانها الاقتصادية والمالية والاجتماعية والخدماتية والثقافية (...). فالتنمية الترابية عملية شاملة ومركّبة، وهي مستمرة في الزمن ودينامية. ثانياً – كيف يتعين/يجب تحقيق التنمية الترابية بالمغرب في ضوء القوانين التنظيمية الثلاثة للجماعات الترابية؟ أشرت في عدة مناسبات إلى أن استعمالي لكلمة "يجب/يتعين" يجد تبريره في أن الجماعات الترابية ملزمة قانوناً، طبقاً لأحكام الدستور، بتنفيذ ما هو موكول لكل صنف منها من لدن المشرع المغربي، خاصة فيما يتعلق بالاختصاصات الذاتية. وهنالك الاختصاصات المشتركة بين الدولة وكل صنف من الجماعات الترابية، والاختصاصات التي يمكن نقلها من الدولة إلى كل صنف منها حينما تتوفر الشروط المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق به. وبتركيزنا على الاختصاصات الذاتية، فكل جماعة ترابية (والقصد: كل جهة وكل عمالة أو إقليم وكل جماعة) مسؤولة عن تنفيذ كل المقتضيات المنصوص عليها في القانون المنظم لشؤونها. ومعنى ذلك عملياً أنه تتم محاسبة كل جماعة ترابية عن تنفيذ هذه المقتضيات، وذلك تطبيقاً للمبدأ الدستوري "ربط المسؤولية بالمحاسبة". وفي هذا الشأن، تفيد القراءة المدققة في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية في إدراك حقيقة مفادها أنّ هذه الوحدات الترابية تشكّل كلاً لا يمكن تجزيئه. كما تفيد في تسجيل ملاحظة في غاية من الأهمية، مفادها أن المشرّع المغربي قد قام بتقسيم محكم للعمل بين أصنافها الثلاثة لبلوغ مرحلة التنمية الترابية. كيف ذلك؟ الجواب: أوكل المشرّع المغربي قانونياً التنمية الجهوية للجهات، وأوكل التنمية الاجتماعية للعمالات والأقاليم، وأناط بالجماعات مهام خدمات القرب وتنميتها. وسنلامس ذلك في ما يأتي من سطور. التنمية الجهوية اختصاص ذاتي للجهات... تتبوّأ الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة لباقي الجماعات الترابية الأخرى (والقصد: العمالات والأقاليم والجماعات) في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية. وبهذا الصدد، أقدّم التوضيحات التالية: لا تعني صدارة الجهة الوصاية على العمالات والأقاليم والجماعات، حيث إن دستور المملكة لسنة 2011 واضح إذ ينص في الفصل 143 منه على أنه "لا يجوز لأي جماعة ترابية أن تمارس وصايتها على جماعة أخرى". وتعني مكانة الصدارة، المكانة المركزية والقيادية للجهات باعتبارها مصدراً لخلق الثروات المادية واللامادية، ولانبثاق ديمقراطية تشاركية، ولترسيخ مبادئ استدامة الموارد أمام التغيرات المناخية، كما ذهبت إلى ذلك اللجنة العلمية التي أعدت التقرير العام المتعلق بالنموذج التنموي. وإذا كان القانون التنظيمي (رقم 111.14) المتعلق بالجهات ينص في المادة 82 منه على أنّ التنمية الاقتصادية تشكل ميداناً من الميادين السبعة التي تمكّن في مجموعها من تحقيق التنمية الجهوية، فإني أجدني ممن يعتقدون أن التنمية الاقتصادية للجهة أو للجهات هي الجسر الأساسي، بل الشرط الذي من دونه لن تتحقق التنمية الجهوية. وبالتالي، يصبح الحديث عن التنمية الترابية مجرد كلام فارغ من محتواه العلمي والعملي. وهذا لا يعني أنّ الميادين الأخرى المنصوص عليها في هذه المادة أقل أهمية من الميدان الاقتصادي (والقصد: ميدان التكوين المهني والتكوين المستمر والشغل، ميدان التنمية القروية، ميدان النقل، ميدان الثقافة، ميدان البيئة وميدان التعاون الدولي). وحسب المادة 82 أعلاه ذاتها، تتحقق التنمية الاقتصادية الجهوية من خلال توفر سبعة شروط: 1- دعم المقاولات. 2- توطين وتنظيم مناطق للأنشطة الاقتصادية بالجهة. 3- تهيئة الطرق والمسالك السياحية في العالم القروي. 4- إنعاش أسواق الجملة الجهوية. 5- إحداث مناطق للأنشطة التقليدية والحرفية. 6- جذب الاستثمار. 7- إنعاش الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية. ولا شك أننا نتفق على أن تحقيق التنمية الاقتصادية يفضي إلى تحقيق التنمية الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بالمستوى الترابي أو بالمستوى الوطني. التنمية الاجتماعية اختصاص حصري للعمالات والأقاليم... بناءً على مقتضيات المادة 78 من القانون المتعلق بالعمالات والأقاليم (رقم 112.14)، أناط المشرع المغربي بالعمالة أو الإقليم داخل الدائرة الترابية لكل منهما مهام النهوض بالتنمية الاجتماعية، خاصة في الوسط القروي وكذا في المجالات الحضرية. كما تتمثل هذه المهام في تعزيز النجاعة والتعاضد والتعاون بين الجماعات الموجودة بتراب كل منهما. ولهذه الغاية، أوكل هذا القانون للعمالات والأقاليم المهام التالية: توفير التجهيزات والخدمات الأساسية خاصة في الوسط القروي، والقيام بتفعيل مبدأ التعاضد بين الجماعات وذلك بالقيام بالأعمال وتوفير الخدمات وإنجاز المشاريع أو الأنشطة التي تتعلق أساساً بالتنمية الاجتماعية بالوسط القروي، وكذا محاربة الإقصاء والهشاشة في مختلف القطاعات الاجتماعية. وتثير هذه المادة القانونية الانتباه إلى ضرورة قيام العمالة أو الإقليم بهذه المهام مع مراعاة سياسات واستراتيجيات الدولة في هذه المجالات. إن التنمية الاجتماعية تشكّل اختصاصاً ذاتياً للعمالات والأقاليم. وتشتمل الاختصاصات الذاتية الحصرية على الاختصاصات الموكولة قانونياً للعمالة أو الإقليم في مجال معين، بما يمكّنها من القيام، في حدود مواردها، بالأعمال الخاصة بهذا المجال، ولا سيما التخطيط والبرمجة والإنجاز والتدبير والصيانة داخل دائرتها الترابية. وبما أن التنمية الاجتماعية عملية مركبة ومعقدة، فالعمالة أو الإقليم تمارس، علاوة على اختصاصاتها الذاتية في هذا الشأن، اختصاصات مشتركة مع الدولة حينما يتبين أن نجاعة ممارستها ستكون بشكل مشترك، طبقاً لما هو منصوص عليه في القانون المنظم لشؤونها. وهناك اختصاصات يمكن نقلها من الدولة إلى العمالة أو الإقليم حينما تتوفر الشروط القانونية اللازمة لذلك. وحدّد القانون المنظم لشؤون العمالات والأقاليم خمسة ميادين للاختصاص الذاتي الموكول للعمالة أو الإقليم، وهي تهم الجوانب المتعلقة بالنهوض بالتنمية الاجتماعية على مستوى كل منهما: 1- النقل المدرسي في المجال القروي. 2- إنجاز وصيانة المسالك القروية. 3- وضع وتنفيذ برامج الحد من الفقر والهشاشة. 4- تشخيص الحاجيات في مجالات الصحة والسكن والتعليم والوقاية وحفظ الصحة. 5- تشخيص الحاجيات في مجال الثقافة والرياضة. إنّ قراءة متمعنة في عناوين هذه الميادين الخمسة تجعلنا نسجل الملاحظات التالية: حدّد هذا القانون التنظيمي مسؤولية العمالة أو الإقليم بشكل واضح في ما يتعلق بميداني: إنجاز وصيانة المسالك القروية، ووضع وتنفيذ برامج للحد من الفقر والهشاشة. وتعني مسؤولية الإنجاز والصيانة، في حدود معرفتي، القيام بعمليات التخطيط التي تتطلب دراسات تقنية ومالية واقتصادية (...). والتخطيط يسبق الإنجاز. والإنجاز يتطلب، علاوة على التوفر على الموارد البشرية اللازمة، التتبع والتقييم والتقويم لاتخاذ الإجراءات الضرورية في الأوقات المناسبة. والصيانة عملية مستمرة في الزمان حتى بعد انتهاء عملية إنجاز أي مشروع تنموي. وهنا أستحضر مضمون ما قاله أحد المهندسين المعماريين الكبار الذين استضافتهم المدرسة الحسنية للأشغال العمومية بالدار البيضاء سنة 1980/1981: "إن أزمتنا تتمثل بالدرجة الأولى في عدم صيانة القناطر والطرق وغيرها من المشاريع التنموية التي تطلّب إنجازها ميزانيات ضخمة". كما أن المسؤولية واضحة في ما يتعلق بإعداد البرامج التي من المفروض أن تحد من الفقر والهشاشة وتمنع اتساع رقعتهما. وقد حصر القانون مسؤولية العمالة أو الإقليم في التشخيص، في ما يتعلق باختصاصها الذاتي في مجالات الصحة والسكن والتعليم والوقاية وحفظ الصحة، والحاجيات في مجال الثقافة والرياضة. وكما أن العنوان المتعلق بالنقل المدرسي في المجال القروي جاء فضفاضاً في المادة 79 من القانون المعني، فإن الأمر كذلك مبهم على مستوى ممارسة هذا الميدان حسب العديد من الممارسين للشأن المحلي: فمن الملزم باقتناء سيارات النقل المدرسي؟ ومن الملزم بنفقات "الكازوال"، أهي العمالة أو الإقليم أم الجماعات الموجودة بتراب العمالة أو الإقليم؟ ومن الملزم بأداء أجور وتأمين حياة الأعوان المكلفين بسياقة سيارات النقل المدرسي؟ (...) لماذا إقحام جمعيات المجتمع المدني في هذا الميدان في بعض المجالات الترابية؟ ألا يجب إسناد هذا الميدان للجماعات مع توفير الشروط القانونية والمالية لذلك؟ ولأجرأة عملية النهوض بالتنمية الاجتماعية، ينص القانون التنظيمي (رقم 112.14) المتعلق بالعمالات والأقاليم في المادة 80 منه على أن يضع مجلس كل عمالة أو إقليم، تحت إشراف رئيسه، خلال السنة الأولى من انتداب المجلس "برنامج التنمية للعمالة أو الإقليم" الذي يعدّ الآلية الإجرائية لتحقيق شروط النهوض بالتنمية الاجتماعية على مستوى تراب كل عمالة أو إقليم. وتعمل كل من هاتين الوحدتين على تتبع وتحيين وتقييم هذا البرنامج التنموي. كما ينص القانون أعلاه في المادة 87 على اعتماد آلية "التعاقد" وفق شروط محددة في ما يخص الاختصاصات المشتركة بين هذه الوحدات الترابية والدولة، لتوفير شروط النهوض بالتنمية الاجتماعية بشكل أوسع حينما يتطلب الأمر ذلك. وهنا وجبت الإشارة إلى أن الاختصاصات المشتركة بين العمالات والأقاليم لم تخرج، بدورها، عن المجالات المرتبطة بميادين التأهيل والتنمية الاجتماعية في الوسطين القروي والحضري. وحسب المادة 86 من القانون ذاته، تمارس العمالة أو الإقليم الاختصاصات المشتركة بينها وبين الدولة في المجالات الستة التالية: 1- تأهيل العالم القروي في ميادين الصحة والتكوين والبنيات التحتية والتجهيزات. 2- تنمية المناطق الجبلية والواحات. 3- الإسهام في تزويد العالم القروي بالماء الصالح للشرب والكهرباء. 4- برامج فك العزلة عن العالم القروي. 5- المساهمة في إنجاز وصيانة الطرق الإقليمية. 6- التأهيل الاجتماعي في الميادين التربوية والصحية والاجتماعية والرياضية. وطبقاً للمادة 88 من القانون المرجعي (112.14)، يمكن للعمالة أو الإقليم، بمبادرة منها واعتماداً على مواردها الذاتية، أن تتولى تمويل أو تشارك في تمويل إنجاز مرفق أو تجهيز أو تقديم خدمة عمومية لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية، وذلك بشكل تعاقدي مع الدولة إذا تبيّن أن هذا التمويل سيساهم في تحقيق الأهداف المسطرة من قبلها. ونكتفي بالإشارة إلى أنه تبقى الاختصاصات المنقولة من الدولة إلى العمالة أو الإقليم محكومة بمراعاة ما يسمى بمبدأي التدرج والتمايز بين العمالات والأقاليم عند عمليات النقل. كما يحدد القانون المنظم لشؤون العمالات والأقاليم صلاحيات مجلس العمالة أو الإقليم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وصلاحيات رئيس مجلس العمالة أو الإقليم، ودور المراقبة الإدارية، ودور الهيئات المكلفة بالمراقبة المالية والإدارية. تنمية خدمات القرب اختصاص حصري للجماعات... يتمثل أهم مستجد جاء به القانون التنظيمي للجماعات (رقم 113.14) في تحديده لدورها الرئيسي على المستوى الترابي، وهو: النهوض بمهام تقديم خدمات القرب للمواطنات والمواطنين. وفي هذا الباب، يوضح الباحث سعيد جفري في كتابه "قانون الجماعات الترابية" أنه، كما هو الحال بالنسبة لاختصاصات الجهات والعمالات والأقاليم، فإنه يلزم الإحالة، في إطار اختصاصات الجماعة، إلى التأطير المرجعي والإرشادي لهذه الأخيرة، من خلال مقتضيات المادة 77 من القانون التنظيمي للجماعات، والذي ينيط بالجماعة مهام تقديم خدمات القرب للمواطنين والمواطنات وما يقتضيه ذلك من تنظيم لشروط هذه الأخيرة وتنسيقها وتتبعها، في المجالات المحددة من طرف القانون. فما هي خدمات القرب؟ بعيداً عن التجريد، هي الخدمات المرتبطة بالاحتياجات المباشرة للساكنة بتراب كل جماعة. وهي خدمات متعددة المظاهر ومتنوعة المجالات، وتسعى إلى تلبية مختلف الاحتياجات المحلية اليومية المباشرة، سواء كانت ذات طابع اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي. وحسب الباحث جفري، فإن الاختصاصات الذاتية في علاقتها بالجماعات تحيل إلى الاختصاصات التي أوكلها القانون على سبيل الحصر لهذه الأخيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، بما يعزز من استقلالها الذاتي في ممارسة خدمات القرب. وتتفرع الاختصاصات الذاتية للجماعات إلى مستويين من الاختصاصات: الاختصاص المرتبط بالتنمية المحلية والاختصاص في مجالي التعمير وإعداد التراب. كما أن الاختصاصات الذاتية للجماعات في مجالات وميادين خدمات القرب اختصاصات متعددة ومتنوعة بتنوع حاجات الساكنة في هذه المجالات. وهكذا، فإن هذه الاختصاصات تتوزع إلى اختصاص أصلي يهم التدخل في مجال التنمية المحلية عن طريق آلية برنامج عمل الجماعة، ثم التدخل عن طريق المرافق والتجهيزات العمومية. ولتقريب الصورة للمواطن، يبين قانون الجماعات في مادته 83 أن الجماعة تقوم بإحداث وتدبير المرافق والتجهيزات العمومية اللازمة لتقديم خدمات القرب في مجموعة من الميادين، منها: توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء – حفظ الصحة – النقل العمومي الحضري – الإنارة العمومية – التطهير السائل والصلب ومحطات معالجة المياه العادمة – السير والجولان – نقل المرضى والجرحى – الأسواق الجماعية – المحطات الطرقية للمسافرين – مراكز التخييم والاصطياف (...). إنّ الهدف مما تقدم ذكره ليس هو الخوض في الاختصاصات الذاتية، والاختصاصات المشتركة بين الجماعة والدولة، والاختصاصات المنقولة من الدولة إلى الجماعة، وإنّما لأن من حق الساكنة أن تكون على علم بالدور المنتظر من الجماعة التي تمثلها بتراب المملكة والتي ينظم شؤونها القانون التنظيمي (رقم 113.14)، حتى تساهم بفاعلية في عملية التنمية المحلية. والآن، دعنا نسجل بعض معيقات التنمية الترابية. ثالثاً – في معيقات التنمية الترابية: بناءً على ما تقدم في هذه الورقة وغيره كثير، وبناءً على التجربة الميدانية للعديد من الممارسين، يبدو أن هنالك أربعة معيقات أساسية وهي: ضعف الاستقلالية المالية والإدارية للجماعات الترابية. محدودية تطبيق مبدأ التدبير الحر المنصوص عليه في القوانين التنظيمية الثلاثة للجماعات الترابية. تأخّر تنفيذ توصيات وتقارير الهيئات الدستورية المكلفة بالمراقبة الإدارية والمالية والمحاسباتية المنصوص عليها في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية. تهميش الكفاءات في العديد من الجماعات. وأخيراً، حتى لا نقف عند "ويل للمصلين"، نحن في حاجة ماسة إلى أمرين: التطبيق الصارم للمبدأ الدستوري "ربط المسؤولية بالمحاسبة"، وتغيير العقليات المسؤولة عن تدبير الشأن العام الترابي، وهو ما يعني أنّ الأحزاب السياسية يجب أن تتحمّل مسؤوليتها الوطنية في هذا الشأن. وأجدني ممن يعتقدون أننا في حاجة ملحّة إلى تجميع مقتضيات القوانين التنظيمية الثلاثة للجماعات الترابية، بعد تعديلها لتجاوز نقائصها، في قانون واحد يحمل اسم "قانون الجماعات الترابية"، لأنّ التنمية الترابية عملية مركّبة تشمل مختلف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية والثقافية والبيئية.