وفاة طفل وإصابة شقيقه في حريق داخل فندق وسط الناظور    الركراكي يصف فوز المغرب على الكاميرون ب"التاريخي" ويدعو إلى مواصلة التركيز    أجواء احتفالية بالبيضاء والمحمدية    دياز يدخل تاريخ كأس أمم إفريقيا بإنجاز غير مسبوق    الركراكي .. الجماهير المغربية كانت لاعبنا رقم 12 أمام الكاميرون    الرباط تحتضن اللقاء الثلاثي السنوي والدوري بين المدراء العامين للشرطة بالمغرب وإسبانيا وألمانيا    المعارضة ليست نقيضا للوطنية    طنجة.. حريق منزل بحي المصلى يُسفر عن إصابة سيدة باختناق    كأس أمم إفريقيا 2025: المغرب يهزم الكاميرون ويبلغ نصف النهائي عن جدارة    تقاطع السيادتين الترابية والديمقراطية في مغرب الحكم الذاتي    السنغال أول المتأهلين لنصف النهاية بعد فوزه على مالي    أكثر من 50 قتيلا خلال احتجاجات إيران    غضب المحامين يشل محاكم المغرب    الصيد الساحلي يتراجع.. 10.1 مليار درهم إيرادات سنة 2025 بانخفاض 4٪    تقلبات جوية مرتقبة بالمغرب .. أمطار وثلوج منتصف الأسبوع المقبل    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الارتفاع    العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا    فخر للمغرب.. البروفيسور رضوان أبوقل عضواً في الأكاديمية الوطنية للطب بفرنسا    العثور على جثة متحللة داخل بالوعة للصرف الصحي بالناظور    مزراوي ضد مبويمو.. صدام بين نجمي مانشستر يونايتد بنكهة إفريقية خالصة    السطي يستفسر الحكومة حول توقف صرف أجور مستخدمي المجلس الوطني للصحافة    صافرة موريتانية لموقعة المغرب والكاميرون في ربع نهائي "الكان"    مطارات المغرب تستقبل 36.3 مليون مسافر في 2025 بارتفاع 11%    مباريات "الكان" تستنفر الأمن الفرنسي    ترامب يؤكد أن الشركات النفطية ستستثمر 100 مليار دولار على الأقل في فنزويلا    "البام" ينتقد "تبخيس" جهود البرلمانيين وينوه بلجوء المعارضة للمحكمة الدستورية    الرياضة تضاهي العلاج النفسي في مكافحة الاكتئاب    إيضن يناير 2976 : أكادير تحتفي بالثقافة الأمازيغية    مجلس حكومي يجدد الثقة في بوشتى المومني رئيسًا لجامعة عبد المالك السعدي بتطوان.    الأندلس.. بوتقة تسامح وتلاقح ثقافي فريد في تاريخ الشعوب    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    أسعار النفط تسجل ارتفاعا لليوم الثاني على التوالي    الحزن يتجدد في بيت المطربة اللبنانية فيروز    المركز التقني للحبوب الزيتية بمكناس: رؤية جماعية جديدة لتعزيز هيكلة القطاع    ارتفاع قتلى الاحتجاجات في إيران إلى 42 شخصا    مديونة.. تواصل حملة إيواء ورعاية المتضررين من موجة البرد    كيوسك الجمعة | بنك المغرب يرسم خارطة طريق لرقمنة الخدمات المالية ودعم المقاولات    وقفة احتجاجية لمهنيي الصحة ببني ملال بسبب تعثر تنفيذ اتفاق 23 يوليوز    الجيش الإسرائيلي يجدد قصفه الجوي والمدفعي على قطاع غزة    وزير خارجية فرنسا يحذر من "خطر" يهدد النظام السياسي الأوروبي    الكرة روحٌ وما تبقّى مُجرّد ثرثرة !    حميد بوشناق يطلق "موروكو أفريكا"... نشيد فني يوحّد المغرب وإفريقيا على إيقاع كان 2025    ترامب يرفض العفو عن المغني بي ديدي المتابع بتهمة الاعتداء الجنسي    الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تحمّل سلطات الرباط مسؤولية فاجعة انهيار منزل بحي العكاري    ستة أسباب رئيسية وراء الطفرة السياحية وتحطيم الأرقام القياسية ببلادنا    السدود المغربية تسجل مخزونا بملايير الأمتار المكعبة    توقيف شخص انتحل صفة وكيل الملك .. وحُجز بمنزله طوابع وملفات و500 مليون سنتيم    فيروز تفقد إبنها الأصغر بعد أشهر من وفاة نجلها زياد    افتتاح فعاليات المعرض الوطني الكبير بالرباط.. محطة تأمل في ستة عقود من الإبداع التشكيلي المغربي    مدينة أكادير تحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة على إيقاع أجواء احتفالية متنوعة وتذوق أطباق تقليدية    الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية    أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النزعة الأمازيغوفوبية: نشأتها وتطورها (2/2)
نشر في هسبريس يوم 21 - 06 - 2014

علال الفاسي والتأصيل للأمازيغوفوبيا في المغرب المعاصر:
في حمّى التعريب التي أعقبت الاستقلال، وما تعنيه من تخطيط للقضاء على الأمازيغية، وتحويل الأمازيغيين إلى عرب "إحسانا" لهم و"إشفاقا" عليهم، سيظهر مفكرون ومثقفون ينظّرون للنزعة الأمازيغوفوبية، ويعطونها بعدا فكريا وعمقا إيديولوجيا جعلا من الأمازيغية شرا وخطيئة لا يمكن التكفير عنها إلا بالتوبة، التي يمثلها التعريب الهوياتي والعرقي والسياسي والإيديولوجي.
فهذا علال الفاسي، الفقيه المتضلع، والمفكر المتمكن، والزعيم السياسي المحنك، والوطني الذي عانى من اضطهاد الاستعمار، سيكون أيضا زعيما أمازيغوفوبيا رائدا، مؤسسا ومجددا في مجال الأمازيغوفوبيا. بل إن زعامته الأمازيغوفوبية، هذه، هي التي صنعت زعامته الفكرية والسياسية التي عرف بها منذ ظهور أسطورة "الظهير البربري"، التي كان علال واحدا من خالقيها ومحاربيها في نفس الوقت. كما أن "وطنيته الصادقة" تأسست على قناعاته الأمازيغوفوبية الصادقة، التي عبر عنها في أكثر من موقف. إنه نموذج لذلك الوعي الذي يرى «أن النضال والوطنية يعنيان النضال ضد الأمازيغية ومحاربتها والعمل على القضاء عليها»، كما كتبت.
لنستمع إليه يقول في 1965: «قضية العربية في المغرب قضية مزمنة والحق يقال، فهي ليست بنت اليوم ولا ناشئة فقط عن أثر الاستعمار في وطننا، ولكنها في الأصل ناشئة عن تقصير أجدادنا العرب في إكمال مهمة التعريب في المغرب». «قلت إن مشكلة العربية في بلادنا مزمنة، وأعنى بذلك أن التعريب الذي بدأه أجدادنا لم يتم في هذا الوطن. فما يزال قسم من جبال المغرب لا يتكلم العربية ولا يتقن الكلام بها. وهذا على عكس ما انتهى إليه الأمر في كل من تونس وليبيا والبلاد المشرقية»(21).
هذا الكلام، وخصوصا أن أقوال علال الفاسي عادة ما يستشهد بها على عمق رؤيته وبعد نظره وصواب موقفه، عندما ننظر إليه، من خارج الإيديولوجية الأمازيغوفوبية التي يغرف منها صاحبه، هو كلام فاشيستي وجاهلي، فيه ظلم وعدوان على الشعب الأمازيغي، وانتهاك لحقوق وكرامة الإنسان، ودعوة جاهلية صريحة إلى الغزو والاحتلال والهيمنة على الشعوب الأخرى، وإبادة هويتها ولغتها وثقافتها.
فلا يوجد مبرر أخلاقي أو ديني (وهو الفقيه المتضلع في الدين والشريعة) أو إنساني أو حقوقي يمكن أن يستند إليه علال الفاسي لتسويغ تعريب الشعوب وتدمير هويتها الأصلية والقضاء على لغتها القومية لتحل محلهما هوية ولغة أجنبيتان.
علال الفاسي، رغم أنه عالم وفقيه ورجل فكر ودين كما قلت، إلا أنه عندما يتعلق الأمر باللغة والهوية فإن علمه الوحيد، وفقهه الوحيد، وفكره الوحيد، ودينه الوحيد يصبح هو العروبة، ولا شيء آخر غير العروبة، التي تجبّ وتشلّ كذلك كل ما عداها. فالمبرر الوحيد الذي يسمح لعلال الفاسي بالدعوة إلى تعريب الشعب المغربي هو العروبة العرقية، وليس شيء آخر.
وحتى الدفاع عن اللغة العربية ليس، كما هو الشأن عند جميع التعريبيين، سوى وسيلة لترسيخ العروبة العرقية التي هي غاية الغايات. وهذا ما يوضحه علال الفاسي بقوله: «وإني لأرجو أن يتحد رجالنا على خدمة اللغة العربية وتمهيد الطرق لنموها وتطورها، حتى يضمنوا للمغرب وللإسلام فيه، حياة عربية موحدة، تستكمل ما بدأه أجدادنا من غرس ناجح للعروبة في هذه الأرض الحبيبة، وبذلك تكمل وحدتنا اللغوية، التي هي ضرورة لنا لوحدة العالم العربي كله»(22).
واضح، إذن، من هذا الكلام أن:
اللغة العربية ليست إلا وسيلة لغاية أهم وأبعد، وهي "غرس" العروبة بالمغرب.
علال الفاسي يعترف أن العروبة ليست "نبتة" محلية وأصلية، بل هي وافدة وأجنبية. لهذا فهي تحتاج إلى استنبات. وهذا هو معنى "غرس" العروبة الذي يتحدث عنه.
مهمة التعريب هي "غرس" العروبة بالمغرب، ولكن بشكل "ناجح"، وليس كما فعل العرب الأولون الذين "قصّروا" «في إكمال مهمة التعريب في المغرب».
لن يجد علال الفاسي ما يبرر به ما يدعو إليه من تعريب سوى ما كان يبرر به قطاع الطرق في الجاهلية غاراتهم على السابلة. والتعريب هو شكل من قطع الطريق على هوية الشعوب غير العربية. ولهذا فهو ممارسة جاهلية ولاإسلامية (انظر موضوع "دعاة التعريب أو المشركون الجدد"، ضمن كتاب "في الهوية الأمازيغية للمغرب"، المتوفر على الرابط: http://tawiza.x10.mx/identite.pdf). فعلال الفاسي يلوم العرب على عدم إكمالهم لمهمة تعريب المغرب. تصوروا أن فرنسيا يلوم الألمان على عدم إكمالهم ألمنة (جعلها ألمانية) فرنسا عندما احتلها الجيش النازي. لا شك أن هذا الفرنسي، سوف لا يلقى التنديد والاستهجان فحسب، بل قد يتهم بالخيانة ويقدم للمحاكمة.
فلو كان علال ديموقراطيا وعادلا ومسلما حقيقيا، للام العرب، ليس على عدم إكمالهم لمهمة التعريب، كما يتأسف على ذلك، بل للامهم على بدئهم هذا التعريب، الذي هو ظلم وغزو وعدوان، وعمل منافٍ لثقافة حقوق الإنسان والشعوب والأمم، ومتعارض مع تعاليم الإسلام الذي لم يأت لتعريب الشعوب.
إن هذا الغلو الأمازيغوفوبي لعلال الفاسي، يجعل منه واحدا من أكبر شيوخ الأمازيغوفوبيا في القرن العشرين.
ولنلاحظ أن علال الفاسي يجعل من تعريب المغرب "المهمة" التي من أجلها غزا العرب شمال إفريقيا. وهذا اعتراف أن "مهمة" هذا الغزو لم تكن إذن نشر الإسلام، كما يذكر التاريخ الأسطوري لانتشار الإسلام، بل نشر العروبة العرقية. ولهذا فهو يطالب بإكمال هذه "المهمة" التي قصّر في أدائها الأجداد. فهو يقول: «يجب أن ننتبه إلى ضرورة العمل على نشر العربية بكل الوسائل المثيرة والتي تدخل في إطار التربية الأساسية ولا سيما في الجبال البربرية»(23).
وإذا كان، كسياسي، لا يدعو علانية إلى القضاء على الأمازيغية كما فعل محمد عابد الجابري، إلا أنه يرمي إلى نفس الغاية عندما يقول: «وليس معنى هذا أني أدعو لمحو كل لهجة وطنية، فذلك ما ليس ضروريا، وإنما أعني انتشار اللغة الوطنية والدينية والإدارية والتجارية في جميع أوساط البلاد على أساس أنها لغة الاتصال بين مختلف ذوي اللهجات المحلية. وليس من المعقول أن يظل المواطنون في جهة ما، بحاجة إلى من يخاطبهم بلغة غير لغة الدولة»(24).
فكيف يمكن الحفاظ على "اللهجات المحلية" كما يسميها عندما تكون العربية هي «لغة الاتصال بين مختلف ذوي اللهجات المحلية»، وتحل "لغة الدولة" محل هذه اللهجات في التخاطب والتواصل؟
إذا كانت هذه "اللهجات" قد حافظت، كما هو معلوم، على بقائها ووجودها، وبدون مدرسة ولا تعليم، فذلك بفضل استعمالها في التواصل والتخاطب. أما إذا أصبحت العربية هي «لغة الاتصال بين مختلف ذوي اللهجات المحلية»، فهذا يعني موتا محققا لهذه اللهجات المحلية. وهذه هي المهمة التي ينتظرها علال الفاسي من التعريب، والتي لم يكملها أجداده كما يقول. لهذا نجده يطالب، عندما كان عضوا في لجنة إعداد دستور 1962، بجعل الطابع الرسمي للغة العربية موضوعا غير قابل لأي تعديل أو مراجعة دستوريين، على غرار النظام الملكي للحكم بالمغرب(25).
إن التعريب، كإيديولوجية كليانية totalitaire وفاشستية، تدفع أصحابها، مثل علال الفاسي، إلى الدفاع عن "الأوطوبيا" utopie، أي عن شيء لا ولن يوجد في أي مكان، حسب المعنى اليوناني الأصلي لكلمة "أوطوبيا"، غير مبالين بالواقع الذي لا يمكن تغييره بالأماني والرغبات اليوطوبية. وهذا ما فعله ويفعله كل التعريبيين علال الفاسي عندما يقول: «ثم كيف يمكن العمل لتصبح اللغة الفصحى الحديثة لغة الخطاب والمعاملة في الوقت الذي هي فيه لغة الكتابة والخطابة والتأليف؟»(26). مع أن العربية الفصحى لا يمكن، مطلقا ونهائيا، أن تصبح يوما ما لغة «الخطاب والمعاملة»، مهما انتشر التعليم وتراجعت الأمية. بل حتى لو أصبح جميع المغاربة يتقنون العربية الفصحى ويستعملونها في الكتابة والصحافة والتأليف، فإن ذلك لن يجعلهم يستعملونها في «الخطاب والمعاملة»، لأنها فقدت وظيفة الاستعمال الشفوي أصلا، وأصبحت تعرّف كلغة كتابة فقط.
هذه "اليوطوبيا" التعريبية لا تقفز على الواقع فحسب، بل تمنع أصحابها من إدراك أبسط الحقائق التي باتت من البديهيات في اللسانيات. فعلال الفاسي يقول: «أحب أن أؤكد وإن كان الموضوع لا يحتاج إلى تأكيد أن اللغة هي حياة الأمة وعنوان وجودها، وأن كل أمة لا يمكن أن تتحقق إلا في لسانها القومي المعبر عن تفكيرها التلقائي»(27)؛ و«إننا سنظل بدون ثقافة ما دمنا لا نتعلم ونتثقف باللغة الأم»(28).
إذا كان هذا صحيحا، وهو كذلك، فإن الأصح منه، وكنتيجة له، هو أن التعريب يعني إقصاء للسان القومي الأمازيغي والدارج ، وهو ما يمنع الأمة المغربية من "أن تتحقق"، لأن اللسان القومي، الذي هو أداة هذا التحقق، كما يقول لنا علال الفاسي، مبتور ومقطوع. كما أن التعريب، بمحاربته للغة الأم، الأمازيغية والدارجة، فهو يعمل على إبقاء المغاربة "بدون ثقافة"، ويمنعهم من أن "يتعلموا ويتثقفوا"، وذلك طبقا لنفس المنطق (كل أمة لا يمكن أن تتحقق إلا في لسانها القومي المعبر عن تفكيرها التلقائي) الذي استدل به علال الفاسي للدفاع عن التعريب.
إلا أن علال الفاسي، وغيره من التعريبيين، لا ينتبهون إلى هذه التناقضات والمفارقات التي يقعون فيها، لأن "يوطوبيا" التعريب تعميهم عن إدراك أبسط الحقائق البديهية، مثل أن العربية الفصحى ليست بلغة الأم لأي أحد في كل الدنيا، وليس في المغرب فحسب. ومع ذلك فإن كل نظرياتهم حول العربية والتعريب تقوم على هذا الوهم، وهو أن العربية تتصف بوضع اللسان القومي واللغة الأم.
المشكل، بل الكارثة، هو أن كل هذا الوهم، وكل هذه "اليوطوبيا"، وكل هذه التناقضات، لا تزال تشكل المرجعية "العلمية" و"اللسانية" و"التربوية" و"المنهاجية" التي توجه السياسة اللغوية والتعليمية بالمغرب. وبالتالي فهي التي ترسم مستقبل المغرب بالنظر إلى طبيعة التكوين الذي يتلقاه أبناء المغرب بناء على هذه السياسة اللغوية والتعليمية القائمة على الوهم و"اليوطوبيا" والتناقض، ومحاربة اللسان القومي للمغاربة ولغتهم الأم.
بدفاعه المستميت عن العروبة والعربية، وبغلوه في الدعوة إلى تعريب شامل وكامل، وبعدائه الشديد للأمازيغية، يكون علال الفاسي هو نبي "الشذوذ الجنسي" (بالمعنى الأصلي لصفة "جنسي" في العربية، الذي يعني القومي والهوياتي) في المغرب المعاصر. فكل فلسفته اللغوية والتربوية والسياسية ترمي إلى «غرس ناجح للعروبة في هذه الأرض»، أي تغيير الجنس الأمازيغي بالجنس العربي، كما يحدث في تغيير الجنس للشواذ أخلاقيا، والذي يتم بغرس جنس الأنثى مكان الجنس الذكوري الأصلي.
لم يكن علال الفاسي مجرد مفكر وكاتب له آراء ومواقف قد نقبلها أو نرفضها، ونتفق أو نختلف معها. بل كان، نظرا لسلطته الرمزية ومكانته الفكرية وريادته السياسية، مرجعية مؤسسة للفكر المغربي المعاصر. ولهذا نجد أن تأثيره لم ينته ويتوقف، بل هو حاضر ومتواصل، في إيديولوجيات الأحزاب التي تعتبر امتدادا سياسيا وفكريا وإيديولوجيا "للحركة الوطنية" التي كان علال الفاسي أحد أعمدتها وأقطابها البارزين؛ نلمس حضوره على الخصوص، وبشكل كبير وطاغٍ، في المقررات التعليمية التي لا زال يوجهها، بشكل مباشر أو غير مباشر، فكر "الحركة الوطنية"، أي فكر علال الفاسي الذي (الفكر) يجعل محتويات هذه المقررات تدور كلها حول العروبة، بمفهومها العرقي ذي المضامين العنصرية الجاهلية؛ والإسلام، لكن ليس كدين بل كإيديولوجية مكملة للعروبة وتابعة لها؛ واللغة العربية، لكن ليس كلغة بل كإيديولوجيا تؤسس لهوية جديدة بالمغرب تابعة للهوية العربية لبلدان المشرق العربي.
ولهذا إذا كان التعليم قد فشل في كل شيء بالمغرب، لكنه نجح في جعل الإنسان المغربي إنسانا عربيا في مشاعره ووجدانه وعقله وانتمائه (انظر موضوع " لماذا صُنّف المغرب في مؤخرة الدول العربية على مستوى التعليم؟" ضمن كتاب "في الهوية الأمازيغية للمغرب" على الرابط http://tawiza.x10.mx/identite.pdf)، فذلك لأن هذا التعليم لا زال يستلهم الفكر العروبي لعلال الفاسي الذي كانت عروبة المغرب والمغاربة، مع ما تتطلبه من سياسة تعريبية (بالمعنى العرقي والهوياتي والسياسي والإيديولوجي) شاملة، تمثل بالنسبة له غاية الغايات كما سبقت الإشارة. وهو الشيء الوحيد الذي نجح فيه التعليم بالمغرب.
كل هذا يبرز الدور التأسيسي الكبير لعلال الفاسي كأحد دعاة ورعاة "الشذوذ الجنسي" (بمعناه الهوياتي)، وكمرجع نظري أرسى أسس النزعة الأمازيغوفوبية بالمغرب، مع ما كان لذلك من نتائج تجلت في سياسة التعريب الجنونية والشمولية، التي أصبحت تعبيرا عن "الاستقلال" و"الحداثة" و"التقدم".
لهذا نجد أن مفكرين "كبارا" جعلوا من قتل الأمازيغية باسم التعريب مفخرة للمغرب والمغاربة. وهو ما تبجح به الأستاذ عبد الهادي التازي(29) عندما قال، في خاتمة العرض الذي قدمه ضمن "ندوة اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية"، التي انعقدت بالرباط من 26 إلى 30 نونبر 1984: «إذا كان لي ما ألخص به نجاح حركة التعريب طيلة ربع القرن الأخير من حياة المغرب المعاصر، فبهذه الكلمة القصيرة: إن ما حققته المملكة المغربية، بعد عودة الملك محمد الخامس من منفاه، يفوق ما حققه المغرب عبر أحقابه التاريخية الطويلة، منذ أن فتحه عقبة بن نافع»(30).
هذا أيضا، مثل ما كتبه علال الفاسي، كلام فاشستي جاهلي يفتخر صاحبه بنجاح مخطط إبادة اللغة والثقافة الأمازيغية، وهو المخطط الذي يسميه التعريب. مع أن السيد عبد الهادي التازي، لو كان ديموقراطيا ومنصفا، متشبعا بالقيم الإنسانية الكونية وليس العروبية التي تدعو إلى احترام لغات وثقافات وهويات الشعوب، لهاجم سياسة التعريب الإجرامية، ولطالب بوقفها باعتبارها ممارسة مخالفة لحقوق الإنسان والشعوب، فيها عدوان على هويات ولغات وثقافات الشعوب غير العربية، وتحويل قسري للأمازيغيين والمغاربة إلى عربان.
بالنسبة للسيد عبد الهادي التازي، التعريب مدعاة للفخر والاعتزاز، لأنه، تحت مخدر الاستلاب والشرقنة، لا يستطيع أن يدرك أنه يفتخر ب"الشذوذ الجنسي" الذي هو شيء مخجل ولاأخلاقي، ذميم ومقيت.
ونفس الشيء نجده عند الراحل محمد عابد الجابري الذي اشتهر بقولته التي سارت بها الركبان، عندما كتب يقول: «إن عملية التعريب الشاملة يجب أن تستهدف ليس فقط تصفية اللغة الفرنسية كلغة حضارة وثقافة وتخاطب وتعامل، بل أيضا وهذا من الأهمية بمكان العمل على إماتة اللهجات المحلية البربرية منها أو "العربية" الدارجة. ولن يتأتى ذلك إلا بتركيز التعليم وتعميمه إلى أقصى حد في المناطق الجبيلة والقروية، وتحريم استعمال أية لغة أو لهجة في المدرسة والإذاعة والتلفزة غير العربية الفصحى»(31).
هو أيضا لا يعي، تحت مخدر الاستلاب والشرقنة و"الشذوذ الجنسي" (دائما بمعناه الهوياتي)، أن كلامه هذا هو قمة في الفاشستية والعدوان على لغات وثقافات الشعوب.
كيف لمفكر في حجم محمد عابد الجابري أن يطالب «بتحريم استعمال أية لغة أو لهجة في المدرسة والإذاعة والتلفزة غير العربية الفصحى»؟ أليس هذا المطلب الأخرق تعبيرا عن ذروة الفاشستية كما قلت، وإعلانا عن سياسة قطع الألسن التي تنطق بغير العربية، ودعوة لإقامة محاكم تفتيش لسانية؟
والجابري، هو أيضا، يتصور اللغة العربية كما لو كانت موجودة ومعروفة يتقنها ويعرفها الجميع. لكن هناك من يمتنع عن استعمالها والتحدث بها. مع أن الحقيقة هي أن العربية لا تعرفها إلا نخبة محدودة، ولا تستعملها هذه النخبة إلا في مواقف وسياقات ووضعيات خاصة، مثل خطبة جمعة، كلمة تأبين، درس جامعي، محاضرة في ندوة... فكيف للغة لا وجود لها في التخاطب والتواصل أن يفرض استعمالها في هذا التخاطب والتواصل بين الناس؟ هل بلغ الاستلاب و"الشذوذ الجنسي" هذا المستوى "المتقدم" من العمى العلمي واللساني والإيديولوجي؟
ومعلوم أن ما يدعو إليه الجابري من «إماتة اللهجات المحلية البربرية منها أو "العربية" الدارجة»، هو دعوة لإماتة ما يشكّل الخصوصية المغربية، إي إماتة الهوية المغربية. وهو ما ترمي إليه سياسة التعريب المقيتة والإجرامية.
خاتمة:
الغريب هو أن هذه المواقف "الشاذة" (من الشذوذ الجنسي الهوياتي) والفاشستية من اللغة والهوية الأمازيغية لمثل هؤلاء "المفكرين"، بدل أن تكون سببا كافيا لإدانتهم وتسفيههم، جعلت منهم "مفكرين" كبارا يحظون بالتقدير والاحترام، ومرجعا فكريا يستحضر عندما يتعلق الأمر بقضايا اللغة والثقافة والهوية بالمغرب. لماذا؟ لأن هيمنة النزعة الأمازيغوفوبية، وما تعنيه من استلاب و"شذوذ جنسي"، جعلت احتقار الذات، ورفض كل ما هو محلي ومغربي أصيل، قيمة عليا ومدخلا إلى "التنمية" و "التقدم" و"الحداثة"، و"التطور" و"الفكر المتنور" و"الديموقراطية"...
لكن العكس هو الذي حصل: فالمغرب، كما تصنّفه تقارير المنظمات الدولية المختصة، يتراجع سنة بعد أخرى على مستوى التنمية والتقدم والحداثة، والتطور والفكر المتنور والديموقراطية...
ما هو السبب؟
السبب هو هذه النزعة الأمازيغوفوبية التي أصبحت شبه ركن من أركان الدولة المغربية. وما علاقة هذه النزعة بموضوعات التنمية والحداثة والديموقراطية؟
العلاقة تظهر في احتقار الذات ورفض كل ما هو مغربي أصيل، كما كتبت. هذا الاحتقار والرفض هما نتيجة للارتباط، ليس بالأصيل وبالذات، وإنما بما هو مشرقي وعروبي. فهما اللذان أنتجا الهرولة الهوياتية نحو المشرق العربي كنموذج في اللغة والهوية والثقافة والتدين. ولهذا أصبح هم السياسيين والمسؤولين المغاربة ليس هو تنمية المغرب وتحديثه ودمقرطته، بل جعله "عربيا" في هويته ولغته وثقافته وتاريخه. وإذا عرفنا أن هذا النموذج العربي، الذي يستلهمه المغرب هوية ولغة وثقافة وتدينا (أقصد مذاهب وتيارات الإسلام السياسي)، لا زال بعيدا، وبمسافات طويلة، عن الحداثة والتقدم والديموقراطية، ندرك لماذا لا يزال المغرب هو كذلك بعيدا عن هذه القيم. فإذا كان النموذج متخلفا، فإن مقلّد هذا النموذج لا يمكن إلا أن يكون أكثر تخلفا منه.
لهذا فإن العودة إلى الذات والأصالة المغربية، أي العودة إلى الأمازيغية التي تمثل هذه الذات وهذه الأصالة، ستشكل أحد شروط القطع مع شروط التخلف والحكامة السيئة، والفساد والاستبداد. ولا تعني العودة إلى الأمازيغية القضاء، وبشكل مباشر وميكانيكي، على التخلف والفساد والاستبداد. بل إن هذه العودة ستقضي على التبعية لمصادر هذا التخلف والفساد والاستبداد، وتفتح أمام المغرب آفاقا جديدة وتجارب جديدة، لكن انطلاقا دائما من ذاته التي تمثلها هويته الأمازيغية الجامعة والموحدة.
لكن هذا القطع مع عوامل التخلف لن يكون مفيدا إلا داخل دولة عادت هي نفسها إلى هويتها الأمازيغية. وتتجلى هذه العودة في الإعلان والاعتراف من طرف المسؤولين أن المغرب دولة أمازيغية، بالمفهوم الترابي وليس العرقي، أي دولة شمال إفريقية تستمد هويتها من أرضها الشمال الإفريقية.
إحالات:
(21) علال الفاسي، "فعالية اللغة العربية"، مجلة "اللسان العربي" (يصدرها المكتب الدائم لتنسيق التعريب التابع لجامعة الدول العربية)، العدد الثالث، سنة 1965، صفحة 8.
22)) نفسه، صفحة 8.
(23) نفسه صفحة 13.
(24) نفسه صفحة 8.
(25) - Aherdan, Mémoires, Editions du Regard, Paris 2013, tome 2, page 53.
26) ) "فعالية اللغة العربية"، مرجع سابق، صفحة 15.
(27) نفسه، صفحة 8.
28) ) نفسه، صفحة 24.
29) ) المعروف والشائع أن السيد عبد الهادي التازي من أصول عربية اندلسية ككل العائلات الفاسية. لكن هو نفسه اعترف، وأمام كاتب هذه السطور، في محاضرة ألقاها بمقر نيابة وزارة التربية الوطنية بالناظور بتاريخ 12 أبريل 1999 بعنوان "الأعلام الجغرافية بشمال المغرب"، بأنه ينتمي إلى قبيلة أيث توزين المعروفة بمنطقة الريف. (انظر العدد 25 من شهرية "تاويزا" لشهر ماي 1999)
30) ) محمد شفيق، "ثلاثة وثلاثون قرنا من تاريخ الأمازيغيين"، دار الكلام للنشر والتوزيع، المحمدية 1989، صفحة 96.
(30) محمد عابد الجابري، "أضواء على مشكل التعليم بالمغرب"، صفحة 146، طبعة 1985، دار النشر المغربية 1985.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.