المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.. إطلاق الدورة الرابعة لمسابقة الكتابة الإبداعية    استجابة لحملة إنقاذ الأسرى الفلسطينيين.. مجموعة العمل الوطنية تدعو لوقفة احتجاجية أمام البرلمان            انخفاض التضخم في يناير 2026 مدفوعا بتراجع أسعار المواد الغذائية    الانخفاض يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    رفض صيدلاني لفتح رأسمال المهنة أمام المستثمرين والصيادلة يلوّحون بالاحتجاج    بنحيون يتولى "عمادة الآداب" بمرتيل    توقيف الأمير أندرو واستجوابه 11 ساعة يهز العائلة الملكية البريطانية    خبر يهم المغاربة: أوروبا تفرض حدا أقصى جديدا للمدفوعات النقدية    البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يعبئ أزيد من 150 مليون يورو لتطوير البنية التحتية في تركيا    ملحق اليوروبا ليغ.. ثنائية الخنوس والواحدي تضيء أوروبا ونتائج مثيرة في باقي المباريات    اتفاق بين FIFA ومجلس السلام لإطلاق مشروع كروي متكامل في قطاع غزة    سائق دراجة نارية يصدم شرطيا عمدا ويرفض الامتثال بعد مخالفة مرورية    وزارة التعليم العالي تُعمّق المشاورات المالية قبل تنزيل زيادة 1000 درهم    القضاء الإداري يعزل خمسة منتخبين بجماعة إنزكان على خلفية "تضارب المصالح"    الأمم المتحدة شكلت لجنة خبراء تضمن تحكم البشر بالذكاء الاصطناعي    مسرحية "لافاش": حين تتحول البقرة إلى استعارة للسلطة وسخرية سوداء تفكك منطق التحكم والفساد    وزارة الأوقاف توحّد خطبة الجمعة حول الصيام والتقوى وإتقان العمل    جمعية الفردوس تنظم المهرجان الوطني للطفل والناشئة بجهة الدار البيضاء–سطات    قوالب جاهزة أمرّها قالب السُّكّر !    رويترز: ترامب يسعى إلى إبرام اتفاق نووي مع السعودية    بوستيكوغلو يعترف بأن قراره تدريب نوتنغهام كان "سيئاً"    وديتان أمام بوركينافاسو لاختبار جاهزية لبؤات الأطلس    شبيبة الأصالة والمعاصرة تؤكد دعمها للوحدة الترابية وتعلن تعبئتها للانتخابات المقبلة    تراجع ملء سد وادي المخازن إلى 140% .. والمنشأة تتجاوز أصعب اختبار    المركز الجهوي للاستثمار بالعيون يفعّل مسطرة تتبع المشاريع الاستثمارية        240 مليون درهم لدعم الإعلام        للحفاظ على جودة العلاجات في طب العيون بالمغرب.. يوم وطني للتشاور ببوزنيقة    التشريح يكشف تفاصيل صادمة في وفاة شخص سقط من الطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية بالدار البيضاء    "جيل زد".. ابتدائية عين السبع تؤجل ملف الناشط محمد خليف    8 سنوات لمغتصب نادلة بالجديدة.. استدرجها بإعلان في فيسبوك بوجود عمل وهمي وهتك عرضها    كيوسك الجمعة | الحكومة تعبئ مخزونات السردين وتخضع الصادرات للرقابة    أحكام بالسجن في حق 18 مشجعا سنغاليا بعد شغب نهائي ال"كان" بالرباط    المشهد الحزبي المغربي بين الضبابية الأيديولوجية والهشاشة التنظيمية على وقع تآكل الأخلاق    الملك محمد السادس يدعم جهود ترامب لإعادة إعمار غزة ويدعو إلى إطلاق مسار حقيقي للسلام بالشرق الأوسط    تسوية ب 35 مليون دولار في قضايا الاعتداء المرتبطة بجيفري إبستين    الكوكب المراكشي يعلن عودة استقبال مبارياته بملعب الحارثي    فليك يوبخ نجوم برشلونة ويحذر من ضياع الموسم    نينغ تشونغ يان يمنح الصين أول ذهبية أولمبية في التزلج السريع    في الذكرى 15 لحركة 20 فبراير.. "الجمعية" تدعو للاحتجاج أمام البرلمان وتطالب بإطلاق سراح معتقلي "جيل زد"    استمرار الأجواء الباردة في توقعات اليوم الجمعة بالمغرب    مستشارو فيدرالية اليسار الديمقراطي بالجديدة يطالبون بخطة شاملة وعاجلة لرد الاعتبار للحي البرتغالي    "الكورفاتشي" ينتقد تماطل "الكاف"    نصائح ابن حزم في "طوق الحمامة" للعشاق وحكاية ابن السراج والفاتنة شريفة    عن القلوب التي تواسي بلا حدود أو قيود    تقرير إسباني: ميناء طنجة المتوسط غيّر خريطة الموانئ في مضيق جبل طارق    ليلى شهيد.. رحيل امرأة استثنائية        وزارة الأوقاف تحدد موعد قرعة الحج    وزارة الأوقاف تعلن مواعيد قرعة الحج لموسم 1448ه وإعلان اللوائح النهائية    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل هناك لغات أعقد (أو أبسط) من لغات أخرى؟
نشر في هسبريس يوم 24 - 11 - 2015

هل هناك لغات "صعبة ومعقدة" ولغات أخرى "سهلة وبسيطة"؟ ... تنتشر بين العوام أسطورة تعتبر بعض اللغات أكثر تعقيدا من الأخرى. من ذلك مثلا أن كثيرا من المغاربة ينظرون إلى اللغة الصينية على أنها لغة معقدة بشكل يستحيل تعلمها وأن الإنجليزية لغة يسيرة يمكن تعلمها بدون الحاجة إلى استثمار جهد خاص.
من الدروس التي نعلمها لطلبتنا في بداية كل سلسلة من المحاضرات حول اللسانيات أن الإعتقاد في تعقد بعض اللغات وبساطة لغات أخرى هو اعتقاد جاهل وسوء فهم لظاهرة اللغة. وليسمح لي القارئ أن أشرح بشيء من التفصيل.
هل الإنجليزية لغة بسيطة؟
يستند كل من يعتقد بأن اللغة الإنجليزية لغة يسيرة التعلم على أمثلة نمطية كثيرا ما يرددها غير المتخصصين بشيء من اليقينية، كأن يقولوا إن تصريف الفعل في صيغة المضارع لا يتغير إلا في حالة ضمير الغائب، مما يجعل تصريف الأفعال في منتهى اليسر. إلا أن مثل هذه الملاحظات السطحية تخفي غابة مظلمة من التعقيدات والتفصيلات التي لا نهاية لها، منها أن اللغة الإنجليزية لغة نَبْرية يخضع فيها النبر لقواعد يستحيل فهم ما يقوله المتكلم الأصلي إذا لم يستبطنها المتعلم استبطانا. وقاعدة النبر في الأفعال هي أن تنبر المقطع ما قبل الأخير إذا كان الأخير مقطعا ثقيلا (طويلا أو مضعّفًا) وإلا فيُنبر المقطع الأخير. بل إن هناك إن هناك ألفاظا لا تميز صورتها الإسمية عن الفعلية إلا بالنبر. فإذا قلت: convert فإن المعنى سيكون هو "حوّل" إذا نبرت المقطع الأخير، و"المتحول" إذا نبرت المقطع الأول.
من ذلك أيضا أن الإنجليزية تبني ألفاظها بطريقة غير معهودة في اللغات التي يستعملها المغاربة كاستعمالها لعملية "الوصل" التي تجمع كلمتين في كلمة واحدة. فعندما تقول black bird، مع تنبير اللفظ الثاني فأنت تقصد "طائر أسود". أما عندما تصل اللفظتين في كلمة واحدة مع نبر اللفظ الأول وتقول blackbird، فإن المعنى هو "نوع من الطيور" منه الأسود ومنه الأحمر ومنه الأبيض أيضا!
من مظاهر التعقد اللانهائي في الإنجليزية أنها تستعمل نمطا من تركيب الأفعال مع الحروف يسمى ب"الأفعال المركبة" phrasal verbs تأخذ فيها فعلا وتركبه مع حرف فتخرج بذلك عن معنى الفعل الأصلي إلى معنى آخر لا علاقة له بالأول. فإذا قلت come فسيكون معنى كلامك "جاء"، لكن إذا قلت come across فالمعنى هو "التقى بشخص ما بشكل مفاجئ". الفعل do يعني "فعل" أما إذا ركبته مع الحرف up وقلت do up فسيكون المعنى هو "ربط". وما يزيد في تعقيد آلية التركيب هذه أن تطبيقه يمكن أن يولد أكثر من معنى واحد.
من مظاهر التعقد والغنى في الإنجليزية أيضا أنها تحتوي على نوعين من المعجم، المعجم اللاتيني والمعجم الجرماني، مما يفسر وجود غزارة المترادفات في هذه اللغة. إلا أن لكل من هذين النوعين من المعجم خصائص ينبغي أن أن يكون للمتعلم أن يكون على علم بها إذا أراد أن يستعمل الألفاظ بطريقة سليمة. فالعبارة الجرمانية Man تعني إنسان (كما تعني "رجل" أيضا)، نفس الشيء ينطبق على الكلمة اللاتينية human إلا أن نعت manly المشتق من الأولى يعني "متصف بالرجولة"، أما human المشتق من الثانية فيعني فقط "متصف بالإنسانية". وإذا أضفت الحرف e إلى آخر هذا النعت يصبح معنى اللفظ humane "إنساني" بالمعنى الأخلاقي للكلمة.
هل لغات الشعوب "البدائية" بسيطة؟
ليست اللغة الإنجليزية هي اللغة الوحيدة التي تتصف بالتعقيد، بل كل اللغات الإنسانية بما فيها تلك التي تتحدثها الشعوب "البدائية": التعقيد خاصية من ثلاثة عشر خاصية اكتشف عالم الأنتروپولوجيا الأمريكي شارلز هوكيت في ستينيات القرن الماضي أنها تسم اللغات الإنسانية. وليسمح لي القارئ بأن أعطيه أمثلة عن هذا التعقيد في بعض اللغات التي قد يعتقد الناس أنها بدائية وبعيدة عن الحضارة التي عادة ما يقترن التعقيد بها.
لغة الكيكويو لغة كينية في عائلة لغوية إفريقية تسمى ب"البونطو". من مظاهر التعقيد في هذه اللغة طرق صياغتها للإستفهام. تستعمل هذه اللغة في صيغة الإستفهام للجمل أداة حيرت المتخصصين لمدة طويلة. فالسوابق التي تدمج مع الفعل في هذه اللغة تستعمل نبرا عاليا بالضرورة، لكن إذا ما استخدم الفعل في سياق الإستفهام، فإن النبر يختفي ليعوض بنبر محايد. المثير في الأمر أنك إذا دمجت الإستفهام في جملة داخل جملة أخرى (كأن تقول: من الذي أخبرتني أن زيدا سألك إن كنت ستراه؟)، فإن النبر المحايد يلتحق بجميع الأفعال المستعملة في الجمل المدمجة، وكأنما يعلم المتكلم أن المستفهم عنه يمر من جملة لجملة إلى أن يصل إلى أعلى موقع في الجملة أي صدرها.
لغة الماسابا هي لغة إفريقية شرقية (من عائلة البونطو أيضا). من مظاهر التعقد في هذه اللغة أنها تستعمل نظاما مورفولوجيا لتصنيف الأسماء شديد التعقيد. فبينما تميز العربية ولإنجليزية، مثلا، بين المذكر فقط، تميز هذه اللغة بين ستة عشر صنفا. فإذا استعملت اسما يدل على الإنسان أي ba، فإنك ستضيف له السابقة "أومو"، لكنك ستضيف إلى هذه السابقة سابقة أخرى تخصص الصنف بحسب ما يدل عليه: إذا كان الإنسان رجلا، ستشير له ب umuhasi-bahasi وإذا كان امرأة ستستعمل umusani-basani وإذا كان بنتا، ستستعمل umuhana-bahana وهكذا.
هل اللغات القديمة أعقد من اللغات المعاصرة أو العكس؟
قد يقال: ولكن لماذا تتميز اللغات القديمة بظاهرة الإعراب بينما تختفي هذه الظاهرة في اللغات التي نتحدث بها اليوم؟ لماذا نجد الإعراب في العربية (ثلاثة إعرابات) والسنسكريتية (ثمانية إعرابات) والجرمانية (خمسة إعرابات) واللاتينية (خمسة إعرابات) بينما لا نجد الإعراب في الإنجليزية والفرنسية؟ ألا يعني هذا أن اللغات القديمة أكثر تعقيدا من اللغات المعاصرة؟
أولا ليس صحيحا أن ظاهرة الإعراب لم تعد موجودة في اللغات المعاصرة، بل إنها ظهرت في بعض المجموعات اللغوية، مثل اللغات الأسترالية، رغم أنها لم تكن موجودة قبلا. ثانيا عندما يختفي الإعراب من لغة فإنه يعوض بتعقيدات تركيبية تؤدي نفس الدور الذي كان يؤديه الإعراب. من ذلك مثلا أن الإنجليزية المعاصرة فقد الإعراب الذي كانت تحمله الأسماء في آخر الكلمات لتعوضه ببُنى جديدة تلعب نفس دور الإعراب كالترتيب البنيوي الذي يحتفظ بالفاعل في صدر الجملة والمفعول في آخرها، وبنية التبئير (كقولك It is Mary who drew that picture.) ، والبنى الوجودية (كقولك There's a bird in the room) ، والعوائد (مثل himself) التي كانت الإنجليزية القديمة تعبر عنها بالضمائر فقط.
قد يقال أيضا بأن اللغات المعاصرة أكثر تعقيدا من القديمة لأنها أضافت ألفاظا عديدة لمعجمها نتيجة لنمو الحضارة الإنسانية. هذا أيضا وهم بصري لأن اللغة تضيف كلمات جديدة ولكنها تفقد الكثير من مفرداتها التي تنسحب من التداول اليومي لأسباب عديدة. من ذلك مثلا أن اللغات المعاصرة صاغت ألفاظا كثيرة متعلقة بالعلم والتكنولوجيا، لكنها فقدت ألفاظا كثيرة مرتبطة بالطبيعة والفلاحة والبحر وعالم الحيوانات وأسلوب الحياة القديم.
فكيف نكتسب اللغة إذن؟
رغم التعقد المثير للغات الإنسانية، يؤكد الخبراء أن الطفل يكتسب لغته بشكل كامل في سن الخامسة تقريبا. لذلك استنتج اللسانيون (شومسكي، مثلا) أن الإنسان يتوفر على ملكة بيولوجية ( = تخص الإنسان بصفته نوعا بيولوجيا) نيورولوجية ( = يوجد مكانها في الدماغ) مسؤولة عن تأهيل الفرد الإنسانية إلى اكتساب النظام اللغوي المعقد بيسر وسهولة. سمى شومسكي هذه الملكة ب"جهاز اكتساب اللغة" وافترض أنه يتكون من مبادئ كلية مجردة يمكن اكتشافها بالبحث. وهذا عين ما فعله هو وزملاؤه بعد أكثر من ثلاثين سنة من البحث الدقيق والمقعد في عدد كبير من اللغات.
تبدو اللغة الإنجليزية يسيرة التعلم ليس لأن أهلها بسطوها (فلا يمكن التحكم في تعقد اللغة) بل لأن أهلها صاغوا مناهج لتدريس هذه اللغة تحاول أن تتبع نفس الخطوات التي يتبعها الطفل في اكتساب لغته. لذلك تجد منهج الأوديو لينڭوال السائد في معظم مدارس تدريس الإنجليزية يبتدأ دائما بالمهارات الشفوية (الكلام والسمع) لينتهي بالمهارات الكتابية (القراءة والكتابة). كما تجد منهج الإستجابة البدنية التامة لتعليم المعجم الذي يكتفي بتوجيه جسد المتعلم باستعمال اللغة المتعلمة لأن الطفل يتعلم الكلمات عندما تطلب منه أمه القيام بأمور معينة.
خلاصة
ليست هناك لغة بسيطة. كل اللغات معقدة بشكل كبير. إلا الإنسان يتوفر على "جهاز قوي" لتعلم اللغات هو ما يجعله يكتسب اللغة بشيء من اليسر. هذه مقدمة ضرورية لمحاربة الأوهام اللغوية ببلدنا. سأعود لفضح أوهام أخرى في مقال قادم إن شاء الله تعالى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.