تعرف مسألة حقوق الإنسان توظيفا مُتزايدَ الاتساع في شتَّى الواجهات الثقافية المرتبطة بالفنون البصرية المحتلة للميادين ولمساحات التواصل الجماهيري (مهرجانات وندوات وملتقيات وأيام …) وكذا للأنشطة المتعددة والمتنوعة بالفضاءات العمومية. نادرا ما يكون هذا التوظيف لحقوق الإنسان باعتبارها مفهوما كُلِّيا فلسفيا ودستوريا وقانونيا، يحتاج تساميا ذكيا بمضامينه، خدمة لمشروع بنائي صادق لمواطنة فعالة في الواقع السياسي والاجتماعي لحياة شعب. مقابل ذلك غالبا ما يكون توظيفها من منطلق أنها موضوع جُزئيِّ التجليات في اليومي في حياة شرائح مُحددة، بعيدا عن الإستراتيجيات الواقعية والناجعة للتواصل الجماهيري بأشكاله، والبصري منها خاصة، باعتباره ذا السلكة التطويعية الأقوى للوعي وللمتخيل الجمعي، إذ غالبا ما يتم التوظيف من خلال مونوغرافيات مُستهلكة، لا تخدم إلا تكريس ما ينبغي تحكيمه لبناء الجديد على أنقاضه. يتعلق الأمر في الغالب الأعم بقصص وبحكايات مُلقاة على قارعة الطريق، على شاكلة ما يُروِّجه التلفزيون المتحاذق في حراسة المألوف وإعادة إنتاجه، تحت الضغط العنيف لانعدام الاستقلالية المالية، أو لاحتكارية الدولة لخيوط التسيير بشكل مباشر أو غير مباشر لخط الشاشة الكبرى التحريري، ولتدخلها في رسم الغايات وفي تحديد فلسفة اشتغاله ونهوضه بوظيفته. اتخذ هذا التوظيف لحقوق الإنسان في الفعل المدني الثقافي المرتبط بفنون الصورة، والفنون البصرية على وجه الخصوص، بعد ما سمي بالربيع العربي، مدًى أفُقيا مناسباتيًّا سطحيا وتسطيحِيا انتهازيا، أكثر مما اتخذ مدىً عموديا متجذرا في الراهني وامتداداته المُركَّبة ثقافيا وسياسيا ونفسيا وذهنيا. تمثَّل هذا التوظيف عموما، باختلافات طفيفة بين مراحل تطور المجتمع والدولة المغربية على السواء منذ الثمانينيات على الخصوص، (تمثّلَ) في درجة إحكام القبضة على هذه الحقول، لكن في وقت لم يكن تعقيدها وعالميتها وعولمتها بنفس ما هي عليه اليوم من مستوى. ومع ذلك فستبدي لنا المقارنة أن الوضع هنا ينتصب عكس توظيف الدولة التركية لهذه الفنون البصرية ولحواملها من سينما وتلفزيون في تعدد أنواع ما ينتجانه من إبداعات. ينبغي الاعتراف بأن توظيف تركيا الإستراتيجي المندمج مع حزب العدالة والتنمية التركي، في العشرية الأخيرة خاصة، واكب تمددا اقتصاديا للدولة نحو الخارج، بهدف تحقيق طموح استرجاعٍ واعٍ لدورٍ إقليميٍّ سياسي قوي وواقعي الطابع، وهو تصوُّر يقوم على قاعدةٍ شموليةٍ تستوعب البعد الثقافي والإعلامي والتعليمي والدبلوماسي. من المؤكد أن الدولة التركية والحزب الحاكم يلهثان ويعانيان في اللحاق بالركب العالمي للموجة الثالثة، لكنهما على الأقل يحاولان بفعالية مُعينة اللحاق بهذا الركب في سياق عالمي وإقليمي عدواني ومعقد. ليس الانتماء إلى منظومة حقوق الإنسان في العالم اليوم انتماء بسيطا يرتبط باقتصاد السوق الصناعية والطاقية فقط، بل هو أيضا انتماء يمكن القول إنه يرتبط ب"السوق السياسية لحقوق الإنسان"، التي غدا المنتج والمستهلك فيها - اقتصادا وسياسة ومعرفة وثقافة - متوحدان بعد الانتقال لما بعد مجتمع المعرفة والتواصل وصراع المنتج والمستهلك فيه. يستند التوظيف الشائع والمُدرُّ للرِّبْح لحقوق الإنسان في مضامين الفنون البصرية، سينمائية كانت أو تلفزيونية، وفي زحام شديد للسفسطائيين متعددي الأقنعة، والواقعين في غرام الشعبوية، في أقدم صيغها بباب قاعة سدنة الإشراف على هذا التوظيف، (يستند) إلى القاعدة الحربائية القديمة والمعروفة، منذ تجربة "المرجئة" في الصراع السياسي الإسلامي المُقنَّع حول السلطة وحول الثروة، وهي القاعدة التي تكمن في اتباع وانتهاز كُلِّ مُستحدثٍ يُوهم بإمكانية أن السَّبق في توظيفه كيفما اتفق، وفي استغفال دائم لمجتمع مدني ولنقاد ومثقفين ومبدعين مردوعي الهمة ومتراجعي الحيوية، هو توظيفٌ لحقوق الإنسان في الفنون البصرية إذن، دون رؤية عميقة ولا ملائمة تتمثل نبله وتستوعب تركيبيَّته، ومع ذلك تسعى بإلحاح، بل وبوقاحة، إلى نيل حُظوة أو امتياز لا ينفصل فيه الذاتي إلا عن الموضوعي بالذات. يتمثل هذا الموضوعي الذي يستوجب أخلاقيا التركيز على الفاعلية في نشر الوعي بحقوق الإنسان، وفي إدراك جوهريتها في الحياة العمة والخاصة على حد سواء، في التحسيس على الأقل بالثنائيات التي تحكم هذه المنظومة، مثل الحق في اقترانه بالواجب، والحرية في اندماجها الكلي بالمسؤولية، ونيل الأجر في تناغمه الكامل مع التصويت واحترام القوانين…إنه الموضوعي الذي من المفروض أن يستمد منه كل توظيف لحقوق الإنسان في الترويج للفنون البصرية وللفعل المدني الثقافي والإشعاعي الشرعية والمشروعية. يحدث الصنف السلبي من الترويج لحقوق الإنسان بالمغرب منذ أكثر من عشرية بصفة خاصة. ربما يعود هذا الاهتمام المتزايد بموضوع حقوق الإنسان ببلدنا للأشواط التي قطعها في مأسسة هذه الحقوق، وفي تدبيرها من جهة، وبسبب هامش الحريات العامة الفردية والجماعية التي تقدمت فيه بالملموس مقارنة ببقية الدول المماثلة لمساره التنموي - وبالعالم العربي عامة من جهة أخرى. إلا أن توظيف موضوعة حقوق الإنسان هذه شاعت اليوم أكثر بين من يمكن تسميتهم بالداخلين الجدد للنادي العالمي لحقوق الإنسان، إذ غدت شروط الولوج إلى هذا النادي، ذي السلطة الاقتصادية والسياسية والمالية والدبلوماسية، شروطا مُركبة وفقًا لما جاء في مؤلف الباحث الأمريكي Alvin Tofler المُعَنْون ب"الموجة الثالثة". إن الاشتغال على الفنون البصرية مُندمجة ضمن الحوامل الجديدة والإلكترونية للتواصل الجماهيري من سينما وإنترنت وتلفزيون…في مغرب يريد نحت مكانة له كجسر بين أفريقيا وأوروبا، وبين الشرق والغرب الأوروبي منه والأمريكي، مع التشبث بنموذج خصوصي، ولكنه في الوقت نفسه مِطْواع ومُنسجم مع الكوني، الذي لا يمثل في العمق إلا الغربي المُشتَرِكةِ في قيَّمه قوىً كُبرى بمصالح متقاطعة تجهد في الحفاظ عليها وفي تجديد حيويتها وراهنيتها. هذا الاشتغال المغربي على حقوق الإنسان لن يكون ناجعا بالنسبة لنا إلا إذا تم إدماجه ضمن آليات خلق وتطويع موجات التقليعات العالمية لبناء مشروع مجتمع يتجاوز توترات مجتمعية غير مُنتجة، وتقابلات مُغنية لفائدة الدولة والمجتمع سويا، ذلك هو أهم تجسيد لاندماج المنتج والمستهلك "Posumateur"، على حد تعبير المفكر الأمريكيAlvin Tofler . لا طريق نحو تجنب السُّم المُدمر لوسائل إعلام واتصال جماهيري، هي في واقع الأمر حوامل لفنون بصرية ممسوخة ومُخربة، إلا إذا كانت هذه الفنون في شكلها وفي مضامينها، والتي تُروَّجُ عبر هذه الحوامل، ولا انفصال بين الاثنين، مُستلهمَةً ومهتدية باهتمامات الرأي العام في علاقتها بضرورات وآليات التطوير والتقدم والتنافس العالمي على الريادة. ومع ذلك فلن يكون هذا السعي مستقيما إلا وهو يلبس شكلا أصيلا وذكيا في التعامل مع الثقافات المحلية، بهدف صيانة تعدد هويتها الوطنية، مقابل ترك، بل ومقاومة منهجية واعية وذكية أيضا للسائد اليوم، وهو التبعية التقليدوية الهجينة للعالمي المعولم في أضعف صوره. تفرض صيغة فعالة وإبداعية نفسها ليس في إنتاج يومي لما يوسع نطاق الاهتمام بحقوق الإنسان كضرورة يومية ترفع من إيقاع التحديث، بل وكآلية تصحح الخلل المستشري في أغلب برامج التواصل الجماهير تربية وتنشئة بإعادته إنتاج ما يهدم كل المحاولات اليتيمة والمعزولة للنهوض بهذه الحقوق. وعلى سبيل المثال فما بيننا وبين تبسيطية الطروحات الفنية، السينمائية منها والفوتوغرافية خاصة، لهذه الحقوق، واستلهامها لصياغة الجديد والمُبهر، بل والصّادم (وهو المطلوب)؛ سيجعلنا نتفادى تزييفية الفن لوظيفته النبيلة، إذ أصبح اليوم ببلدنا عبارة عن آليّة ضخمة لتبهيجٍ بئيسٍ، ولتطويع ولتزييفٍ ولتمويهٍ قبيحٍ بفقره جماليا، وبفقده لمصداقية ثقافية في حد أدنى وطنيا. مقابل ذلك سنجد هذا الفن تم التنزير له دون عداء مع أساسه الجسدي، فن مُقتدر بمكر جميل وباحترافية عالية على تطويعٍ منتجٍ لحقيقة أوضاع إنسانية عالمية، تسير نحو مآسٍ لم يسبق لعالميتها مثيل في فسيفساء الصراع العالمي الأبدي حول الثروة والمتعة، التي خلَّفت وتخلف "دراماتٍ" صالحةً لاستدرار دموع مُتفرج يُفرغُ جيبه في صناديق أعتى شركات الإنتاجات السينمائية التلفزيونية. يتعلق الأمر بتواطؤ إستراتيجي، هو اليوم في الغرب ليس محل نقاش لأنه الأكثر قدرةً على تأليم المتفرج-الممول، والأكثر إحكاما للسيطرة على تماهيه بتخييله المنمق والمبهج والمبهر لهذه الفنون: ألا يحق لنا الحديث عن "فنون الدمار الشامل" في هذا السياق؟ فهل حان الوقت لتكسب بعض دفعاتنا بعضا من فعاليتها وطنيا؟ كلمة عن الفن النبيل وسط شعبوية توظيف الفنون البصرية: السينما. كل سينما صادمة متحدية بتفكيكها للمألوف وللتقليدي وللمُدرِّ للربح من جيوب مثقوبة بالجهل والعقلية المحافظة ومنطق التسلية،بالأكثر قدرة على ولوج اللاوعي في تجلياته الموروثة، بحيث يتم هدهدته وتجديد حيويته، إنما هي سينما بمعنى ما ملتصقة بحقوق الإنسان عندما تكون سينما حساسة بما فيه الكفاية لتحدي عارف وصادق وقوي ومقنع، وقبل هذا وذاك ذكي، في تعاملها مع القواعد الكلاسيكية للتعبير السينمائي، الذي لا صياغة للملائم خارجه: لغة التعبير معيار المضمون، إذ لا يمكن تصور دلالات "ثورية" إبداعيا داخل قوالب تقليدية، وإلا فذرائعية حياديَّةِ اللغة مطابقة لانتهازيَّةِ البعض ضدًّا على مبادئ اللسانيات والمواضعات الفلسفية وربما السيميائية الحديثة. سينما التوعية؟ متجاوزة في ظل القوة الإغرائية للبطاطس المقرمشة وللأجساد الطرية التي تشرب كوكا كولا… سينما بيانات الإدانة والشجب والمرافعات؟ التهمة المقرفة اليوم والموجبة للشنق دون محاكمة للأكثر تضررا من الوضع هي تلك الكلمات … سينما حقوق الإنسان بالتخصيص؟ بيداغوجيا بطابع وثائقي ربما لا تصلح إلا في قناة الجزيرة بتأثيثاتها الغرافيكية "المُغْرقة" …. أقُلْتَ سينما الإبداع؟ نعم هي المطلوب هنا والآن، لكن هيهات والحبل مطلوق على الغارب في الإمساك بناصية المعايير، معايير العمل على كل المستويات، كما نمسك به في الأمن العام القومي الإستراتيجي، أفليس مقام الفنون البصرية المؤثرة مباشرة على صناعة المستقبل بمقام الأمن القومي العام؟