إن تصورنا ل"ثقافة الأزبال"، جزء من الإيمان، و قد تكون مزابل قوم عند قوم فوائد، حيث تحرك فينا بعدا حضاريا، يجعلنا نتنافس عالميا في النظافة، و نبحث عن حلول لأزبالنا التاريخية، أو نضع استراتيجيات مستقبلية. جاء في الحديث النبوي أن الإيمان بضع وسبعون أو بضع و ستون شعبة ( حسب رواية البخاري و مسلم )، أفضلها لا إلاه إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق. فكيف يجمع الحديث بين التوحيد و إماطة الأذى عن الطريق ؟ و كيف نجعل من "إماطة الأذى" جزءا من السياسة المدنية للمجتمع، و نأخذ بعدها الرمزي، لنتحدث عن"الأذى الأوربي"، فلماذا لا يستطيع أن يحافظ على نفاياته، و يقوم برسكلتها أو تخميرها ، في فضاءاته و صحاريه، أليس أولى بنا أن "نرسكل مزابلنا التاريخية " و نميط أذاها عن الناس، و لا نحرق المراحل؟ فشيء جميل التقنين و تفعيل المساطر، لكن ليس في واقع لم يستطع التخلص من المزابل. حقيقة، الموضوع مرحلي سيكون له حل سياسي أو اقتصادي، فما يهمنا هو العلاقة بين البعد العقائدي و المدني الذي يصنع حضارة الشعوب. مشتقات لغوية ل" الأذى": الأذى هو الضرر و المكروه، و "أماط الأذى" عن الطريق نحاه و أبعده. القمامة هي الكناسة التي تجمع من البيوت و الطرق و توضع في صندوق. و القاذورة هي الوسخ، و الفعل القبيح و اللفظ السيئ، و القاذورة من الرجال سيئ الخلق لا يخالط و لا يعاشر، و الذي لا يبالي ما صنع و ما قال، و أتى بالقاذورة، بالفاحشة كالزنا. لكن الغريب أن "الأزبال" ترتبط بروث الحيوانات التي تسمد الأرض، ف"تزبيل الأرض": تسميدها و إصلاحها بوضع الزبل فيها، و العربية تحترم الإنسان و لا تجعله يشارك الحيوان في الأسماء و الأفعال. و "الزَبال" هو الذي يجمع النفايات و فضلات الطعام و الأوساخ من الشوارع و من أمام المنازل، و في كل الأحوال ليس هو "مول الزبل"، لأن "مول الزبل" الحقيقي بالإسناد و الملكية هو من يرميه لا من يجمعه. و الزُبال هو ما تحمله النملة بفيها، و يقال: ما أصاب منه زُبالا أي شيئا. أما النُفاية فهي ما أبعد من الشيء لرداءته، و هو البقية و الفضلة أو ما زاد على الحاجة، و نُفاية الطعام بقيته الرديئة، و نُفاية السجائر رمادها، و نقول نُفاية الجلود و القماش، و قد تكون بمعنى الكناسة و القمامة التي أشرنا إليها سابقا. إزالة "المزابل" أولى من "رسكلة الأزبال": أكيد أن " مزبلة مديونة" تعوق العمران للمدينة الرقمية، و القطب المالي للمغرب، حيث الخطر الناجم عن عصارتها أصاب الآبار و الأراضي المجاورة و أثر على المواشي و على ألبانها و لحومها، و على السكان بالأمراض الجلدية و التنفسية، إضافة إلى الروائح الكريهة المتطايرة و الذخان الملوث، و هي وسمة عار في وجه عمدات المدينة، و لازالت تحت إشراف الإنعاش الوطني الذي يقوم بإعادة التأهيل مؤقتا في انتظار وزارة البيئة لتقوم بإعادة التهيئة، و للتخفيف من وصفها بالمزابل يسمونها ب" المطارح العشوائية". و أكيد أن إماطة الأذى أقل شأنا من إزالة مزبلات تاريخية بأحياء عريقة، فالكل يعرف "مزبلة مريكان" بالبيضاء التي تشير إليها بعض الروايات المغربية، كالريح الشتوية لمبارك ربيع، المتحدثة عن مرحلة الاستعمار، و أكيد أن الأمطار تفرز مياه سامة تتنقل بين الأزقة، و قد حاول بعض الأساتذة الباحثين وضع دراسات لإزالتها، لكن دون جدوى. و قد أصبحت بعد عقود من الانتظار " حديقة شبه عمومية أو " منتزه عشوائي"، لأنه لم يكلف المسئولين سوى كسو سطح المزبلة بالتراب و غرس الأشجار التي طعمت بأخرى اقتلعت من الشوارع بعد أشغال الترامواي، بينما بقيت المياه النتنة في الأعماق تخرج الحشرات و الصراصير صيفا، حديقة يصعب على الشيوخ و المعاقين صعود 6 أمتار للوصول إلى فضائها، المفتوح في وجه 300 ألف نسمة تسكن حي سيدي مومن، و لا تطلب سوى توفير الأمن للمنتزه. و لست أدري هل صفة " مريكان " للمزبلة إهانة للمغرب أم لأمريكا التي تستعمر البر و البحر و المزابل ؟ من أجل ثقافة " إماطة الأذى": المواطن الذي من ثقافته "إماطة الأذى عن الطريق" لا يمكن أن يكون مصدرا للأذى، فإذا كان عدم إماطته الأذى عن الطريق هو إخلال بإيمانه، فكيف إذا كان هو واضع الأذى في الطريق؟ فهذا محدد أساسي ل"المواطنة العقائدية"، فالعلاقة جدلية بين العقيدة و المواطنة، فالعقيدة تؤكد على المواطنة، المجسدة رمزيا في إماطة الأذى عن الطريق. إذا كان هذا وضع من يميط الأذى عن الطريق، فما بالك بمن يأمر به و يخطط له، فهو لا يملك الفعل فقط بل هو صاحب تصور "إماطة الأذى"، هو مؤمن به كما يؤمن بلا إلاه إلا الله، و مدرك ل"أنواع الأذى"، و ل"علاقات الأذى الدولية "، و ل"مصلحة الأذى الوطنية"، و ل"أولويات الأذى"، يدرك العلاقة بين البعد العقدي و البعد المدني لإماطة الأذى عن الطريق، و هذا بيت القصيد الذي نريد الوصول إليه. من مقاصد العقيدة "المدنية": العقيدة لغة من العقد، ضد الحل، عقدت الحبل فهو معقود، و منه العهد، و العقود أوكد العهود، و العقد قد يكون بين طرفين أو أطراف متعددة و قد يكون بين الإنسان و نفسه. و العقيدة قبل أن تكون عهدا و التزاما أو إلزاما هي حرية اقتناع و اختيار، و لا يمكن للإنسان في حياته ألا يختار أو ألا يعقد على "شيء معين". و ليست العقيدة نظاما سياسيا أو اقتصاديا، لكنها حين تسري في مفاصل المجتمع تكون " الكيمياء الحضارية "، فالعقيدة تصنع الحضارة و الحضارة تنتج نظمها الخاصة، العقيدة قوة و الحضارة فعل، العقيدة تنتج الحضارات في الزمن بقوة الدفع " التوحيد"و إمكانية الفعل " إماطة الأذى عن الطريق"، و الملاحظ أن الحضارات العقائدية هي التي استمرت في التاريخ. إن المدنية قاعدة لبناء المجتمع لكنها أيضا مدخل و حافز إيماني، فقد أخرجناها، في تصورنا، من الدائرة العقدية و اعتبرناها تشريعات و تعاقدات اجتماعية لا ترقى إلى الاعتقاد. إن العقيدة في تحديدها لحقيقة الوجود و الإنسان و الكون هي " الفكرة " التي صنعت الحضارة، و كل حضارة هي ثمرة فكرة تحركها على الدوام، استئنافا و تعديلا، كما حركتها ابتداءا، فهي "الدفع الحضاري" أو " الفعل الحضاري" المستمر. إن استيعاب فكرة العقيدة و طريقة تحملها عامل أساسي في انحسار الحضارة، فالانحراف في "التصور العقدي" أو "التحمل الإيماني" هو الذي يعوقها اليوم عن "الدفع الحضاري" من جديد. فالنسق الفكري العقدي هو الذي يبنى العمران و "الإنسان النموذج" " الإنسان المعيار" الذي يترك لمسته و بصمته، النموذج الجامع للروح و الجسد، للدين و الدولة، للغيب و الشهادة، للذات و الآخر، للفرد و المجتمع.