تعادل إيجابي يحسم مواجهة الوداد وأولمبيك آسفي في ذهاب ربع نهائي "الكاف"    المتطرفون يتقدمون في بلديات فرنسا    أولمبيك آسفي والوداد يفترقان على التعادل في ذهاب ربع نهائي كأس الكاف        الأمن يقبض على متحرش في مراكش    خبراء وإعلاميون يبرزون دور "الرياضة في خدمة القضايا الوطنية"    البيان الختامي لملتقى الأخوة الإنسانية        الدوري البلجيكي: زكرياء الواحدي يمنح جينك الفوز أمام سانت تروند (1-0)    حادثة سير خطيرة بحي المنار بمدينة العرائش... دراجة ثلاثية العجلات تصدم مسنًّا والسائق يفرّ من المكان    تفاهة الشر وعالم يتعلم القسوة    إفطار جماعي وأمسية روحانية لفائدة نزيلات المؤسسة السجنية تولال    البابا ينتقد أولئك الذين يستغلون الدين لشنّ الحرب    نتانياهو يسخر من "شائعات تصفية"    الدار البيضاء.. فاطمة الزهراء اليومي تفوز بالجائزة الأولى للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم لفائدة أبناء وأيتام أسرة الأمن الوطني    ميناءا طنجة والدار البيضاء ضمن أفضل الموانئ العربية في الربط الملاحي العالمي    شركات النفط في المغرب تبدأ موجة زيادات جديدة على خلفية ارتفاع البرميل إلى 100 دولار    الرئيس ترامب يستبعد أي إمكانية لوقف إطلاق النار مع إيران في هذه المرحلة    كرة القدم .. تعيين المغربية لمياء بومهدي مدربة للمنتخب الأردني للسيدات    زيادات تصل إلى درهمين في اللتر.. أسعار المحروقات ترتفع بالمغرب    البوليساريو ودعم الجزائري والاتهامات والارتباط بإيران... كيف بدأ الكونغرس الأمريكي التحرك لفرض عقوبات على الجبهة؟    ميزان الحسيمة يكرم نساء رائدات في أمسية رمضانية عائلية    استحقاقات 2026 لحظة سياسية حاسمة لتقييم المسار التنموي وتصحيح اختلالاته    الكتابة الإقليمية بالمحمدية تحتفي بالمرأة الاتحادية وتناقش آفاق هيكلتها التنظيمية    رحيل الإعلامي جمال ريان بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود    850 قتيلا في لبنان منذ اندلاع الحرب    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية مرتقبة من الثلاثاء إلى الأربعاء    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    السماح لمعتقل حراك الريف محمد حاكي بحضور جنازة والده بالحسيمة    شكايات حول مبيدات مغشوشة بحقول الشمال تدفع وزارة الفلاحة إلى التحقيق    الجيش الملكي ونهضة بركان يفشلان في استغلال عاملي الأرض ويعقدان مهمتهما قاريا    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    مكناس…لقاء بمكناس حول"التجربة المغربية في العمل التطوعي"    أهمية تدريس اللغة الأمازيغية داخل صفوف الجالية المغربية في بلجيكا    "التوحيد والإصلاح" تدين إغلاق المسجد الأقصى وتطالب الدولة المغربية باتخاذ مواقف تنسجم مع مسؤولياتها التاريخية    تأجيل سباق قطر للدارجات النارية بسبب الصراع في الشرق الأوسط    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    لقاء يحتفي ب "صمود المرأة القصرية"    الملك محمد السادس يجدد تضامن المغرب مع الإمارات ويدين الاعتداءات الإيرانية    ارتفاع نسبة ملء سدود المغرب إلى أكثر من 71 في المائة    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        من إيران إلى الجزائر... كيف اختار المغرب المواجهة الدبلوماسية مع خصومه؟    في حضرة "البام".. مهنيون يفككون واقع وأعطاب المنظومة الصحية بالمغرب        قراءات قانونية في الاعتقال الاحتياطي    لا صيام بلا مقاصد    وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاما    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        أزولاي يستحضر بإشبيلية الجذور التاريخية لاحترام الاختلاف بالمغرب والأندلس    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



'العَلْمانيّة' بين تحييد الدولة وتعطيل الدين
نشر في هسبريس يوم 25 - 05 - 2011

لا ريب في أنَّ "ٱلعَلْمانيّة" مَسألةٌ شديدةُ الإشكال، ليس فقط لأنَّ الذين يُوصَفُون (أو يَصِفُون أنفسهم) ب"ٱلعَلْمانيِّين" يَختزلونها غالبًا في معنى «فصل ٱلدين عن ٱلدولة» باعتباره أحد مُقتضيَات "ٱلتنوير ٱلعقلانيّ" و"ٱلتحرير ٱلحَداثيّ"، وإنّما أيضًا لأنَّ الذين يرون أنَّ "ٱلدِّين" لا ٱنفكاك للإنسان عنه مُطلقًا يَجدون أنَّ ذلك المعنى الِاختزاليّ يَجعلُ "ٱلعَلْمانيّةَ" مُساوِيةً ل"ٱللَّادِينيّة" (التجرُّد من "ٱلدين" بإطلاق)، مِمّا يَستلزم -بالتالي- أنَّها دِينٌ مُتنكِّر باسم "ٱلعقل" أو "ٱلحداثة" على النحو الذي يُوجِب رفضها في نظرهم. وإنَّ الأمرَ ليزداد إشكالا حينما تَصير "ٱلعَلْمانيّة" مُلتبِسةً ب"ٱلعِلْم" كما يُوهِم شُيوعُ ٱستعمال لفظ "عِلْمانيّة". تُرى، ما حقيقة "ٱلعَلْمانيّة" في علاقتها بكل من "ٱلْعِلْم" و"ٱلدِّين" و"ٱلدولة"؟ وهل من الممكن أنْ تقوم "ٱلعَلْمانيّة" في المجتمعات الإسلاميّة على غرار قيامها في المجتمعات الأخرى؟
يَجدُر، ٱبتداءً، أنْ يُلاحَظ أنَّ "ٱلعِلْمانيّة" ٱسمٌ مُولَّدٌ بالنَّسَب إلى لفظ "ٱلْعِلْم" بواسطة لاحقة المُبالَغة "انِيٌّ/انِيَّة"، مِمّا يَجعلُه مُصطلَحًا يُؤدِّي معنى «ٱلنَّزعة ٱلفلسفِيّة ٱلتي ترتبط بالوَضْعانيّة والتي تُبالِغ في تقدير قيمة "ٱلْعِلْم" إلى حدِّ القول بأنّه قادرٌ على أنْ يَجعلَنا -عاجلًا أو آجِلًا- نُدرِك كل ٱلأشياء، وأنّه يَستطيع وحده أنْ يُلبِّيَ كل آمال ٱلإنسان»، فلفظُ "عِلْمانيّة" -إذًا- مُصطلَحٌ عربيٌّ يُقابِل اللفظ الأجنبيَّ (scientism/scientisme). و"ٱلعِلْمَانِيَّة"، بهذا المعنى، غير "ٱلعِلْميّة" (scientificity/scientificité) بمعنى «ٱلطابع ٱلعِلْمي» الذي يَتحدَّد في ٱرتباطه ب«مجموع ٱلشُّروط ٱلمطلوبة في ٱلعمل ٱلبحثي-الفكري ليكون عِلْميًّا»، وهي أيضا غير "ٱلعَلْمانيّة" التي هي ٱسمٌ مُولَّدٌ في العربيّة بالنَّسَب إلى لفظ "ٱلْعَلْم" (بواسطة لاحقة المُبالَغة "انِيٌّ/انيّة"، و"ٱلعَلْم" ٱسمُ فِعْلٍ من "عَلَمَ ٱلشيءَ" بمعنى "وَسَمهُ"، أيْ «جعل له عَلامةً أو سِمَةً» و، من ثَمّ، بمعنى "ٱلعالَم" كمثل "ٱلطّابَع" الذي "يَعْلُم/يَسِمُ" الأشياء أو هو "ٱلعلامة/ٱلسِّمة" الدّالّة على "ٱلخالِق/ٱلصانِع")، مِمّا يَجعلُ مُصطلَح "عَلْمانيّة" يُقابِل اللفظ الأجنبيّ («secularism/sécularisme, laïcisme») ٱلذي يَدُلُّ على «ٱلنَّزعة التي تَذهب إلى أنَّ شُؤون هذا "ٱلعالَم ٱلدُّنيويّ" يَنبغي (بل يَجب) أنْ تُفْصَل عن "ٱلدِّين" في ٱشتغاله ب"ٱلعالَم الأُخرويّ" (وٱنحصاره فيه)».
إنَّ لفظَ "ٱلعَلْمانيّة" ذاك وُضِع في الأصل لترجمة المُصطلَح الأجنبيّ الذي يُعرِّبه بعضُهم ب"ٱللائكيّة" (ٱنطلاقا من اللّفظ الفرنسي « laïcité »). لكنَّ هذه ٱلترجمة -رغم شُيُوعها- تَبقى مُلتبسةً، لأنّها لا تُمكِّن من إدراك معنى أنَّ «شُروط ٱلوُجود وٱلفعل في هذا "ٱلعالَم" هي وحدها ٱلحَكَم في تحديد ٱلقِيَم ٱلمُوجِّهة للسُّلوك ٱلإنسانيّ»، ولأنَّ لفظ "ٱلعَلْمانيّة" يَختلط ب"ٱلعِلْمانيّة" حتَّى عند بعض ٱلمُتخصِّصين، على الرغم من تكرار التأكيد بأنّه يَنبغي فتح "ٱلعَيْن" في ٱلأُولى وكَسْرها في ٱلثانية. ذلك بأنَّ ٱلمُصطلحَ ٱلأجنبيّ يَعني «ٱلنّزعة ٱلتي يرى أصحابُها ضرورةَ جَعْلِ كُلِّ مُؤسَّسات ٱلمجتمع، التي تُعنى بالشّأن العامّ، خارج سلطة "ٱلكنيسة" و"رجال ٱلدِّين" و، من ثَمّ، جَعْل "ٱلشّعب" بكل فئاته صاحب ٱلسيادة في جميع شُؤون "ٱلحياة ٱلدنيا" وترك ٱلحريّة للأفراد فيما يَتعلَّق بشؤون "ٱلحياة ٱلأُخرى"». إِذْ أنَّ لفظ «laïc»، ٱلذي هو ٱلأصل في ٱلمصطلح ٱلفرنسيّ، يرجع إلى ٱللّفظ ٱللاتينيّ "لَيْكُوس" («laïcus») ٱلمأخوذ بدوره من ٱللّفظ ٱليُونانيّ "لَيْكُوس" («λαϊκός»)، ٱلذي يَعني "ٱلمُتَدَنِّي" أو "ٱلمُدَنَّس" أو "ٱلدُّنيويّ" أو "ٱلعامّيّ" (كصفةٍ غالِبةٍ على ما له صلة ب"ٱلشّعب" الذي يُسمّى في اليُونانيّة القديمة "لَاوُس" [«laoV»]، أو كصفةٍ لِمَا يَأتيه "عامّة ٱلناس")، وذلك في تَعارُضه مع معنى "ٱلخاصّ" أو "ٱلكَنَسيّ" أو "ٱلمُتعلِّم/ٱلْعالِم" (الذي يَحمِلُه اللّفظ اليُونانيّ "كليريكوس" [«klhrikóV»] في معناه الأصليّ «ما له صلة بالحظّ» أو «النّصيب الذي يَرِثه المحظوظ» أو «النّصيب المُعطى لرَجُل الدِّين أو الكنيسة»، وهو الذي أعطى لفظ "كليريكوس" اللاتينيّ [« clericus »] الذي صار « clerc » في الفرنسيّة و«cleric » في الإنجليزية بمعنى "رجل ٱلدِّين" أو "ٱلدِّينيّ" أو "ٱلكَنَسيّ"). وكذلك فإنَّ ٱللَّفظين ٱلإنجليزيَّ « secular » وٱلفرنسي « séculier » يَرجِعان إلى ٱللَّفظ اللاتينيّ "سَيْكُولَرِيس" [« sæcularis »] بمعنى "زمنِيّ/عَصريّ" في مُقابِل "كنَسيّ/دينِيّ" (والأصل في هذا ٱللفظ ٱللاتينيّ أنّه نَسَبٌ إلى لفظ "سَيْكُولُوم" [«saeculum»] بمعنى "عالَمٌ"). وهكذا، يَتضافر ذانِك ٱللَّفظان الأجنبيّان ("لَيْكُوس" و"سَيْكُولَرِيس") ليُؤدِّيَا معنًى ٱصطلاحيًّا أساسيًّا: «كُلّ ما له صلة بإخضاع أُمور هذا "ٱلعالَم" للعقل ٱلإنسانيّ ٱلذي يُفترَض أنّه مُشترَكٌ بين ٱلنّاس كافّةً، وإبعاد "ٱلكنيسة" و"رجال ٱلدِّين" من ٱلِاستبداد بتدبير شُؤون "ٱلحُكم" و"ٱلتعليم" و"ٱلإدارة" و"ٱلِاقتصاد" و"ٱلفكر" و"ٱلفن"».
ونجد أنَّ ذلك ٱلمعنى يُؤدِّيه في "ٱللِّسان ٱلعربيّ" مُصطلحان: أوَّلُهما يُمكِن توليدُه من "ٱلدَّهر" بمعنى "ٱلزمان مُطلقًا" ويَستنِد إلى مُصطلح "ٱلدَّهْريّة"، كما عُرِف من قبل، ٱلذي يَدُلّ على «مذهبِ مَنْ كانوا يقولون -كما ورد في "ٱلقرآن"- ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حياتُنا ٱلدُّنيا نَمُوت ونَحيا وما يُهْلِكنا إِلَّا ٱلدهر﴾ (ٱلجاثية: 24)». وبِما أنَّ ٱلأمرَ يَتعلَّق ب"نزعة" (أو "مذهب")، فيجب أنْ تُسمَّى "دَهْرانيّةً" (باستعمال لاحقة المُبالَغة "انيّة")، وٱسمُ "ٱلتَّفعيل" منها هو "ٱلتَّدْهير" في مُقابِل اللّفظ الأجنبيّ (« secularization/laïcisation ») من "دَهَّرَهُ" بمعنى «جَعَلهُ دَهْرِيًّا» أو «أعطاه صِبْغةً دَهْرِيَّةً» ؛ والمصطلح ٱلثاني مَوجودٌ أيضًا في ٱلآية السالِفة نفسها هو "ٱلدُّنيا"، ومنه يُمْكِن توليدُ مُصطلَحِ "ٱلدُّنيانِيّة" للدلالة على تلك ٱلنّزعة نفسها، وٱسم "ٱلتّفعيل" منه هو "ٱلتَّدْنِيَة" (من "دَنَّاهُ" بمعنى «جَعلَه دُنْيوِيًّا» أو «أعطاه صِبْغةً دُنيوِيّةً»، بحيث يكون "دَنَّاهُ" مثل "دَهَّرهُ") الذي معناه مُساوٍ لمعنى "ٱلتَّدهير" عينه (وكل من "ٱلتَّدنِيَة" و"ٱلتَّدهير" يُؤَدِّيان معنى اللّفظ الأجنبيّ (« secularization, laïcisation/sécularisation »).
ومن حيث إِنَّ الأمرَ يَتعلَّق، أساسًا، بمُناهَضةِ سُلطان "ٱلدِّين" وٱلقَيِّمين عليه في مُجتمعٍ يُفترَض أنّه يَتحدَّد ك"مجتمع مدنِيّ" (وهو ما قد يُؤدِّي إلى نوعٍ من التّطرُّف في إبعاد "ٱلدِّين" والعمل على تَعطيله تَمامًا، بحيث نَصِيرُ أمام نزعةٍ تَدَّعِي أنَّها "لادِينِيَّة" بإطلاق)، فإنَّ مُصطلَحَا "ٱلدُّنْيوِيّة" و"ٱلدَّهْرِيَّة" -في دلالتهما على «ٱلطابع الدُّنيوِيِّ/ٱلدَّهْرِيِّ للوُجود والفعل ٱلبشريَّيْن» ("ٱلدُّنْيويّة/ٱلدَّهريّة" في مقابل اللفظ الفرنسيِّ « la laïcité »)- يَدخُلان في تَقابُلٍ دالٍّ مع مُصطلحِ "ٱلدِّينيّة" (بمعنى "ٱلطابع ٱلدِّينيِّ" في مُقابِل « religiosity/religiosité ») الذي يُقوِّيه التقابُل المعروف بين "ٱلدِّين" و"ٱلدُّنيا" (على الرغم من عدم وجاهته في "ٱلإسلام"، لكونه -بما هو "دِينٌ"- يَشمَل "ٱلحياة ٱلدُّنيا" و"ٱلحياة ٱلآخرة" كلتيهما).
ومِنْ ثَمَّ، فإنَّ "ٱلدَّهْرانيّةَ" و"ٱلدُّنيانيّةَ" مُصطلحانِ يُعبِّران عن «تلك ٱلنَّزعة ٱلتي تُؤكِّد أنَّ أُمور "ٱلحياة ٱلدنيا" يَنْبغي (بل يَجِب) ٱلِاحتكامُ فِيها إلى "ٱلعقل ٱلبشريِّ" (في تَغيُّره ونِسبيّته)، وليس إلى "ٱلوحي" و"ٱلدِّين" (في ثباته وإطلاقيّته)»، مِمّا يَجعلُ صفة "دُنيانِيّ/دَهرانِيّ" تَدُلّ على «ما/مَنْ يَستنِدُ إلى "ٱلدَّهْرانيّة/ٱلدُّنيانيّة" أو ما/مَنْ يَصدُر عنها». أمّا ٱلمصطلح ٱلمُعرَّب "ٱللائِكيّة"، فيَفْضُل مُصطلَح "ٱلعَلْمانيّة" بقُربه ٱلصوتيّ من اللّفظ الأجنبيّ. لكنّه يَلتبِسُ مثله بكلمات عربيّة قريبة منه صوتيًّا/صرفيًّا ("ملائكة" و"أَلَكَ¬ يَأْلِكُ" ومُشتقّاته {"أَلْكٌ"، "أليكةٌ"، "آلِكٌ"} ؛ ثم "لَاك¬ يَلُوك" ومشتقّاته {"لَوْكٌ"، "لائِكٌ"، "مَلُوكٌ"}).
إنّ ممّا يَنبغي تَبيُّنه، إذًا، أنَّ مسألةَ "ٱلتَّدْنِيَة/ٱلتَّدْهير" -بما هي "إبطالٌ لِسِحْرِ ٱلعالَم" (« désenchantement du monde »)، إبطالٌ لا يَتعارَض مع "ٱلتديُّن/ٱلتّديِين" بما هو أصلا "تَحريرٌ" على أساس الشروط الدُّنيويّة نفسها و"تحرُّر" منها أيضًا- تُعَدُّ سَيْرورةً مُتعلِّقةً ب"ٱلتَّرشيد" ومُتوزّعةً بين ٱتِّجاهَيْنِ: "ٱلتّعقيل" مع "ٱلعقلانيّة"، و"ٱلتّحرير" مع "ٱلحُرِّيَانيّة" أو "ٱلتَّسْيِيد" مع "ٱلدِّمقراطيّة" (تحرير ٱلِاقتصاد وٱلعلاقات ٱلِاجتماعيّة بدمقرطة ٱلحياة ٱلعامّة وتَسْيِيد ٱلشعب، على النحو الذي يُعطيه "ٱلسيادة" في كُلِّ شؤون "ٱلحياة ٱلدُّنيا"). ولأنَّ "ٱلتّرشيد" قائمٌ في بُلُوغ البشر طَوْر "ٱلرُّشد" وٱلِانفكاكِ عن كُلِّ أشكال "ٱلوِصاية ٱلبشريّة" (أربابًا أو آباءً أو أولياء)، فإنَّ قِوامَه إنّما هو الخروج دينيًّا ودُنيويًّا من "ٱلغَيّ" بثُبُوت أنّه «لا إكراه في ٱلدِّين» (تمامًا كما يُؤكِّده "ٱلإسلام" أَصْلًا شرعيًّا مُحكَمًا)، بحيث يَصير "ٱلِاعتقادُ" مَبْنيًّا على "ٱلِاختيار" و"ٱلِاقتناع" ولا يَكُون "ٱلتعبُّد" إلا وَفْقه سُلوكًا شَخصيًّا يَلْتزمه ٱلمرءُ (في علاقته بمعبوده) وليس فَرْضًا خارجيًّا يُلْزَمُ به إكراهًا (من قِبَل أمثاله من الناس).
وإِنَّ كونَ "ٱلوُجود" و"ٱلفعل" ٱلبشريَّيْن لا يَتحقَّقان إلا بالنِّسبة إلى شُروطِ هذا "ٱلعالَم" لَيَستلْزِم أنَّ سَيْرورةَ "ٱلتّرشيد" تلك لا تَقُوم في الواقع الفعليِّ إلا باعتبارها مُحدَّدةً ٱجتماعيًّا وتاريخيًّا. ولهذا، فإنَّ كُلًّا من النُّزُوع نحو فصل "ٱلدِّين" عن "ٱلعالَم" (بجعله مَحصورًا في ٱلِاهتمام بالآخِرة و، من ثم، موضوعًا للتعطيل بفعل توسُّع وترسُّخ "إبطال سحر ٱلعالَم" في المجتمعات الحديثة) وفصل "ٱلعِلْم" عن "ٱلمُمارَسة ٱلعَمليّة" (بجعله "نَظرًا تأمُّليًّا" لا تأثير للعمل فيه و"فِعْلا مُنزَّهًا" لا تَعلُّق له ٱلبَتّةَ بأيِّ غرضٍ نفعيٍّ) يَقُود إلى تصوُّر "ٱلعَلْمانيّة" كعَملٍ يَبتغي إقامةَ فصلٍ حاسمٍ بين مجال "ٱلِاعتقادات" (كمجال خاصّ وشخصيٍّ) ومجال "ٱلمُعامَلات" (كمجال عامٍّ ومُشترَكٍ) على النّحو الذي قد يُوهِم أنَّ "ٱلعِلْمَ" وحده له القُدرة على الفصل بين "ٱلِاعتقادات ٱلمُعلَّلة" (ك"معرفة" تُؤسِّس قَصديًّا الفعلَ المُشترَك) و"ٱلِاعتقادات ٱلِاعتباطيّة" (ك"رأي" يَسنُد الفعل اللَّاهِي أو اللَّاغِي)، فيجعل بذلك "ٱلعَلْمانيّة" (في طلبها للخُروج من ٱستبداد رجال الدين) تَتحوَّل إلى "وُثُوقيّةٍ" (أو أحسن "ٱعتقادانيّة") تَلْتبِس ب"ٱلعِلْم" فتتَّخِذُ وجهَ "عَلْمانيّة نِضاليّة" تُناهِض "ٱلدِّين" مُطلقًا فتُحارِبُه سِرًّا أو علانيّةً باسم "ٱلتنوير ٱلعَقْلانيِّ"، مِمّا يُؤدِّي إلى قيامها ك"لادينيّة" صريحة قد لا يَتردَّد أصحابُها في إعلان "ٱلكُفر" و"ٱلإلحاد" و"ٱلزَّندقة" أو، على الأقل، في التحيُّز معه ومُناصَرته ضدّ "ٱلإيمان" و"ٱلتديُّن".
وإذا كان قيامُ "ٱلعَلْمانيّة" في صورةِ نضالٍ مذهبيّ وسياسيّ لتعطيل "ٱلدِّين" يَكْشف جوهرَها ٱلِاعتقاديّ رغم حرصها الشديد على إبراز توجُّهها ٱلنّقديّ، فإنّ إغفال دُعاتها للارتباط الضروري بين سَيْرُورة التّحييد وإكراهات التحيُّز يُعدُّ ٱنحرافًا منهجيًّا يُؤكِّد ٱستحالةَ ٱلفصل ٱلمُطلَق بين "ٱلدُّنيا" و"ٱلدِّين"، إذْ أنَّ "ٱلعِلْمَ" نفسَه -في سعيه للاستقلال بالنّظر العقليّ عن كل التّحريفات- لا يستطيع أنْ يَقطع كُلَّ صلاتِ "ٱلباحِث/ٱلعالِم" بعالَمه الدُّنيوِيِّ ٱلدَّفين والحيويّ، لكي يَجعله يَنْقطع -بالتالي- عن كُلِّ "ٱلمُسبقات" و"ٱلمُضمرات" التي تُكوِّن ذاتَه كفاعلٍ يَعتقد ويَعمل على إنجاز ما يَعتقد. ولا يخفى أنّ ٱمتناعَ مثل هذا ٱلِانقطاع، حتّى في مستوى المُمارَسة العلميّة، يُوجِب تَنْسيب عمل "ٱلحياد/ٱلتّحييد" بشكل يَجعلُ رفعَ شعار "ٱلعَلْمانيّة" كفصلٍ تامّ ونهائيّ بين "ٱلدينيّ" و"ٱلدنيويّ" تضليلا محضًا يَتستَّر على جانبها الِاعتقاديّ غير المُحايِد.
ومن ثَمّ، فإنَّ أيَّ مُحاوَلةٍ لتَصوُّر وعَرْضِ "ٱلعَلْمانيّة" كما لو كانت تَتحدَّد كغيابٍ أو تغييبٍ للدِّين ليست سوى تحريف لسيرورة "ٱلتّرشيد" التي تقوم، بالأساس، كمُناهَضةٍ للاستبداد وٱلطُّغيان حتّى لو كان «باسم ٱلدِّين» و، بالتالي، كعمل على تحييد «سُلْطان ٱلإكراه وٱلجَبْر» في مجال ٱلِاعتقادات وٱلمُعامَلات، وذلك بالشكل الذي يَسمح بقيام "مجتمع مفتوح" سياسيًّا وٱقتصاديا وثقافيًّا، وهو الأمر الذي من شأنه أنْ يَقُود إلى التّمكين للحريّة والعدالة قانونيًّا ومُؤسسيًّا، بحيث يَتحقَّق "ٱلمجال العُموميّ" كمجالٍ موضوعيٍّ لِمُمارَسة "ٱلحريّة" و"ٱلمسؤوليّة" تفكيرًا وٱعتقادًا وتصرُّفًا وتعبيرًا. ولذا، فإنَّ ما يُسمّى "وزارة الإعلام" و"وزارة الأوقاف والشؤون الدينية" لا معنى لهما إلا بصفتهما نوعًا من "ٱلوصاية المُتنكِّرة" بمجالين (مجال "حرية التعبير" ومجال "حرية ٱلِاعتقاد") يَتعيَّن على "ٱلدولة"، بما هي سلطة عُموميّة، أنْ تَحرِصَ فيهما على ٱلتزام أكبر قَدْرٍ من "ٱلحِياد" وأنْ تُيسِّر ٱشتغال سيرورة "ٱلترشيد/ٱلتّحييد" لكي يَحظى كل المُواطِنين بنفس "ٱلحقوق" ويخضعوا لنفس "ٱلواجبات" من دون أنْ يَخشوا سُوء المُعامَلة بفعل مُعتقداتهم أو تَعبُّداتهم الخاصة. ذلك بأنَّ "ٱلدولة ٱلرّاشِدة" (« l'Etat rationnel »)، من حيث قيامُها على مبدأَيْ "ٱلمُواطَنة ٱلكاملة" و"ٱلشرعيّة ٱلقانونيّة" المُؤسَّسين على أولوية "ٱلحق" و"ٱلعدل"، لا تَتحقَّق إلا كتَعطيلٍ لكُلِّ أصناف "ٱلتمييز" و"ٱلتحيُّز" -سواء أكان إيجابيًّا أمْ سَلْبيًّا- تُجاه كل المُحدِّدات الضروريّة التي لا يَجِدُ النّاس أمامها أيّ خيار (الجنس، العرق، اللّون، الدِّين، إلخ.).
وإِجْمالًا، فإنَّ المُتطرِّفِين من دُعاة "ٱلعَلْمانيّة" (في تَوهُّمهم إمكان ٱلتجرُّد المُطلَق من "ٱلِاعتقادات" ومَيْلهم، من ثَمّ، إلى تَعاطِي النِّضال المُتعالِم سعيًا لتعطيل "ٱلدِّين" باسم نوعٍ من "ٱلعَلْمانيّة ٱلمانِعة") لا يَقِلُّون تضليلا عن المُتطرِّفين من دُعاة "ٱلإسلام" (أيْ، بالتّحديد، "ٱلإسلامانِيِّين" الذين يَتوهَّمُون وُجوبَ فرض "ٱلإسلام"، على الأقل، ك"حُدودٍ شرعيّة" على كُلِّ مُسلِمٍ في إطار "ٱلإسلامانيّة ٱلجامِعة"). لكنَّ كونَ صلاح ونجاعة العمل يَقُومان، بالأساس، في "ٱلكفاءة التدبيريّة" يَقتضي أنَّ إدارةَ وتسييرَ الشُّؤون العامّة لا يُمكنُهما أنْ يكونا حكرا للمُتديِّنين ولا يَصِحّ أنْ يَكُونا ٱمتيازًا لغير المُتديِّنين، وإنّما هُما موضوعٌ للتنافُس المدنيّ بين كُلِّ المُواطِنين بِغَضّ النّظر عن عقائدهم ومذاهبهم المُحدِّدة ذاتيًّا ل"أخلاق ٱلِاقتناع"، لأنَّ "أخلاق ٱلمسؤوليّة" هي الأساس الموضوعيّ المُشترَك الذي تُسنَدُ بمُوجبه الوظائف والمناصب وتُختبَر الكفاءات في إطار "ٱلدولة ٱلراشدة". وإذا كان لا يَنْبغي أنْ تُناط المسؤوليّة بالكَذّابِين والفاسدين والمُنافِقين، فإنّه لا يُعْقَل أنْ تُتركَ الأُمور بين أيدي أُناسٍ لا يُحْسنِون، في الواقع الفعليِّ، سوى التّظاهُر بالتَّقوى والوَرع في الوقت الذي يُطلَبُ من كل من يُريد أنْ يَتحمَّل المسؤوليّة العُموميّة بُرْهانٌ عمليٌّ على حُسن تَمكُّنه وكفاءته في قضاء حاجات النّاس وتدبير حاجاتهم المُباشرة والمُلِحَّة. وعلى هذا، فإنَّ مُقتضى "تحييد ٱلدولة دينيًّا" ليس شيئًا آخر سوى ٱلتشدُّد، قانونيًّا وتنظيميًّا، في إنكار ومَنْع التّلاعُب بالشؤون العامّة لكي لا يَجرُؤَ على "أمر ٱلنّاس" أصحابُ "أضعف ٱلإيمان" ولا يَستبِدَّ به الذين "لا إيمان لهم ولا ذِمّة".
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.