تعددت النظريات التي اهتمت بالشأن التربوي وبكيفية حصول التعلمات ونقل المعارف واكتسابها حسب المدارس وروادها الذين اختلفت رؤاهم للتعلم وكيفية حصوله بين رابط إياه بمبدأ الاستبصار الذي يعني الفهم الدقيق للبنية المكونة للشيء كما فعل ماكس فيرتيمر مؤسس النظرية الجشطلتية، وبين رابط له بالذات المتعلمة التي يجب تكييفها مع موضوع التعلم كما فعل بياجي رائد المدرسة البنائية ، في حين ربطه البعض الآخر بالمحاولة والخطأ كما فعل تورندايك أحد أقطاب المدرسة السلوكية والذي رأى بأن أي خطأ صادر من المتعلم لابد أن يستثمر ويُتخذ استراتيجية لبناء تعلمات صحيحة، ومن هذا المنطلق وبالرجوع الى سنة معلم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم نجد أن هذه الطريقة الأخيرة ( التعلم عن طريق المحاولة والخطأ) قد حظيت بنصيب وافر من اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان عالما بأحوال متعلميه من الصحابة عارفا بفروقاتهم الفردية قادرا على التكيّف مع كل حالة على حده موظفا طرقا مختلفة لإلقاء المعارف إليهم وغرسها في قلوبهم ليزدادوا فهما وإيمانا وتطبيقا غير غافل عن أخطاء متعلميه وغير متسرع في الحكم عليهم وإحباطهم نظرا لما كان يتميز به من رحابة صدر ونفس عميق يجعلانه قادرا على أن يلاحظ أخطاء متعلميه من الصاحبة ويرصدها بدقة ليعمل بعد ذلك على توجيهها وتسدسها مرات ومرات إلى حين رسوخها في الذهن وظهورها في الفعل السليم والممارسة الصحيحة ، ولذلك نماذج وشواهد كثيرة من سنته صلى الله عليه وسلم وهديه الذي فاق وسبق كل النظريات نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضوان الله عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام فقال : ارجع فصل فإنك لم تصل . فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال :ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا . فقال : والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني . قال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها [2] . فهذا الحديث الشريف يصف لنا بدقة حالة رجل حريص على أداء صلاته في المسجد غير أنه يسيء فعلها ويجانب الصواب الشيء الذي أوحي للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يحمل معارف خاطئة متعلقة بإقامة هذه الشعيرة، وهي المعارف والأخطاء التي رصدها المعلم الحاذق النبيه صلى الله عليه وسلم بدقة دون إصدار أي حكم قبل التأكد من مصدر الخطأ (أهو الجهل أم التعمد ) ولذلك وجدناه صلى الله عليه وسلم ينبه الرجل ويعطيه فرصة لإصلاح الخطأ بنفسه بعد أن رد عليه السلام بلطف قائلا: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ليتفاجأ صلى الله عليه وسلم بلهفة الرجل وعودته لتكرار الصلاة مرة أخرى دون ضيق أو ضجر لكنها للأسف بكيفية طبق أصل سابقتها من حيث الأخطاء مما اقتضى إعادة التوجيه من طرف الرسول صلى الله عليه وسلم (ارجع فصل فإنك لم تصل ) للمرة الثانية والثالثة ليصرح الرجل في الأخير وبعد نفاذ طاقته واستحضار كل معلوماته وخبراته أنه لا يحسن غيرها ملحا على الرسول صلى الله عليه وسلم بالتوجيه والإرشاد السديد له بتواضع تام قائلا :(والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني) فعلمه صلى الله عليه وسلم وصحح أخطاءه بطريقة لا يمكن أن نتصور بعدها ان الرجل أخطأ في صلاته أو أساءها نظرا لما لعبه ذلك التكرار (تكرار الصلاة الخاطئة) وما تبعه من تصويب في إزالة اللبس من ذهن الرجل نهائيا وجعله يقبل على هذا الركن العظيم فيما بعد بنفس طيبة واستجابة أقوى. وهنا نشير إلى أن الأسس التي قامت عليها نظرية تورندايك والمتمثلة في (قانون الاستعداد وقانون التكرار وقانون الأثر[3]) قد لُخصت في هذا الحديث الشريف الذي لم يتجاوز بضعة أسطر ذلك أن الاستعداد - والذي يقصد به ضرورة وجود دافع يدفع المستهدف للقيام بالفعل - قد بدا واضحا في الدافع الإيماني الذي دفع هذا الرجل للإقبال على صلاته رغبة منه في التقرب من الله ونيل محبته ، أما التكرار فواضح من خلال المحاولات المتكررة للرجل وهو يحاول حل الإشكال الذي وقع فيه وهو أداء الصلاة بإتقان ، أما فيما يتعلق بالأثر والذي يقصد به الرضى والاطمئنان الذي يتلو الاستجابة ويزيد في قوتها فيتمثل في قبول الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم الرجل وتوضيح ما غمض عليه بلا تعنيف أو تسفيه مما زاد لا محالة في تطمين الرجل وإحساسه بحالة من الرضى التي لا شك أنها جعلته فيما بعد يقبل على صلاته بدون تردد وبدون أخطاء. هوامش: [1] ادوارد لي ثورندايك Edward Lee Thorndike (و.31 أغسطس 1874 - 9 أغسطس 1949) هو عالم نفس أمريكي، أمضى تقريباً كل حياته العملية في كلية المعلمين، جامعة كلومبيا. أدى عمله حول السلوك الحيواني وعملية التعلم إلى نظرية الارتباطية، وساعد على إرساء الأسس العلمية لعلم النفس التربوي الحديث. كما عمل على حل المشاكل الصناعية، مثل اختبارات الموظفين. وكان عضواً في مجلس ادارة مؤسسة علم النفس، كما شغل منصب رئيس جمعية علم النفس الأمريكية في 1912.ويعتبر ثورندايك الأب الروحي لعلم النفس التربوي رغم ما تعرضت له نظريته من انتقادات. إذ أنه كان بمثابة القوة الدافعة لمن جاء بعده من أصحاب النظريا ت http://www.marefa.org [2] البخاري ، كتاب الصلاة ، باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة . [3] المرجع في كيفية التدريس الدكتور سعيد حليم ص : 139