بني ملال .. السلطات تشن حملة لمحاربة البناء العشوائي وتهدم عددا من المنازل – صور    تعثر التأهيل الحضري وسبات المجلس البلدي لشفشاون يغضب عامل الإقليم بخروجه شخصياً لتتبع الأشغال    دراسة: فيتامين «الشمس» يحمي من الوفاة بفيروس كورونا    المغرب يجدد تأكيد التزامه بإيجاد حل نهائي للخلاف الإقليمي حول الصحراء المغربية    أمن فاس يطيح بمتورطيْن في الاختطاف والاحتجاز    منتجع مازغان ينفي إغلاق أبوابه ويؤكد التزامه الكامل اتجاه مستخدميه وزبنائه رغم ظروف الجائحة    البرلمان يستمع للحكومة لتفعيل التشريع الخاص بالحماية الاجتماعية    لقجع يدعو إلى تسريع الارتقاء بالممارسة الكروية    أُطر صحية بالبيضاء ترفض تقسيم الأطباء في توزيع "منحة كورونا"    نقطة نظام.. تناوب مصطنع    انتخاب محمد الفاسي كاتبا عاما لنقابة "موظفي الجماعات الحضرية" بطنجة    الاتحاد والمسؤولية الوطنية زمن الكساد الكوروني    إطلاق النار لشل حركة أخطر المجرمين الذي عرض أمن المواطنين وسلامة الشرطة لتهديد حقيقي.    هل يرفض ترامب قبول نتائج الانتخابات الرئاسية؟    جهة الشّرق تحصي 134 إصابة جديدة ب"كورونا"    حصيلة ثقيلة منتظرة من الوفيات جراء فيروس كورونا تدفع منظمة الصحة العالمية لدق ناقوس الخطر.    "أسمن رجل في العالم" يعود منتصراً من "معركة كورونا"    "أزمة جديدة" داخل الأهلي قبل ملاقاة الوداد بعد إصابة المدافع رامي ربيعة    البيضاء.. الرصاص لتوقيف شخص عرض أمن المواطنين وسلامة عناصر الشرطة للخطر    لمسة حكيمي تعيد البسمة لانتر ميلان …بعد إقحامه احتياطيا…    الحسنية يحقق فوزا ثمينا على حساب الفتح    ديربي بئيس !!    المغرب: لا سلام دون أن يتمكن الشعب الفلسطيني من إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس    بطولة إسبانيا: ريال ينجو من الخسارة امام بيتيس    لائحة الوداد المدعوة لمواجهة المغرب التطواني    المغرب يجدد تأكيد التزامه بإيجاد حل نهائي للخلاف الإقليمي حول الصحراء المغربية    ولاية امن طنجة توقف عنصرين متورطين في الحيازة والاتجار في المخدرات القوية    سيدة تبلغ من العمر 88 سنة تجتاز امتحان السنة السادسة إبتدائي    وفيات كورونا بالمغرب تتخطى 2000 حالة وفاة، و 4 حالات جديدة تسجل بجهة سوس ماسة ، و حالات التعافي تجازوت عتبة 94000 ، و هذه تفاصيلها الرسمية.    بعد نجاح أغنية " الحب يهواياس الشأن" الفنان المبدع خالد ليندو يطرح جديده بعنوان " فونارة ن بينيذا"    إطلاق الموقع الإلكتروني لمجلة القوات المسلحة الملكية"revue.far.ma"    السيسي يدق آخر مسمار في نعش نيو ديكتاتوريته    تدابير جديدة بورزازت لمواجهة جائحة "كوفيد-19"    إطلاق الموقع الإلكتروني لمجلة القوات المسلحة الملكية revue.far.ma    مرض الانتقاد    أديب "يعتذر" وعون يقبل… هل "سقطت" مبادرة ماكرون في لبنان؟    وزارة السياحة تعين مندوبا جديدة لها باقليم الحسيمة    الإعلان عن انطلاق الدورة 18 لجائزة الصحافة    بعدما ضبط مرّة في مقهى للشيشة وبعدها في ملهى ليلي في عزّ انتشار الوباء.. أمين حارث يصاب بفيروس كورونا    منظمة الصحة تخشى تسجيل مليوني وفاة بالفيروس ودعوات لإتاحة اللقاحات للجميع    الغربة والأدب    ضعف الأمطار يلقي بثقله على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في سوس ماسة    البنوك المغربية ترفع الفوائد مقابل تأجيل الأقساط و القضية تصل العثماني !    بعد أسبوع على إغلاقه ميناء الصويرة يستأنف نشاطه    "الكهرماء": الفواتير لا تصل 200 درهم بوادي زم    وفاة الفنان المصري "المنتصر بالله" بعد صراع طويل مع المرض    عدد ضحايا تحطم طيارة نقل عسكرية فأوكرانيا وصل ل22 قتيل – فيديو    نعمان لحلو: الأغنية المغربية فقدت هويتها ونعيش عولمة ثقافية    السعودية تؤجل تنظيم حفل فني للمغني عمرو دياب    ارتفاع قيمة الدرهم مقابل الأورو بنسبة 0,87 في المائة    هذه مقترحات "الباطرونا" بشأن مشروع قانون مالية 2021    دراسة ترصد تمفصلات السيادة والقيود الإلكترونية    « خريف شجرة التفاح » الحكاية والدلالات    مصيدة وسائل التواصل الاجتماعي    عاصفة من الانهيارات والإفلاس تهب على مؤسسات اقتصادية بفرنسا، و مليون فرنسي سيفقدون وظائفهم بحلول نهاية العام الجاري.    الممثل أنس الباز يستقبل مولودته الأولى    رسالة مفتوحة إلى عميد كلية العلوم بجامعة ابن زهر بأكادير    ما قاله بلخياط حينما سئل عن انتمائه لجماعة اسلامية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





من حصة الاجتماعيات إلى العالم الآخر
نشر في هسبريس يوم 17 - 11 - 2019

مررنا من "الشماعية" ذات يوم، مرور الكرام بعد قضاء موسمين دراسيين يتيمين، أحدهما بالثانوية الإعدادية السلطان مولاي الحسن (ملحقة الزبير بن العوام) في إطار مهمة "تكليف"، والثانية كانت "ثانوية القدس التأهيلية" مسرحا لها.. مدينة صغرى بلباس القرية الكبرى أو قرية كبرى بجلباب المدينة الصغرى التي تحاول التحضر عنوة.. وثانوية تأهيلية وحيدة (القدس) تتعايش فيها عناكب الهشاشة والإقصاء، مشكلة مرآة عاكسة لواقع حال مدينة/قرية، لم يشفع لها رصيدها التاريخي ولا موقعها الاستراتيجي، لتنزع عنها برنس البداوة وترتقي في صمت في حياة التحضر، وما تقتضيه من بنيات تحتية مناسبة وتجهيزات أساسية لائقة، ومرافق إدارية ودينامية اقتصادية، ترتقي بمستوى عيش ساكنتها..
مقام قصير، كان كافيا لتشكيل صورة عن "ثانوية تأهيلية" تتربع في هوامش القرية/المدينة على بعد أمثار من الطريق المؤدية إلى شيشاوة، تحف بها مقبرة ومطرح لجمع النفايات، وفي واجهتها، اصطف حي سكني، تقاطعت فيه مفردات البساطة والعشوائية والإقصاء، مؤسسة تعليمية، تموقعت في مكان هامشي معزول، بشكل يجعلها أقرب للتكنة العسكرية، منه إلى الفضاء التربوي، لذلك، لم يكن مستغربا أن تحضر "الكالة" وأخواتها، في محيط مدرسي يوجد خارج نسق المراقبة الأمنية، ودائرة الاهتمام التربوي الرسمي، إلى درجة أن معظم الأقسام إن لم نقل كلها- كما عاينا ذلك في واقع الممارسة، زخرفت "الكالة" سقوفها وجدرانها، ولم يكن أيضا مستغربا، أن تحضر مشاهد العنف والعبث والتهور والتسيب، في سلوكات وتصرفات بعض المتعلمين الذين ارتموا بطريقة أو بأخرى، في أحضان المخدرات، في واقع اجتماعي بئيس، وفضاء تربوي يعيش على وقع الاكتظاظ والرتابة القاتلة.
رغم مضي أربع سنوات، لازلنا نحتفظ في ذاكرتنا بصور ومشاهد متعددة المستويات عن "مؤسسة" بين مطرقة التهميش وسندان الرتابة، نختزل تفاصيلها في حالة تلميذ مترشح للامتحان الوطني للباكالوريا، تم رصد حركاته أثناء مهمة المراقبة/الحراسة، وهو بصدد تهيئة مخدر "الكالة" على منديل صحي (كلينيكس)، قبل تثبيته خلف شفتيه، دون أن يحترم جو الامتحان الوطني، ودون أن يكترث لوجود الأستاذين المراقبين، وقد تم التدخل في حينه، وتم إجهاض عملية التخدير في المهد، بعد أن تم توجيه إنذار صارم للمعني بالأمر، الذي قضى ساعة في الجحيم وعلامات الغضب والتوتر بادية على محياه، قبل أن يسلم ورقة الامتحان فارغة كما تسلمها، وغادر إلى سبيله ..
ما كتبه القلم، ما هو إلا تمهيد لتوجيه البوصلة نحو حادث مأساوي اهتزت له الأوساط التربوية والاجتماعية والأمنية بالشماعية، عقب إقدام تلميذ بالسنة الثانية باكالوريا علوم إنسانية صباح يوم الجمعة 15 نونبر الجاري على الانتحار، بعد أن رمى نفسه من الطابق الثاني، في لحظة كان فيها الراحل - حسب المعطيات المتداولة- في حصة مادة الاجتماعيات، قبل أن يحمل أدواته، ويغادر القسم، فصعد إلى الدرج المفضي إلى سطح الأقسام، وفي غفلة من الجميع، رمى نفسه من السطح وسقط أرضا على رأسه بشكل عجل بوفاته.
ودون المجازفة في النبش في حفريات "واقعة انتحار" تقتضي بحثا معمقا من قبل المصالح الأمنية المختصة ترابيا، لتحديد السبب أو الأسباب التي تكون قد سيطرت على نفسية تلميذ في ريعان الشباب (18 عاما)، ودفعته إلى مغادرة الحجرة الدراسية، لوضع حد لحياته عبر الانتحار، وحتى لا نقع في متاهات الاحتمال والافتراض والممكن واللاممكن، في حادث مؤلم، يتقاطع فيه النفسي بالتربوي والأسري بالاجتماعي.
نستطيع القول، إن ما حدث لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، ولا يمكن التعامل معه بواقع الحادث الفجائي العابر، فما وقع، يسائل واقع حال الثانوية التأهيلية الوحيدة بالشماعية (القدس) من حيث بنية الاستقبال (حجرات، قاعة الأنشطة، فضاءات رياضية، مرافق صحية، الداخلية...)، وشروط الأمن والسلامة داخل المؤسسة وفي محيطها، ومدى توفر الحصيص المناسب من أطر إدارية وتربوية، قياسا لحالة الاكتظاظ، وكدا واقع حال "الداخلية" ومدى توفرها على معايير الصحة والسلامة من حيث المأكل والمشرب والمبيت ووسائل الترفيه والمرافق الصحية، ومدى تفعيل الحياة المدرسية، وحضور الدعم الاجتماعي والنفسي والتربوي، خاصة على مستوى "الداخلية" التي تأوي تلميذات وتلاميذ ينتمون إلى عدد من الدواوير الفقيرة والمعوزة.
"حالة انتحار"، سبقتها "محاولة انتحار" غضون الموسم الدراسي 2015-2016، أعقبها وقتها، إضراب تضامني للتلاميذ تخللته أعمال شغب وفوضى عارمة، وإتلاف للمرافق وكسر للأبواب وعبث بالطاولات والسبورات..، وهي امتداد، لما عرفته وتعرفه المؤسسة بين الفينة والأخرى من إضرابات واحتجاجات تلاميذية، كان آخرها احتجاجات التلاميذ عقب انتحار زميلهم، رفعت خلالها شعارات مطالبة بالأمن ومحاربة الظواهر المشينة بمحيط المؤسسة، وتحسين بنية الاستقبال وتجويد الخدمات على مستوى الداخلية، وهي تصرفات وشعارات، لا يمكن البتة تجاوزها أو نكرانها...
وروح التلميذ الفقيد المسمى قيد حياته "يوسف قدارا" -الذي درسناه أثناء مقامنا بالشماعية بالسنة الأولى إعدادي بملحقة "الزبير بن العوام"- تفرض التحلي بروح المسؤولية وتجاوز نظرية "المؤامرة" وواقع "قولو العام زين"، والجرأة في فتح بحث إداري رسمي، للوقوف عند مظاهر القصور والمحدودية بالمؤسسة، وما يعتريها من مشكلات تربوية متعددة المستويات (الأمن، الأطر، البنيات، الداخلية، الحياة المدرسية، الاكتظاظ)، كمدخل أساس لوضع استراتيجية عمل، ترمي إلى الارتقاء بالمؤسسة وجعلها فضاء تربويا جذابا، يتيح مساحات رحبة أمام التلاميذ للتعبير عن مواهبهم وطاقاتهم وقدراتهم، بعيدا عن مفردات اليأس والإحباط وانسداد الأفق.
فما وقع، ليس فيه "رابح ولا خاسر"، ولا" تصفية حسابات"، ولا "ركوب على موجة الحادث" لضرب الخصوم الواقعيين أو الافتراضيين، هو مناسبة على ألمها وحرقتها، تفرض استحضار المصلحة الفضلى لتلاميذ ينتمون إلى أسرة فقيرة ومعوزة بالعالم القروي، بعضهم احتضنته "الداخلية" على رتابتها، وبعضهم وجد مقعدا آمنا في دار الطالب(ة)، وبعضهم الثالث يكتري بيتا مع الأقران في ظروف صعبة تكرس البؤس والتلاشي الناعم في محيط اجتماعي لا يرحم وفضاء تربوي لا يهتم..
هي واقعة لا تسائل فقط من يتولى تدبير الشأن التربوي بالمؤسسة، بل تسائل المديرية الإقليمية باليوسفية والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش-آسفي، كما تسائل المسؤولين عن تدبير الشأن المحلي (الباشوية، السلطات المنتخبة، المصالح الأمنية، الإعلام المحلي، المجتمع المدني)، وتفرض عليهم جميعا، استثمار معطيات ما حصل، للإسهام الجماعي في معالجة جروح الجسد التعليمي بالشماعية، وتحديدا بالثانوية التأهيلية "القدس"، من أجل تلاميذ معوزين في غالبيتهم، يستحقون الاهتمام والعناية والدعم التربوي والنفسي والاجتماعي، وهذا لن يتأتى إلا بقول الحقيقة وإن كانت مرة، والتنازل عن الأنانية المفرطة والصراعات الخفية والمعلنة، واستحضار المصلحة العليا للوطن، ببناء أمثل للناشئة وتسليحها بقيم الوطنية الحقة، بشكل يجعلها تقبل على الحياة ولا تجنح قسرا نحو طريق الانتحار والممات..
فرحمك الله يا "يوسف" يا "قدارا" وألهم ذويك وأصدقاءك وأساتذتك الصبر والسلوان .. رحلت روحك وستبقى صورتك في الذاكرة والأذهان.. رحلت روحك في جو من الأحزان، ورحل معها "سر" و"أنين" لا يعلمه إلا الخالق الرحمان .. وإنا لله وإنا إليه راجعون .. عسى أن تتحرك دماء الوطن، في عروق من يقسو على الوطن .. بالعبث أو التهور أو الشطط أو اللامبالاة.. وإذا رحل "يوسف قدارا".. فهناك "قدارات" يعيشون بين ظهرانيكم، يتألمون في صمت.. يحتاجون كالأيتام، للأحضان والرعاية والمحبة والدعم والإنصات والكرامة والاهتمام .. انتبهوا إليهم وامنحوهم الأمل والحياة، قبل أن يصرخوا في وجهكم، ويشهروا سلاح "الانتحار" كما صنع "قدارا''، في يوم لا ينفع فيه ندم ولا حسرة ولا عزاء ...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.