بوريطة يجري مباحثات مع رئيس مجلس الشورى السعودي    بوريطة يحتج لدى الحكومة الإسبانية بسبب استقبالها لوفد عن “البوليساريو”    ألمانيا.. سيارة تدهس أشخاصا في مهرجان محلي وتخلف اصابات    “حماس”: إذا وسعت إسرائيل ضرباتها على غزة فستدفع الثمن    غاتوزو يكشف سبب قلقه من مواجهة برشلونة    "وزارة أمزازي" تعلّق الحوار مع النّقابات وترفضُ تصعيد "المتعاقدين"    مقتل عداء و إصابة 10 آخرين في انقلاب حافلة تقل رياضيين نواحي بني ملال    والد دنيا بطمة بالمستعجلات بعد اعتقاله بمراكش    مهرجان كناوة/ أوما 2020 : انتقاء “Meriem & band” و”خميسة” للاستفادة من إقامة فنية تكوينية    جماهير الكرة المصرية على موعد مع أغرب "ديربي" منذ سنوات    أكاديمية محمد السادس رابعة في دوري أسباير    باتيستوتا يسخر من إنجاز كريستيانو رونالدو في "سيري آ"    باغتته سكتة قلبية في المحطة الطرقية: تشييع جثمان الفقيد الحجام الثلاثاء    هل يمكن أن يفي حزب الاستقلال بوعده بإلغاء نظام التعاقد في التعليم في حال ترؤسه الحكومة المقبلة؟    هام للسائقين .. انقطاع حركة السير في محور العيون طرفاية كلتة زمور بسبب زحف الرمال    مديرية الأرصاد: درجات الحرارة ستشهد ارتفاعا ملحوظا بدءا من الثلاثاء    حريق مهول داخل شقة بوجدة يتسبب في إصابة طفل بحروح خطيرة    المهندسين التجمعيين تؤطرون لقاء حول كيفية تدبير وتسيير المشاريع    إدارة الرجاء تستقبل فريق تي بي مازيمبي    كليب لمجرد ولفناير.. عمل مستوحى من أغنية حميد الزاهر حقق رقما كبيرا في أقل من 24 ساعة- فيديو    إمامة امرأة للرجال داخل "مسجد مختلط" بباريس تخلقُ جدلاً مغربيا    بعد عقوبات واشنطن.. كورونا يدخل إيران في عزلة إجبارية    فيروس كورونا ينتشر بايطاليا.. الاعلان عن خامس حالة وفاة وإصابة 219 شخصاً    خَطَأُ الْفَقِيهِ أَحْمَدَ الرِّيسُونِيِّ!    “حزب العنصر” يفوز مجددا برئاسة المجلس البلدي لبني ملال بعد عزل رئيسه    وفاة سادس حالة مصابة بفيروس كورونا بإيطاليا    فيروس “كورونا” يستنفر قنصليات المغرب بإيطاليا.. وهذا ما قامت به 219 مصاب و5 حالات وفاة لحد الآن    كوريا تسجل أعلى الإصابات ب”كورونا” بعد الصين.. وسفارة المغرب تصدر بلاغا 12 دولة تمنع دخول الوافدين من كوريا    فيديو/ أمريكي حاول إثبات أن الأرض مسطحة فمات على الفور !    أخنوش يعرض "الجيل الأخضر" في مجلس الحكومة    “البام” بقيادته الجديدة.. هل يتحالف بالفعل مع “العدالة والتنمية”؟- تحليل    وزارة التربية تكشف أسباب تعليق الحوار مع النقابات وتهدد بتطبيق الإجراءات القانونية    إنوي ينضم رسميا للإعلان الرقمي للجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول    للسنة الرابعة على التوالي: اختيار HP كمؤسسة رائدة بيئيا لاتخاذها إجراءات مناخية وحماية الغابات    «مهاتير محمد» رئيس وزراء ماليزيا يقدم استقالته    نور الدين مفتاح يكتب: المسكوت عنه في العلاقات المغربية الإسرائيلية    “عكس كل مواطني العالم”.. كويتيون عائدون من إيران يرفضون الحجر الصحي بسبب “كورونا” ويطلبون إخراجهم وعودتهم إلى منازلهم “فيديو”    المديرية العامة للأمن الوطني تدخل على خط فيديو الإنفصالي “الليلي” المسيء للأمن المغربي    أمن وجدة يطيح بمروجي كوكايين و تحقيقات تتعقب متورطين خارج المملكة !    إدارة الوداد تحسم في مصير المدرب الفرنسي دوسابر    77 من المغاربة العائدين من "ووهان" يغادون المستشفى العسكري بالرباط بعد 20 يوما من الحجر الصحي    مهرجان مكناس للدراما التلفزية يعرض دورته التاسعة بالرباط    يتهم الإدارة ب”خنقه”.. معتقل سلفي محكوم بالمؤبد يشتكي إدارة سجن “مول البركي” للوكيل العام للملك    مختلطة تتم بالخفاء في احد مساجد باريس    مسلسلات تركية تتصدر قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة في المغرب    ندى الأعرج تتأهل إلى الألعاب الأولمبية    أحمد العجلاني سعيد بالفوز الثمين على حسنية أكادير    “جوج من الحاجة” بمركب سيدي بليوط    مغاربة في مسلسل عربي    الحكومة تعول على جني 46 مليار درهم من الضريبة على الدخل : تقتطع من رواتب الموظفين والأجراء ويتملص منها معظم أصحاب المهن الحرة    الفنان المغربى محمد الريفى يسجل «قهوة سادة»    عواصف رملية تثير الرعب في جزر الكناري و المغرب يتدخل لتقديم المساعدة !    المغرب وجهة بلنسية… نحو جسر للتعاون بين إفريقيا وأوروبا    7828 مؤسسة عاملة في القطاع الغذائي فقط، حاصلة على الترخيص على المستوى الصحي من طرف «أونسا»    "أم الربيع" يسجل أكبر تراجع في مخزون مياه السدود    حصة المجموعة فاقت 508 مليون في 2019 صافي أرباح مصرف المغرب يتراجع ب13.6 %    حينما "تبوّل" نجيب بوليف في بئر زمزم    جدل بعد إمامة امرأة لصلاة الجمعة في باريس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وقائع تاريخية تربط استقرار الحكم بالولاء القبلي والكفاءة السياسية
نشر في هسبريس يوم 24 - 01 - 2020

إن التناقض الرئيسي الذي واجهته العصبيات الحاكمة عند تسلمها السلطة هو التوفيق بين استقرار النظام وتسيير الدولة؛ فإذا كان الأخير يتطلب التكوين المعرفي والإرادة للبت في الشؤون العامة فإن استقرار النظام القائم كان في حاجة إلى كتلة قبلية متماسكة تدافع عن بقاء النظام واستمراره. لذا كان الانتماء إلى العصبية الحاكمة والولاء لها من أهم المعايير في تعيين الأعضاء في المناصب السياسية، وكانت الكفاءة أحد المعايير في تعيينهم في المناصب الإدارية.
1 - الولاء القبلي
لقد تشابهت كل العصبيات الحاكمة في هذا القاسم المشترك؛ إذ بمجرد تسلم السلطة تقوم العصبية الحاكمة بتوزيع أهم المناصب السياسية على الأشياخ والقواد المنتمين إليها؛ ففي عهد المرابطين "كانت أهم الوظائف السياسية تعطى للمتونيين"؛ فقد "كان الولاة يعينون من لمتونة خاصة ومن صنهاجة عامة. وكان ينوب عن أمير المسلمين في الأندلس أمير من الأسرة المالكة أو من لمتونة عامة". كما كان أغلبية قواد جيش المرابطين من رجال الدولة الحاكمة، وكان من أشهرهم سير بن أبي بكر، وتميم بن يوسف، وداود بن عائشة، وعبد الله بن فاطمة، وعمر بن سليمان المسوفي ومزدلي بن تيلكان الذي قاد فتوح المغرب الأوسط. وقد سار الموحدون في السياق نفسه، إذ كانت تسند أهم الوظائف السياسية إلى أعضاء العصبية المصمودية؛ فمنصب الولاة كان يسند عادة إلى أبناء الخليفة.
وفي هذا أشار حركات إلى ما يلي:
"بايع عبد المومن لابنه السيد أبي عبد الله محمد بولاية العهد، وأمر أن يذكر في الخطبة بعده، وكتب بذلك إلى جميع الآفاق؛ ثم عقد لابنه السيد أبي الحسن على فاس وأعمالها...وعقد لابنه السيد أبي حفص عمر على تلمسان وأعمالها...وعقد لابنه السيد أبي سعيد عثمان على سبتة وطنجة...وعقد لابنه السيد أبي محمد عبد الله على بجاية وأعمالها...وعقد للشيخ أبي زيد بن يكيت على قرطبة وأعمالها... ".
أما أغلب قواد الجيش الموحدي فكانوا يعينون من العصبية المصمودية، إذ كان أغلبهم ينتمي إلى قبائل مصمودية؛ وهي هنتاتة، وجد ميوة، وهرغة وهسكورة وجنيفسة وأهل تينمل؛ في حين أضاف إليها عبد المومن، لتوطيد سلطته، قبيلة كومية التي ينتمي إليها. من هنا كانت "دولة الموحدين كومية في أساسها مصمودية في أجهزتها السياسية".
لكن مما يظهر الطابع القبلي الصرف في إسناد المهام السياسية هي التجربة المرينية التي لم تتغلف في بدايتها بأي إطار إيديولوجي أو ديني، بل إن تحركها السياسي قام على "ضمان الأمن مقابل أداء ضريبة سياسية"؛ فقد أشار الناصري في هذا الصدد إلى أن
الأمير أبو سعيد لما رأى ما عليه أمر الموحدين من الضعف وما نزل برعايا المغرب من الجور والعسف... سار في نواحي المغرب يتقرى مسالكه وشعوبه... يدعو الناس إلى طاعته والدخول في عهده وحمايته، فمن أجابه منهم أمّنه ووضع عليه قدرا معلوما من الخراج، ومن أبى عليه نابذه وأوقع به".. لذا فقد "كان أول ما ذهب إليه الأمير أبو بكر بن عبد الحق ورآه من النظر لقومه أن قسم بلاد المغرب وقبائل جبايته بين بني مرين، وأنزل كلا منهم بناحية منه سوغهم إياها سائر الأيام طعمة لهم، وأمر كل واحد من أشياخ بني مرين أن يستركب الرجل ويستلحف الأتباع".
كما اتبع المرينيون المنحى نفسه في إسناد المهام السياسية الكبرى، إذ كانت الولاية تسند عادة إلى أعضاء الأسرة المالكة، وقواد الجيش كانوا غالبا من العصبية الحاكمة؛ وبالتالي فإن هذا النظام في التعيين، الذي اتبعته مختلف العصبيات الحاكمة، كانت له عدة مزايا من أهمها:
- الحفاظ على تماسك قبائل العصبية الحاكمة.
- المحافظة على النظام القائم، وذلك بإبعاد كل العناصر القبلية الأخرى التي يمكنها القيام بانقلابات أو تمردات من داخل النظام.
- ضمان الولاء السياسي للأسرة الحاكمة.
لكن في مقابل هذه المزايا فإن النظام كان يشجع على استبداد الولاة، إذ "كانت للسادة الموحدين سلطة واسعة في مناطق نفوذهم، ما آل بهم إلى الاستبداد". كما أدى إلى تسلط بعض قواد الجيش نظرا للسلطات الواسعة التي كانوا يتمتعون بها، وكذا للحماية القبلية التي كانوا يتوفرون عليها، ما كان يؤدي إلى عدة تمردات تخل باستقرار النظام وتعرقل السير العادي للدولة.
- الكفاءة السياسية
من المعلوم أن الأمور السياسية لا تمارس فقط بالقوة، بل تحتاج أيضا للخبرة والكفاءة؛ فإذا كان الولاء السياسي ضروريا لاستمرار النظام فإن تسيير الدولة يحتاج إلى الكفاءة والتكوين، فالسيف يمكن أن يقيم نظاما لكن لا يستطيع تدبير دولة. لذا فقد اضطرت العصبيات الحاكمة، بمجرد تسلمها السلطة، إلى البحث عن الخبرات والكفاءات الإدارية والسياسية التي يمكنها تسيير دواليب الدولة. ورغم أن هذه العصبيات كانت تتوفر على المهارات الحربية والقيادات العسكرية فإنها ظلت مفتقرة إلى التكوين الإداري والسياسي الذي سيسهل لها عملية تسيير الدولة. وهذا التسيير يتطلب بالأساس الخبرة العالية في ضبط ميزانية الدولة والتكوين العلمي والأدبي لكتابة مراسلات الدولة من بريد وخطب وعقود البيعة، وكذا إبرام الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول الأجنبية؛ لذا لجأت هذه العصبيات الحاكمة إلى عناصر أجنبية لا تنتمي بالأساس إليها، بل لا تنتمي في غالبها إلى المغرب. وهكذا استحوذ العنصر الأجنبي بشكل كبير على مختلف دواليب الدولة، وخاصة منصب الوزارة أو منصب كتابة الرسائل. وأشهر الكتاب الذين عملوا في بلاط ملوك المرابطين كانوا من الأندلس:
- أبو جعفر بن عطية كان من طرطوشة بإسبانيا.
- وابن أبي الخصال كان من قرى وادي شقورة بمرسية.
- وعبد المجيد بن عبدون كان من يابرة البرتغالية.
ودعم حركات هذا المعطى بقوله "إن أغلبية الكتاب من أدباء الأندلس الذين سبق لهم أن عملوا إلى جانب ملوك الطوائف، أو في قصور العمال المرابطين". وقد حاول هذا المؤرخ عزو لجوء الأمراء المرابطين إلى الكتاب الأندلسيين إلى الأسباب التالية:
أولا: ارتكاز المرابطين في سياستهم الخارجية على الأندلس. ولم يكن أحد أعرف بدخائل النصارى وسياستهم من هؤلاء الكتاب الأندلسيين الذين عمل أكثرهم في بلاط ملوك الطوائف، وكاتبوا النصارى واطلعوا على الأسرار السياسية التي لم يكن في ميسور المغاربة أن يطلعوا عليها.
ثانيا: لأن المرابطين لم يكونوا يسلكون سياسة العنصرية، بل أحبوا أن يشعروا شخصيات الأندلس السامية بأنهم أهل البلاد ولهم الحق في وظائف الدولة مثلما للمغاربة.
ثالثا: لأن الكتاب الأندلسيين أصبحوا عاطلين بعد القضاء على ملوك الطوائف.
من خلال هذه الأسباب، يبدو أن عامل الكفاءة والخبرة يبقى هو الأكثر ترجيحا؛ فالاشتغال في بلاطات ملوك الطوائف أكسب هؤلاء الكتاب تكوينا سياسيا وإداريا كان المرابطون في أمس الحاجة إليه لتسيير أجهزة الدولة، إضافة إلى أن "المغرب لم ينجب أدباء كثيرين في هذه الفترة، يمكن الاستغناء بهم عن أدباء الأندلس".
ونفس هذا العامل هو الذي حدد اختيار الملوك الموحدين لكتابهم، إذ إن أغلب هؤلاء كانوا منحدرين إما من الأندلس أو من المغرب الأوسط. ولعل الجدول التالي يوضح ذلك بشكل جلي:
إن التناقض الرئيسي الذي واجهته العصبيات الحاكمة عند تسلمها السلطة هو التوفيق...
ما يمكن استنتاجه من هذا الجدول، إضافة إلى غلبة العنصر الأندلسي والمغاربي، الاستمرارية التي طبعت عمل الكتاب، إذ كثيرا ما كان يعمل الكاتب في عهد عدة أمراء (كأبي القاسم القالمي، ابن محشرة، محمد بن عبد المومن بن عياش...). وهذه الظاهرة تعكس، ليس فقط الخبرة التي كان يتمتع بها هؤلاء، بل تجسد أيضا مظهرا من مظاهر استمرارية الدولة؛ لذا فإن المرينيين ساروا على المنوال نفسه في تعيين كتابهم من عناصر غير مغربية وغير منتمية إلى العصبية الحاكمة. ويتجلى ذلك على الخصوص من خلال تعيين ابن خلدون في ديوان الإنشاء والعلامة، وتعيين لسان الدين ابن الخطيب في منصب الوزارة.
لكن تجدر الإشارة إلى أن الخبرة الإدارية إذا كانت قد سهلت التحاق العناصر الأندلسية والمغربية بدواوين الدولة، مثبتة بذلك جدارتها وكفاءتها، فإن منطق النظام القبلي، والميكانيزمات الدقيقة التي حكمته، جعلت هذه العناصر معرضة في كل وقت لنكبات السلطة القائمة؛ فقد كانت لا تتمتع بأي "حماية سياسية" سوى رضى الخليفة، ومتى سحب هذا الأخير "مظلته السياسية" إلا وتعرض الكاتب أو الوزير لأشنع عقاب. وقد تجلى ذلك بشكل واضح في النكبات التي تعرضت لها بعض الشخصيات الأندلسية أو المغاربية التي تقلدت مناصب حساسة في بلاطات الخلفاء المغاربة لكن مستقبلها السياسي انتهى بشكل مأساوي:
- ابن عطية سجن ثم قتل.
- ابن رشد نكب.
- ابن الخطيب قتل ونبش قبره.
- أما ابن خلدون فقد ترك البلاط المريني فارا بنفسه حتى لا يلقى نفس مصير ابن الخطيب أو ابن رشد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.