نشاط تربوي وترفيهي مميز لفائدة أطفال دوار الرضا بإقليم تارودانت    قراءة في الأبعاد القانونية والتدبيرية لمساهمة الجماعات في إصلاح المنظومة الصحية بنسبة 2٪ من صحتها من TVA خارج النص.    المغرب يحل في المرتبة 107 عالميا في مؤشر الديمقراطية الليبرالية    لقجع يتقدم بتهنئة إلى أولمبيك آسفي    كأس الرابطة الإنجليزية لكرة القدم.. مانشستر سيتي يحرز لقبه التاسع بفوزه على أرسنال بثنائية نظيفة    تراجع مفرغات الصيد بميناء الحسيمة بنسبة 32%    الاتحاد العماني يعلن عن تعيين طارق السكتيوي مدربا للمنتخب الوطني    33 مليون درهم لإحداث وتهيئة منطقتين للأنشطة الاقتصادية بكل شفشاون وتارجيست    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    القوات الإيرانية تهدد بإغلاق مضيق هرمز بالكامل وإسرائيل تستهدف جسرا رئيسيا بجنوب لبنان    الصين.. رئيس الوزراء يؤكد مواصلة الانفتاح الاقتصادي والعمل على تحقيق توازن تجاري عالمي    المنتخب الوطني لكرة القدم لأقل من 20 سنة يخوض تجمعا إعداديا مغلقا من 23 إلى 31 مارس    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    تطوان.. إعداد وكر للدعارة في أول أيام العيد يطيح برجلين وامرأتين    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    تقرير إسباني جديد يُبرز تأثير ميناءي طنجة والناظور على سبتة ومليلية    الانتخابات البلدية في فرنسا.. نسبة التصويت في الدور الثاني تتجاوز 48%        هولندا.. عملية أمنية واسعة تنتهي بحجز 3.2 طن من الكوكايين    دراسة علمية ترصد علاقة الذكاء الاصطناعي بالبنية الصوتية للريفية        الدوري الإنجليزي.. شمس الدين طالبي يساهم في فوز سندرلاند على نيوكاسل (2-1)    جدل الساعة الإضافية يتصاعد بالمغرب.. عريضة رفض تتجاوز 143 ألف توقيع    تعيين رشيد الركادي مدربًا لعمل بلقصيري... رهان جديد لإعادة الفريق إلى السكة الصحيحة    سيدي قاسم تحتفي بالمرأة عبر الثقافة والسينما بدار الطالبة صحراوة    فريق الوداد الرياضي لكرة اليد يقيم حصيلة الموسم    نتنياهو يهدد باستهداف القادة الإيرانيين    مجلس التعاون يؤكد حقه في اتخاذ التدابير اللازمة للرد على اعتداءات إيران    اختتام فعاليات دوري "الماني" لكرة القدم المصغرة بمدينة الحسيمة    قطر.. وفاة 6 أشخاص إثر سقوط مروحية في المياه الإقليمية للبلاد واستمرار البحث عن مفقود    إسرائيل.. مقتل شخص وإصابة آخر في قصف صاروخي لحزب الله    البحث عن الحب في المغرب    حين يغيب الموقف الواحد في زمن الانفعالات    الحكومة تعتمد منصة رقمية لإيداع الترشيحات وتحديث إجراءات الانتخابات التشريعية    ناشيد يشخص أعطاب اليسار المغربي بين اللايقين النظري والتشتت التنظيمي    المالية العمومية بالمغرب    أكبر تراجع أسبوعي للذهب منذ 2011    من جمهورية العصابات إلى دولة السجون .. القبضة الحديدية في السلفادور    "اشكون كان يقول" .. مساحات رمادية مشوقة وتمطيط يلتهم روح الحكاية    سردية ثنائية الرواية والتاريخ    عناق السياسة مع الأخلاق    الحرب على إيران تضع آلية صناعة القرار الرئاسي في إدارة ترامب تحت المجهر    "كلمات" عمل جديد لمنال يمزج بين الحس العاطفي والإنتاج العصري    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة    إضراب جهوي للمساعدين التربويين بسوس ماسة احتجاجا على تعثر صرف المستحقات المالية ورفض التسوية.    نقابة تدعو الحكومة لاتخاذ إجراءات عاجلة لضبط أسعار المحروقات    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال المسرح برسم الدورة الأولى لسنة 2026    تداعيات الحرب على إيران تنبئ باتخاذ إجراءات تقييدية لحماية اقتصاد المغرب    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأحزاب السياسية بالمغرب .. في الحاجة إلى سوسيولوجيا التنظيم
نشر في هسبريس يوم 07 - 09 - 2021

من ضمن ما تروم هذه المقالة التحليلية تحقيقه المساهمة في تنشيط النقاش العمومي حول الأحزاب السياسية المغربية باعتبارها بنيات مؤسساتية ضمن النسق البنيوي للدولة، وأيضا تسليط الضوء على أدوارها بمنطق متجدد يستحضر مناهج السوسيولوجيا السياسية والتحليل السياسي. وهذا في إطار الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المزمع إجراؤها يوم الثامن من شتنبر الجارية؛ وهو نقاش ومساهمة لا يقومان على شرط المناسباتية وإنما هو التزام فكري بمواكبة الحدث وتتبعه في تفاصيله الدقيقة وضمن ديناميته الجارية (التعاطي مع الظاهرة / موضوع البحث ضمن سياق الفعل état d' action ) . فالأحزاب السياسية هي بناء مؤسساتي ناظم للفعل السياسي في الدولة الحديثة وشرط لازم لإنجاح وظائف الدولة وآلية لتنزيل برامجها وإسترتيجياتها وفق المقترب الوظيفي . كما أنها قبل هذا وذاك مؤسسات تأطيرية وتتولى وظيفة التنشئة الاجتماعية، كما أنها تلعب دور الوسيط بين المجتمع والدولة.
من الزاوية التاريخية وظروف نشأة الظاهرة والحركة الحزبية بالمغرب ودون الغوص عميقا في ثنايا الدراسات والأبحاث التي تناولتها على مدى العقود الماضية، يمكن القول إنها حديثة النشأة ولا تتجاوز 60 إلى 70 سنة من الممارسة والنشاط السياسي (تزامن ظهورها مع نشأة الحركة الوطنية منتصف الأربعينيات من القرن الماضي)؛ غير أن هذه المدة وبالنظر إلى التفاعلات العميقة التي شهدتها هذه الأحزاب جعلتها تنخرط بدينامية أكثر، وأسلوب ينزع للحداثة ظاهريا، على الأقل في المسار التطوري للحياة السياسية المغربي طيلة هذه العقود (تحسن المستوى التعليمي لنخب الحركة الوطنية، انفتاح هذه النخب على التجارب الخارجية خاصة الأحزاب في أوربا والحركات الوطنية في العالم العربي..). كل هذه العوامل والعناصر سرعت من وتيرة عصرنة وتحديث البنية الحزبية بالمغرب، وخصوصا على المستوى الفكري والتنظيمي، بالرغم من عدم انعكاس هذا الأمر على واقع حال الممارسة السياسية والديمقراطية داخل هذه الأحزاب من جهة، ومن جهة أخرى دون التخلي والتنازل على وظيفتها الأساسية وهي تأطير المواطنين وتعبئتهم خصوصا في اللحظات السياسية الكبرى، والتمسك بشكل عام بالمشاركة وبانتظام في العمليات الانتخابية من قبل الجزء الأكبر من الطيف الحزبي المغربي.
من هذا المنطلق السياسي والفلسفي لدور الأحزاب السياسية كتنظيمات، فإن مقاربتها من زاوية التحليل السوسيولوجي والتحليل السياسي تقتضي تفكيك مستوياتها النسقية ووظائفها على ضوء النظريات الجديدة في مجال التحليل السياسي، ومناهج تحليل التنظيمات السوسيولوجية، بحيث تشكل وضعية الأحزاب المغربية اليوم والتحديات التي توجهها في تنزيل وظائفها التأطيرية وأدوارها السياسية تحديا للفاعل السياسي والمنشغلين بقضايا التنمية. كما تشكل هذه الوضعية غير السوية إشكالا عميقا في المضي نحو ترسيخ مكتسبات دستور 2011، وتجويد الممارسة السياسية والعمل السياسي، بما ينعكس سلبا على الحياة العامة في مجمل تجلياتها.
فالعديد من الدراسات تناولت الأحزاب السياسية المغربية من زاوية علم السياسة الصرف، ودارسات أخرى تناولت التنظيمات من زاوية سوسيولوجيا التنظيم ضمن حقل علم الاجتماع . لكن دون حصول تعاطي لإشكالية الأحزاب السياسية من خلال توظيف مندمج لآليات ومناهج التحليل السياسي وسوسيولوجيا التنظيم. وهذا ما بات يعرف اليوم بدراسات وأبحاث "السوسيولوجيا السياسية"؛ وهو توجه جديد بدأ يتقوى شيئا فشيئا في حقل العلوم السياسية. وهذه المقالة تحاول المساهمة في هذا الاتجاه في أفق توطين تعاطي جديد مع واقع الأحزاب السياسية المغربية ينطلق من دراستها سياسيا وسوسيولوجيا؛ من خلال التركيز على وظائف الأحزاب من منظور جديد ينبني على مفهوم إستراتيجيات الفاعل الحزبي وتراتبية أنساقه الفرعية المشكلة للنسق البنيوي العام وبالنتيجة تحليل وظائفه بناء على تفكيك هذه المستويات الناظمة للفعل الحزبي بالمغرب .
أولا: إسترتيجية للتأطير
تعد مهمة التأطير من المهام الدستورية المناطة بالأحزاب السياسية ومن صميم وظائفها الدستورية والسياسية، حيث تعتبر الأحزاب السياسية في أي نظام سياسي مؤسسات اجتماعية / سياسية تعنى بتأطير المواطنين (الفصل 7 من الدستور المغربي لسنة 2011)، وتشكل جماعة ذات انتماء فكري وإيديولوجي تمتح من إحدى نظريات الفكر الإنساني (اليسار، اليمين، الديمقراطيون، الاشتراكيون، ...)، حيث يبقى الانتماء للحزب مؤطرا بالالتزام بهذه المبادئ الفكرية العامة؛ غير أن واقع الحال في التجربة المغربية يبين أن الأحزاب السياسية غير واضحة في توجهاتها الفكرية والإيديولوجية، وهو ما يمثل عنصر تشويش وضبابية أمام المواطن وأيضا أمام المجهودات التي تبذلها بعض القيادات للإقناع بجدوى ومضمون الخطاب السياسي لهذه الأحزاب.
إن الحقل الحزبي المغربي ورغم التعددية (نسبة إلى العدد)، فهي تبقى مؤشرا مزيفا على الفعالية وواقع حال هذه التعددية. فمن أقصى اليسار إلى أقصى اليمين مرورا بالطيف الحزبي ذي التوجهات الإسلامية، فإن هذه التعددية تبقى شكلية وظاهرية فقط، حيث يبدو أن برامجها وخطها الفكري والإيديولوجي والثقافي يبقى في حدود كبيرة من التماهي والتشابه. كما أن المسافة بينها وبين مبادرات الدولة تنتفي في كثير من الأحيان. وهذا ما يدل على أنها أحزاب غير فاعلة وغير قادرة على الاقتراح والمسك بالمبادرة انطلاقا من برامج خاصة بها، ومنبثقة من قواعدها الشعبية ومناضليها، وأيضا تقديم عروض ورؤى سياسية واقتصادية كمنتوج للكفاءات الحزبية المنخرطة في هذه الأحزاب، وتقديمها كبديل لما هو كائن وموجود.
من هنا تنتصب ملحاحية تسطير مقاربة إستراتيجية تستهدف بالأساس القاعدة الجماهيرية والموارد البشرية لهذه الأحزاب، من خلال إستراتيجية التأطير وهي إستراتيجية ينبغي أن تبنى على مقاربات جديدة ومتجددة؛ فالأحزاب السياسية يتوجب عليها إنتاج بروفيلاتها من داخل نسقها الفكري والثقافي والسياسي، وليس البحث عن هذه البروفيلات الجاهزة والعمل على استقطابها بسهولة.
إن العمل التأطيري يجب أن يكون قاعديا وعبر مراحل تأطيرية متماسكة ومتسلسلة داخل مؤسسات الحزب، انطلاقا من تنظيماته الشبابية إلى القطاعية ثم المؤسسات الهيكلية والتنظيمية المحلية والإقليمية والجهوية وأخيرا الوطنية.
كما أن هذه التنظيمات الموازية للحزب والمشتغلة تحت مظلته يتوجب عليها خلق أدوات وإستراتيجيات للتأطير والتكوين والاستقطاب خاصة بها. مثلا إستراتيجيات موجهة إلى الشباب بشكل عام (الطلبة، التلاميذ) وإستراتيجيات موجهة إلى المرأة (المرأة العاملة، المرأة القروية..) وإستراتيجيات موجهة إلى رجال الأعمال المقاولين الشباب والمجموعات المهنية الخدماتية وفعاليات المجتمع المدني والمثقفين.
إن هذه الإستراتيجية المحددة وذات الاستهداف الموجه هي ما سيغني الرأسمال البشري داخل الحزب ويجعله وعاء مجتمعيا حيا وديناميكيا. كما أن الدولة تراهن بشكل أكثر من أي وقت مضى على الوظيفة التأطيرية للأحزاب، فهي شريكة في تنزيل برامج الدولة ورؤاها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولتحقيق اكتمال أفضل لهذه الدورة التأطيرية كإستراتيجية، فإن الأحزاب السياسية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالسلاسة في الترقي والولوج إلى مناصب المسؤولية الحزبية والتحلي بثقافة التداول الديمقراطي على مناصب المسؤولية (ثقافة الانسحاب والاكتفاء بالمدد القانونية في تولي المنصب)؛ لأن غياب هذه الثقافة يجعل عملية العبور بالممرات عند مستويات المسؤولية تختنق وتصبح قاتلة للانتماء الحزبي. بمعنى استمرار شخصيات في مناصب الأمانة العامة للحزب وفي مناصب الكتابات الوطنية والمجالس الوطنية ونزولا نحو المسؤوليات الجهوية والإقليمية . كل هذا الاختناق الذي يحدثه تمسك بعض الحزبيين بمناصب المسؤولية ولمدد طويلة ولايات متعددة يجعل انسيابية الحركة داخل هياكل الحزب بطيئة ومميتة أحيانا، ومنفرة للطاقات والكفاءات والمواطنين عموما من الفعل السياسي والحزبي.
ثانيا : إستراتيجية للانتخابات الجماعية
ارتباطا بما سبق ذكره في سياق إستراتيجية التأطير، وفرضا أنها توجت بنتائج مهمة وجيدة؛ فإن الحزب السياسي ومما توفر له من موارد بشرية تم انتقاؤها وتأطيرها جيدا، فإن هذه الموارد مطالبة بالرقي في مراتب وهرمية التنظيم والتدرج في أنساقه الفرعية. وهنا نتحدث عن البنية الوظيفة للحزب (الفعل والممارسة السياسية). فالأحزاب السياسية كبنيات سياسية مؤسساتية لها أهداف كبرى تتمثل في المشاركة في التدبير العام والشأن السياسي العمومي. وبناء على هذه الصفة والخاصية الوظيفية فإنها مطالبة بالتخصص في تدبير مواردها وتنظيم أفاق الترقي السياسي أمامها كيف ذلك؟.
بما أن الانتخابات كلحظة سياسية مفصلية وكونها تتوزع بين مجموعة من أنواع الانتخابات، فإن الأحزاب السياسية لا يقبل منها التعاطي بنفس الأساليب والإستراتيجيات، وأشكال الاستعداد لهذه الأنواع من الاستحقاقات على قدم المساواة.
وفي سياق الحديث عن الانتخابات الجماعية وهي انتخابات مرتبطة بتدبير الشأن العام المحلي، وتسيير مرافق أكثر قربا من المواطن فهي بذلك تكتسي أهمية قصوى في مسار الفعل الحزبي واختبار حقيقي للإستراتيجية التأطير التي سبقت الإشارة إليها. إنها مطالبة بتقديم البروفيلات القادرة رفع التحديات المرتبطة بهذا النوع من الانتخابات. كما يعتبر اجتياز هذه التجربة عنصرا مؤهلا للرقي داخل فروع وأنساق التنظيم.
إن الانتخابات الجماعية كمحطة أساسية وكواجهة للفعل السياسي الميداني تمكن الأحزاب السياسية ونخبها / أطرها وقياداتها من تملك تجربة مهمة في تدبير الشأن العام المحلي واكتشاف تحدياته التنموية والثقافية من جهة، ومن جهة ثانية تمثل تجربة تتفتح فيها قدرات وإمكانيات الفاعلين والمناضلين الحزبيين. وعلى هذا الأساس، يتوجب على الأحزاب السياسية وضع إستراتيجية خاصة وموجهة إلى هذا النوع من الانتخابات؛ وذلك من خلال إعداد برامج خاصة بالتدبير المحلي وسوسيولويجا التنمية المحلية والاقتصاد المحلي وأيضا إعداد بنك معلومات حول الثقافات المحلية والمؤهلات الاقتصادية المحلية والجهوية. وهذه الدراسات والمعطيات هي في متناول الأحزاب السياسية ولها القدرة على القيام بإنجازها بل ومطالبة بالتوفر على رصيد كبير من هذه المعطيات.
إن الأحزاب الجدية هي التي لها تمثيليات محلية وإقليمية نشيطة وقادرة على بلورة المشاريع والمبادرات والمتفاعلة باستمرار مع المواطن. أما الأحزاب المنفصلة عن الواقع الحي واليومي للمواطن والمشتغلة بمنطق المناسباتية و(شعار الحملة ) فهي أحزاب لا تستحق هذه الصفة.
وعليه، فالانتخابات الجماعية تتطلب من الأحزاب العمل وفق منهجية خاصة، سواء على مستوى البروفيلات المرشحة أو على مستوى العرض السياسي المقدم أو على مستوى اعتبار هذه الانتخابات بمثابة اختبار وشهادة على المصداقية والنبل السياسيللترقي في مراتب التنظيم الحزبي.
فكما سنرى في الفقرات التالية الولوج إلى البرلمان ليس له معنى أو إضافة إذا كان النائب لا يفقه في أبجديات الشأن المحلي ومتطلبات التنمية المحلية.
ثالثا: إستراتيجية للانتخابات البرلمانية
تعتبر الانتخابات البرلمانية / التشريعية عملية انتخابية لاختيار ممثلي الأمة. وبهذه الصيغة تمثل مظهرا من مظاهر التمثيل النيابي الوطني.
ومن هنا، فإنها تختلف عن الانتخابات الجماعية بحيث تكون الأحزاب السياسية مطالبة بتسطير إستراتيجيات مغايرة للانتخابات الجماعية، حيث البروفيلات تختلف عن سابقاتها وتنتقى من مجموعة سبق لها خوض غمار التجربة الجماعية. ومن شروط التقدم لهذه الانتخابات البرلمانية أن يكون المترشح له من التجربة ما يؤهله لذلك، وأقلها ممارسة الشأن السياسي العام المحلي كتجربة ضرورية؛ لأن إن الدفاع عن تطلعات المواطن وانتظاراته في المؤسسة التشريعية لن يكون سليما وهادفا دون وجود تراكم معرفي وتجريبي لهذا البرلماني.
كما أن التقدم لهذه الاستحقاقات يجب أن تؤطره الأحزاب السياسية بشروط موضوعية وذاتية. فإلى جانب إلزامية التجربة الجماعية، فإن الشرط التعليمي والدراسي شرط واجب الاستحضار في هذه الانتقاءات لملفات المترشحين. إن هذه الانتخابات تسمح بالتمثيل على مستوى المؤسسة التشريعية وهي مؤسسة ذات أدوار تشريعية ورقابية ودبلوماسية.. فإنها تستلزم حدا أدنى من التراكم المعرفي والتعليمي أقله الدراسات الجامعية؛ وذلك من أجل الانخراط بشكل إيجابي في مهام وأدوار المؤسسة التشريعية وتملك أدوات الفهم والتفاعل المنتج لهذه النخب البرلمانية.
إن الإستراتيجية المنتظرة من الأحزاب السياسية للمشاركة بفعالية في الانتخابات البرلمانية هي إستراتيجية مبنية على تأهيل العنصر البشري، وإمداده بكل المعارف والتكوينات التي من شأنها تعزيز التنافسية على مستوى البرامج السياسية، وتجويد اللغة الترافعية للدفاع عن المواقف والقضايا الوطنية، وتقوية القدرات الاقتراحية لممثليها في المؤسسة التشريعية. كما أنها مطالبة بوضع إستراتيجيات حزبية لتأهيل قدرات هذه الموارد البشرية الحزبية الممثلة في البرلمان على مسايرة ومواكبة العمل الحكومي؛ وذلك بالمراقبة والمساءلة والنقاش الهادف والبناء والدفاع عن المصلحة الوطنية وتطلعات المواطنين في القضايا الوطنية والحيوية، بنفس سياسي متجدد وديناميكي يعيد للنقاش العمومي والشأن السياسي أدواره الطلائعية والتحديثية.
اليوم، وبناء على هذه الملاحظات الاستشرافية لوظيفة الأحزاب على مستوى المؤسسة البرلمانية، يتضح أنها مطالبة بالمساهمة الفعالة في تعزيز الممارسة الديمقراطية وتنزيل مضامين دستور 2011، والمساعدة عمليا في تجويد الحياة البرلمانية؛ وذلك لما للأحزاب السياسية من أدوار حقيقية في هذا المسار، فالبرلمان يكون قويا وفاعلا حقيقيا في الشأن السياسي العام عندما تعتمل داخله وتنشطه أحزاب وتوجهات سياسية حزبية قوية قادرة على إعطاء نفس جديد للمؤسسة التشريعية وبالنتيجة تجويد مخرجات هذه المؤسسة.
رابعا: إستراتيجية للفعل / التدبير الحكومي
يعد التدبير الحكومي والمساهمة في ممارسة الحكم مطمحا أساسيا لكل تنظيم حزبي، كما يشكل هذا المطمح أحد أهم تطلعات وأهداف الأجندة السياسية للأحزاب؛ فالحزب كمؤسسة سياسية وتنظيم اجتماعي يراهن على الوصول إلى السلطة من أجل تفعيل برامجه وتوجهاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
إن الرهان الأساسي لديه أولا هو كسب مواقع انتخابية والحصول على نسبة من المقاعد، حيث تعتبر هذه الأخيرة بوابته للمشاركة أو ممارسة الحكم والتدبير الحكومي.
وفي محاولة لربط خيوط التحليل والحفاظ على الرابط المنهجي الناظم للمستويات الإستراتيجية الواجب استحضارها في الأحزاب السياسية، يمكن القول إن نجاح وتقدم الإستراتيجيات الثلاث السابقة رهين بمدى توفر هذه الإستراتيجية. كما أنها لن تؤتي أكلها دون الاستعداد على مستوى رابع من تراتبية التنظيم النسقي للأحزاب، والتمثل الجيد لهذه المرحلة. بمعنى استعداد الحزب من خلال وضع إستراتيجية وخطة جاهزية الحزب لممارسة السلطة أو المشاركة فيها. وطبعا من موقع جيد وقوي ومؤهل.
إن الحزب السياسي يجب ألا تفاجئه فرصة دعوته للمشاركة في الحكم، أو أن يكون على غير استعداد للمشاركة أو المشاركة فيها فقط من أجل المشاركة. وهنا، نستحضر ما يصطلح عليه بعلم السيناريوهات أو الاحتمالات الممكنة. فكما تحدثنا على ضرورة توفر الحزب على إستراتيجية للتأطير، وإستراتيجية للمنافسة في الانتخابات الجماعية، وأيضا على إستراتيجية خاصة بالانتخابات البرلمانية؛ فإن هذه الأحزاب مطالبة، في إطار وظائفها الدستورية، بصياغة ووضع إستراتيجية للمشاركة في الحكم أو تشكيل حكومة في التجربة المغربية. ومن ثم، يتوجب على أطر الأحزاب وكفاءاتها الاشتغال على برنامج ورؤية للحزب تكون ناضجة وجاهزة في حالة تولي الحزب للمسؤولية الحكومية. وهذا الأمر لن يتطلب من الأحزاب وفق التحليل السابق كثيرا من الجهد، حيث ستتضح أهمية العمل على الإستراتيجيات السابقة وما تشكله من أرضية لهذه الإستراتيجية الرابعة؛ فالكفاءات الحزبية من خلال ما راكمته من تجارب ومعارف أثناء ممارستها لتدبير الشأن المحلي (الجماعة والإقليم والجهة)، ثم التراكم على المستوى الوطني من خلال النقاشات البرلمانية والاحتكاك بالفاعلين الحكوميين (مناقشات اللجان البرلمانية، الأسئلة الكتابية والشفوية مناقشات قوانين المالية..)، كل هذا قادر على جعل الأحزاب الفاعلة والجادة متمكنة من اللحظة السياسية، ولها ما تقدمه كسياسات عمومية وبرامج حكومية لتدبير أفضل للشأن العام على المستوى الوطني.
خامسا : إستراتيجية لدور المعارضة
تماشيا مع المنهج التحليلي والمقاربة السوسيولوجية للتنظيم الحزبي، فإن الإستراتيجيات السابقة لن يكتمل بناؤها الفكري والثقافي إلا بتوفر الحزب السياسي على إستراتيجية تمكنه من لعب دوره كاملا كحزب وبنية سياسية حية ولو كان خارج الحكم / ممارسة السلطة التنفيذية.
ولا تسعف النتائج دائما في تحقيق تموقع متقدم في الانتخابات. وبالتالي، ففرضية بقاء الحزب خارج مكونات التحالف الحكومي تبقى واردة جدا. وفي هذا الإطار، يتوجب على الحزب السياسي أن تكون له رؤية وتصور مستقبلي حول وضعيته في هذا السياق. بمعنى ضرورة توفره على برنامج عمل من موقع المعارضة هذا البرنامج قادر على مواكبة الفعل الحكومي بالمساءلة البناءة والرقابة السياسية لقرارات الحكومة وأيضا تقييم نتائج ومنجزات السياسات العمومية المتخذة من طرف الحكومية؛ وذلك ليس من باب المعارضة من أجل لمعارضة، بل معارضة بناءة ومبتكرة قادرة على إحراج الفاعل الحكومي وتعرية نواقصه التدبيرية، من خلال برامج ورؤى حزبية تنافسية وفعالة تتقدم كبديل أو على الأقل كعرض موازي للعرض المقدم من طرف الحكومة. وهذا ما يصطلح عليه في علم الاقتصاد وسياسات التسويق بالمنافسة / السوق الحرة. وفي العلوم السياسية يمكن اعتبارها كمدخل للتنافس السياسي في العروض السياسية للفاعلين الحزبيين والبحث عن أفضل المخرجات للعلبة السياسية / الحكومة.
إن إستراتيجية المعارضة هي إستراتيجية حزبية في لحظة سياسية يكون فيها الحزب خارج التدبير الحكومي، تمكنه من تتبع ومواكبة العمل الحكومي من موقع قوة وتأثير، كما يشكل للحكومة مصدر إغناء لبرامجها وعين تقييمية لعملها؛ فهي عنصر قوة للحزب السياسي وأيضا للحكومة في مرحلة تدبيرها الحكومي. وهي إستراتيجية تمكن الحزب من تحقيق تراكم غني، سواء في ممارسة وظيفته كمكون للحكومة أو كلاعب سياسي في صف المعارضة، حيث تتراكم لديه تجربة معرفية وسياسية سواء كان ممارسا أو متتبعا للشأن العام الحكومي. وبهذا نكون أمام أحزاب متكاملة البنى التنظيمية وأيضا متنوعة في مشاربها التكوينية وغنية بتراكمها الثقافي السياسي. وهي مرحلة الأحزاب العضوية على شاكلة المثقف العضوي . أي أحزاب لها امتدادات اجتماعية من خلال إستراتيجية التأطير كمنطلق. ولها تطلعات مستقبلية من خلال وظائفها (التدبيرية للشأن العام الحكومي / ممارسة دور المعارضة كفعل موازي للفعل الحكومي) كأفق منشود لهذه البنية الحزبية.
(*) أستاذ باحث في العلوم السياسية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.