إحباط محاولة جديدة للهجرة السرية على سواحل إقليم الجديدة    المجلس الجماعي للجديدة يصادق على جميع نقاط جدول أعمال دورة ماي 2025    الدردوري: منصات المخزون والاحتياطات الأولية تجسيد للرؤية الملكية في تعزيز الجاهزية لمواجهة الكوارث    الدولي المغربي أشرف حكيمي يقود باريس سان جيرمان لنهائي دوري الأبطال    الشرطة القضائية بالعرائش تتمكن من إحباط محاولة تهريب طنين من مخدر الشيرا وتوقيف ثمانية أشخاص    بعد جلسة استمرت 12 ساعة.. المحكمة تحجز ملف النقيب زيان للمداولة    الشرطة تحبط محاولة تهريب طنين من الشيرا بالعرائش وتفكك شبكة إجرامية متورطة في التهريب الدولي عبر البحر    الطيران الباكستاني يؤكد تفوقه ويسقط مقاتلات هندية متقدمة داخل مجالها الجوي    ارتفاع أسهم شركة "تشنغدو" الصينية بعد تفوق مقاتلاتها في اشتباك جوي بين باكستان والهند    منتدى التعاون الصيني الإفريقي: كيف أرسى أسس شراكة استراتيجية؟    مكناس تبدأ في بناء محطة قطار حديثة بتكلفة 177 مليون درهم    تفكيك شبكة دولية للمخدرات بين العرائش وتطوان    اتفاقية رقمنة تصدير منتجات الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي بالمغرب    حكيمي يقود سان جيرمان لتجديد الفوز على أرسنال وبلوغ نهائي الأبطال    عبد اللطيف حموشي في زيارة عمل إلى فيينا ويلتقي مسؤولي أجهزة استخبارات من قطر وتركيا والسعودية والإمارات وباكستان    غزة تُباد.. استشهاد 102 فلسطينيا في سلسلة مجازر إسرائيلية وإصابة 193 خلال 24 ساعة    وهبي: "أشبال الأطلس" مستعدون لمواجهة أي منتخب في الدور القادم    بلقشور يكشف عن موعد إجراء مباراتي السد ويؤكد تواجد تقنية "الڤار"    التجسس على "واتساب": القضاء الأمريكي يغرم "إنزو" الإسرائيلية بمبلغ 168 مليون دولار لصالح "ميتا"    استهلك المخدرات داخل سيارتك ولن تُعاقبك الشرطة.. قرار رسمي يشعل الجدل في إسبانيا    باكو.. الأميرة للا حسناء تزور المؤسسة التعليمية "المجمع التربوي 132–134"    تصعيد خطير في جنوب آسيا: سلاح الجو الهندي يتكبد خسائر بمئات الملايين بعد هجوم باكستاني دقيق    لمواجهة الكوارث.. الملك يعطي انطلاقة إحداث منصة للمخزون والاحتياطات الأولية    المصطفى الرميد: لا تعارض بين الانحياز لقضايا المغرب ونصرة غزة    الأخضر ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    رئيس الحكومة الإسبانية يثني على مساهمة المغرب في تجاوز أزمة انقطاع التيار الكهربائي    مجلس أوربا: قانون العقوبات البديلة "منعطف تاريخي" في المنظومة القضائية المغربية    العصبة تكشف برنامج الجولة الأخيرة من البطولة الاحترافية    الجزائر تواصل مطاردة المثقفين.. فرنسا تتلقى مذكرتي توقيف دوليتين ضد كمال داود    صحيفة أجنبية: المغرب يعد الوجهة السياحية الأولى في إفريقيا    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    ملاحظة نقدية من طرف ألفونس ويلهانز حول جان بول سارتر والعقل الجدلي    ذاكرة النص الأول بعيون متجددة    أبو الأسود الدؤلي    توقيف مواطنين فرنسيين من أصول مغربية يشتبه تورطهما في قضية تتعلق بالسكر العلني وارتكاب حادثة سير بدنية مع جنحة الفرار    دراسة علمية تكشف قدرة التين المغربي على الوقاية من السرطان وأمراض القلب    ديزي دروس يكتسح "الطوندونس" المغربي بآخر أعماله الفنية    من إنتاج شركة "Monafrique": المخرجة فاطمة بوبكدي تحصد جائزة وطنية عن مسلسل "إيليس ن ووشن"    إسبانيا تمول محطة تحلية عملاقة بالمغرب ب340 مليون يورو    الخطوط الملكية المغربية و"المبنى رقم 1 الجديد" في مطار JFK بنيويورك يبرمان شراكة استراتيجية لتعزيز تجربة المسافرين    لأول مرة في مليلية.. فيلم ناطق بالريفية يُعرض في مهرجان سينمائي رسمي    من هي النقابة التي اتهمها وزير العدل بالكذب وقرر عدم استقبالها؟    بركة: نعيش سنة الحسم النهائي للوحدة الترابية للمملكة    من المليار إلى المليون .. لمجرد يتراجع    الزمالك المصري يقيل المدرب بيسيرو    "التقدم والاشتراكية": الحكومة فشلت على كافة المستويات.. وخطابها "مستفز" ومخالف للواقع    تشتت الانتباه لدى الأطفال…يستوجب وعيا وتشخيصا مبكرا    "كوكا كولا" تغيّر ملصقات عبواتها بعد اتهامها بتضليل المستهلكين    فليك يتهم الحكم بإقصاء برشلونة ويُخاطب لاعبيه قبل الكلاسيكو    دافيد فراتيزي: اقتربت من فقدان الوعي بعد هدفي في شباك برشلونة    المغرب يستقبل 5.7 ملايين سائح خلال 4 أشهر    إرشادات طبية تقدمها الممرضة عربية بن الصغير في حفل توديع حجاج الناظور    تحذير من تناول الحليب الخام .. بكتيريات خطيرة تهدد الصحة!    استقبال أعضاء البعثة الصحية لموسم الحج    كلمة وزير الصحة في حفل استقبال أعضاء البعثة الصحية    التدين المزيف: حين يتحول الإيمان إلى سلعة    مصل يقتل ب40 طعنة على يد آخر قبيل صلاة الجمعة بفرنسا    كردية أشجع من دول عربية 3من3    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسالة الجيش الجزائري في بيان لعمامرة
نشر في هسبريس يوم 16 - 09 - 2021

إن وقوف المحللين عند ظاهر نص بيان وزير الخارجية الجزائري السيد رمطان لعمامرة جعلهم يعتقدون خطأً أن قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب كانت له أسباب حددها البيان في تسعة، بدءًا بحرب الرمال 1963، ومرورا بمعاهدتي 1969 و1972، ثم الاعتراف بالبوليساريو بسبب قطع المغرب علاقته مع الجزائر سنة 1976، ثم الادعاء بأن مسؤولا إسرائيليا وجه رسائل عدوانية إلى الجزائر بتحريض مغربي، ثم اتهام المغرب بحريق القبائل، ثم التملص من أحداث سنة 1994 بفندق أسني بمراكش، ثم الادعاء بأن المغرب تهرب من تنظيم الاستفتاء في الصحراء المغربية الغربية، ثم تحميل المملكة مسؤولية تجميد أنشطة مؤسسات اتحاد المغرب العربي بتاريخ 20 ديسمبر 1995؛ ليُختتم البيان بتحميل النظام المغربي تعاقب الأزمات، والتهديد بجر الشعبين الجزائري والمغربي لا محالة إلى حرب.
والسؤال الذي علينا طرحه تبعا لذلك هو لماذا قرر المجلس الأعلى للأمن الجزائري خلال اجتماع استثنائي، بقيادة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إعادة النظر في العلاقات بين الجزائر والمغرب؟ ولماذا ركز البيان على أحداث وقعت في الزمن الماضي؟ ثم ما هي الرسالة المشفرة من التركيز على هذه الأحداث؟..
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ترتبط وجوبا بتحليل الغامض في البيان المذكور من جهة، ثم ربطه بالقرار الذي اتخذته الحكومة العسكرية لرسم الحدود بين الجزائر وتندوف، باعتبارها أرض ما سماه جنرالات الجزائر "الجمهورية العربية الصحراوية" من جهة ثانية، ويرتبط من جهة ثالثة بمعرفة مراحل استعمار فرنسا للمغرب.
وبالتالي، إذا كان استعمار فرنسا للمغرب بدأ باحتلال الدار البيضاء في يوليوز 1907 ثم احتلال السواحل المغربية سنتي 1908 و1909، ثم احتلال باقي المناطق بعد توقيع عقد الحماية سنة 1912، فإن الخطير في هذا الاستعمار هو إلحاق الصحراء الوسطى والشرقية (كورارة وتوات وتدكلت وتندوف) بالجزائر ما بين 1900 و1934. وحتى نحيط القارئ المغاربي علما بالرسالة المشفرة من بيان لعمامرة بشأن قطع العلاقات مع المغرب، سنبين تاريخ منطقة تندوف في الأرشيف الاستعماري الفرنسي (1)، والأسباب الجيوستراتيجية والغاية من احتلال فرنسا لتندوف (2)، وتاريخ احتلالها والغاية من إلحاقها بالجزائر (3)، ومكانتها في الدستور ووسائل الدولة في استرجاعها(4)، ثم غاية الحكومة العسكرية من إعادة النظر في علاقاتها مع المغرب(5).
1: تاريخ منطقة تندوف في الأرشيف الاستعماري الفرنسي
على غرار باقي المدن المغربية، تعتبر تندوف بالصحراء الشرقية المغربية من المدن الصحراوية التي تداول على حكمها قياد عينوا بظهائر شريفة من قبل سلاطين المغرب عبر التاريخ1)، ومنها انطلق الجيش المغربي بقيادة الباشا إيدار نحو تومبوكتو والسودان سنة 1590. وكانت تندوف نشيطة في تجارة الجمال والعبيد والملح والحناء والذهب خلال القرن السادس عشر، وكان يقطنها سنة 1857 حوالي 1000 نسمة2)، لكن حلم فرنسا في احتلالها يعود إلى سنة 1925، حيث توقف القبطان ريسو Ressot أثناء عودته من منطقة بن عباس، فكتب تقريرا استخباراتيا أكد فيه على أهميتها الإستراتيجية بالنسبة للمصالح الفرنسية بالمغرب3).
2: الأسباب الجيوستراتيجية وراء احتلال فرنسا لتندوف
إلى جانب السبب الرئيس الذي أشار إليه إبراهيم حركات سابقا، هناك أسباب أخرى وجدناها متفرقة في تقارير الأرشيف الاستعماري الفرنسي، منها أهمية تندوف في مراقبة حركة التنقل بين الجنوب المغربي والسودان4)، وتأمين التنقل والتجارة بين المغرب وموريتانيا5)، والربط بين المناطق الفرنسية المستعمرة ...إلخ6).
3: تاريخ احتلال تندوف والغاية من إلحاقها بالجزائر
بقراءة في الأرشيف الاستعماري الفرنسي، وعلى غرار احتلال توات وكولوم بشار وحس الرمل وكورارة وتيدكلت، قطع احتلال تندوف مرحلتين: أولها تعبيد طريق لحمادة الوعرة، وثانيها السيطرة على القبائل الصحراوية المغربية التي بقيت تقاوم إلى أن نفذت ذخائرها واستسلمت تحت الإكراه. لكن كيف تم احتلال تندوف باعتباره رئة المغرب وكبده؟ ومتى تم ذلك؟.
كان أول عمل قامت به سلطات الحماية قبل الشروع في احتلال تندوف هو وضع خريطة حددت فيها المناطق التي قررت إلحاقها بالجزائر الفرنسية، كما تشير الخريطة أعلاه7)، ثم شرعت في تحقيق مشروعها عبر مرحلتين: أولهما تهدئة قبائل الأطلس الصغير من تزنيت إلى وادي نون ودرعة، وهي العملية التي انتهت ميدانيا بتاريخ 20 مارس 1934؛ وثانيهما بدأ بصدور الأمر باحتلال تندوف من قبل الجنرال هوري Huré إلى الجنرال جيرو Giraudالمدعوم بالكولونيل ترانكي Trinquet وهو ما تحقق يوم 31 مارس 1934 نتيجة الاستعمال المفرط للأسلحة المتطورة ضد السكان8).
أما غاية فرنسا من احتلال تندوف فيمكن تحديدها على مستويين: أولهما إيجاد منفذ إلى المحيط الأطلسي لتسويق منتجات الحديد بجبيلات تندوف9)، وثانيهما إلحاق تندوف بالجزائر لتحقيق الغاية المذكورة، وهو ما كشفه صراحة الصحافي "أو.دي. كيسر" E.DE KEYSER في مقال له تحت عنوان "الطريق الإمبريالي" قال فيه: "لم تعد تندوف مدينة مغربية، وإنما أصبحت أرضا جزائرية"(10)، ما عارضه جيلبير عاشر Gilbert ACHER عشية استقلال المغرب حيث قال: "رغم احتلال فرنسا لتندوف فإنها مازالت من وجهة نظر قانونية جزءا لا يتجزأ من المملكة المغربية"11).
وضمن خطتها الرامية إلى جعل الجزائر مقاطعة تابعة لها، قامت فرنسا بتنظيم استفتاءين لتقرير مصير البلاد، حاولت بموجبهما أن تُبقي تابعة لها؛ الأول فرنسي نظمته فرنسا بتاريخ 8 يناير 1961 حيث صوت 53.6% بنعم، و17.8% بلا [أي ضد استقلال الجزائر]12)، والثاني نظمته يوم فاتح يوليوز 1962، صوت فيه 5.975.581 ب"نعم"، و16.534 صوتوا ب "لا"13).
ومما ينبغي التنبيه إليه تبعا لذلك هو أن نتيجة استفتاء 8 يناير 1961 جعلت الجنرال ديغول يدرك أن الدولة العميقة في فرنسا لا ترغب في استقلال الجزائر، ما جعله يوافق على تنظيم استفتاء تقرير مصير هذه الأخيرة، وبالتالي فإن عبارة: "هل تريد أن تصبح الجزائر دولة مستقلة متعاونة مع فرنسا حسب الشروط المقررة في تصريحات 19 مارس 1962؟"
تفيد بأن الإبقاء على الصحراء المغربية الوسطى والشرقية ملحقة بالجزائر رهين وجوبا بقول "نعم"، لتصبح الجزائر دولة مستقلة متعاونة مع فرنسا، حسب الشروط المقررة في تصريحات 19 مارس 1962. ذلك أن عبارة "أن تصبح الجزائر دولة مستقلة متعاونة مع فرنسا" معناه: أن تصبح الجزائر إحدى المقاطعات التابعة لفرنسا في شمال أفريقيا، الأمر الذي رفضه المغرب، وعمل كل ما في وسعه لتصبح الجزائر دولة حرة مستقلة ذات سيادة وغير تابعة.
وفي وقت كان المغرب ينتظر اعتراف الجزائر بالجميل، واعترافها بحدودها معه وقت احتلال فرنسا لها، رفض حكام الجزائر الحوار رغم اعترافهم بأن الصحراء الوسطى والصحراء الشرقية والصحراء الغربية كلها مغربية بالحجة والدليل التاريخي القاطع. لكن السؤال هو كيف يمكننا تحديد مكانة الصحراء الوسطى والشرقية في الدستور المغربي؟ وما هي وسائل استرجاعها للوطن؟.
4: مكانة الصحراء الوسطى والشرقية في الدستور وكيفية استرجاعها إلى الوطن
لا يميز الدستور المغربي بين أراضي المملكة المغربية، وإنما يعتبرها وحدة ترابية موحدة، ويجعل الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة. والحدود الحقة كما تشهد الخريطة أدناه:
تتضمن كورارة وتوات وتدكلت وكولوممبشار وتندوف...إلخ في الشرق، ثم سبتة ومليلية وجزرا أخرى في الشمال، إضافة إلى جزر أخرى بما فيها جزر الكناري في الغرب. وبالتالي فإن المغرب الذي اختار لغة الحوار قرابة نصف قرن من أجل استرجاع صحرائه الشرقية المغتصبة يؤمن بأن أراضيه التي ألحقها الاستعمار الفرنسي بالجزائر على خلفية أن هذه الأخيرة ستبقى مقاطعة فرنسية بشمال إفريقيا يجب أن تعود إلى أصلها بالحوار أو بالطريقة التي اغتصبت بها سنة 1934، في إطار خطة تهدئة الجنوب المغربي؟!.
5:غاية الحكومة العسكرية من إعادة النظر في علاقاتها مع المغرب
ترتبط معرفة غاية الحكومة العسكرية من إعادة النظر في علاقاتها مع المغرب بتحليل نفسية الجنرال شنقريحة ومساعديه العسكريين من جهة، ثم نفسية "الرئيس" عبد المجيد تبون ووزير الخارجية رمطان لعمامرة داخل البيئة التي اتخذ فيها قرار قطع العلاقات مع المغرب من جهة ثانية. وضمن وجهة النظر هذه، يتضح بما لا يدع مجالا للشك أن نفسيتهم جميعا كانت مهزوزة. وما يؤكد هذه الحقيقة هو الأسلوب والكلمات المستعملة في البيان، التي اختارها لعمامرة بدقة لتهدئة روع الجنرالات، ومن ذلك عبارة: "والأخطر من ذلك قيام أحد المفوضين للمملكة بانحراف خطير جدا وغير مسؤول من خلال التطرق إلى ما سماه 'حق تقرير المصير لشعب القبائل الشجاع؟'". وعدم ذكر اسم الممثل الدائم للمغرب بالأمم المتحدة الأستاذ الداهية السيد عمر هلال باسمه وصفته الرسمية يبيّن مدى الشرخ الذي تركته مداخلته بجنيف في البناء النظري لدبلوماسية الحكومة العسكرية الجزائرية، ويكشف بوضوح أن معنويات لعمامرة كانت دون مستوى الصفر "0"، لأن الجنرالات حملوه مسؤولية ردة فعل السيد عمر هلال بجنيف.
وبناء على وجهة النظر هذه نستطيع التأكيد أن بيان قطع العلاقات الذي تلاه لعمامرة ولم يتلوه الرئيس عبد المجيد تبون يكشف عن حقيقتين: أولهما أن مسؤولية لعمامرة في تأزيم العلاقات المغربية الجزائرية ثابتة لا تحتاج إلى دليل، وثانيهما أن ردود فعل المؤسسة العسكرية الجزائرية [التصريحات والقصاصات التي نشرتها المجلة المحسوبة على الجيش] تضمنت تهديدات ضمنية لوزير الخارجية لعمامرة، ما جعل هذا الأخير يستغل ضعف الثقافة الدبلوماسية لدى قادة الحكومة العسكرية الجزائرية، ويطالب باجتماع استثنائي للمجلس الأعلى للأمن الجزائري بقيادة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لاتخاذ قرار قطع العلاقات مع المغرب بهدف إعادة بنائها على أسس جديدة.
وهنا يكمن دهاء وزير الخارجية السيد رمطان لعمامرة، لأنه استطاع أن يحقق هدفين: إقناع الجنرالات بأهمية قطع العلاقات مع المغرب، وبأهمية رئاسته للدولة على أساس أن عبد المجيد تبون فشل في تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الحكومة العسكرية في الجزائر، وهو ما جعل الجيش يسند إليه مهمة قراءة بيان قطع العلاقات مع المغرب وليس إلى الرئيس.
لكن الأهم في هذا السياق أن لعمامرة صاغ بيان قطع العلاقات مع المغرب بلغتين: أولهما ظاهر يفهمه عامة الشعب والمبتدئين من السياسيين والدبلوماسيين، وثانيهما غامض لا يفهمه إلا القادة والمحنكون في مجال الدبلوماسية والعلاقات الدولية.
ويمكننا تحديد الغامض في بيان لعمامرة على ثلاثة مستويات: أولها أن البيان جاء في صيغة اعتذار ضمني للأمة والدولة المغربية، لأن ذِكر سنة 1972 في البيان يعتبر إشارة صريحة إلى تورط الجيش الجزائري في أحداث تلك السنة، لأن لعمامرة باعتباره دبلوماسيا محنكا يدرك أن ثورة الملك والشعب جعلت من المستحيل التمييز بين الملك والشعب، فالشعب هو الملك والملك هو الشعب؛ وثانيها أن ذِكر حرب الرمال في البيان يجسّد في الحقيقة وجهة نظر لعمامرة، وهي أن الوضع النفسي والمعنوي الحالي للقيادة العسكرية الحاكمة في الجزائر ليس أفضل من الوضع الذي كان عليه سنة 1963؛ وثالثها أن حديثه عن الحدود، التي تناولتها بعض الصحف المقربة من الجيش تحت عنوان: "الحدود المتوارثة عن الاستقلال خط أحمر"، يجسد القضية الكبرى التي عانى منها قادة الحكومات المتعاقبة على حكم الجزائر منذ الاستقلال، وهي القضية التي مازالت تجثم بثقلها على صدر قيادة الحكومة العسكرية، التي بادر لعمامرة من خلال بيان قطع العلاقات إلى الكشف عن موقفه الخفي وكذلك موقف الجنرالات الحقيقي منها، وهو أنه لا غبار على مغربية الصحراء الشرقية، تلك الحقيقة التاريخية التي تؤمن بها الحكومة العسكرية الجزائرية، ولكنها ترفض في الوقت ذاته الاعتراف بها، وهذا أمر طبيعي في العقيدة العسكرية، لأن القاعدة الوحيدة التي يؤمن بها الجيش هي أن "ما أخذ بالقوة لا يُسترجع إلا بالقوة".
في المقابل، حاول لعمامرة في بيان قطع العلاقات أن يكشف عن طريقتين متكاملتين قد يؤدي تطبيق إحداهما إلى استرجاع المغرب صحرائه الشرقية: أولهما أن البيان يعبر في حد ذاته عن رغبة الحكومة العسكرية الجزائرية في وساطة دولية، وهي الوساطة التي لا يمكن أن تقوم بها إلا دولتان لا أكثر، هما إسبانيا وفرنسا، من خلال الاعتراف صراحة بأن الصحراء الشرقية أرض مغربية، وهو الاعتراف الذي ستدعمه الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن الدولي، الأمر الذي سيريح قادة الحكومة العسكرية الجزائرية من شبح هذه القضية الذي ظل يتابعهم طوال الخمسين سنة الماضية، خاصة أن الدبلوماسيين ورجال القانون الجزائريين يعلمون أن علاقة الحكومة العسكرية الجزائرية بالصحراء المغربية الشرقية من وجهة نظر القانون الدولي تشبه إلى حد كبير علاقة من يخفي الشيء المسروق، وأن صاحب هذا الشيء المسروق/الصحراء المغربية الشرقية عازم على استرجاعه بكل الوسائل المتاحة؛ وثانيهما أن غاية الجنرالات من قرار ترسيم الحدود مع ما سمّوها "الجمهورية الصحراوية العربية..." يعني ضمنيا أن تندوف ليست أرضا جزائرية، وأنه بإمكان المغرب استرجاعها بطرد البوليساريو منها؛ ما يعني أن الحكومة العسكرية الجزائرية أصبحت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن الاستفتاء الذي كانت تسعى بموجبه إلى ضم تندوف إلى أراضيها بطريقة قانونية لم يعد خيارا أمميا مقبولا منذ مدة. وفي كلتا الحالتين ستتخلص المؤسسة العسكرية في الجزائر من عبء البوليساريو الذي أثقل كاهل الشعب الجزائري واستنزف خيراته، وبدأ الشعب يندد به في الحراك المدني الجزائري.
لكن الأهم الذي لم يأخذه لعمامرة وجنرالاته في الاعتبار هو أن اعترافهم ضمنيا بمغربية تندوف لا يعني أن المغرب سيسكت عن توات وكلومبشار وتيديكلت وغيرها من الأراضي المغربية المغتصبة في الشرق، بل سيطالب بها وسيعدها بالطرق الملائمة طبقا لواقع الأمور، وأن إعادة بناء العلاقات مع الجارة الجزائر سيتم بناء قاعدة "المعاملة بالمثل"، وأن كل إجراء قامت به الحكومة العسكرية الجزائرية سيرد المغرب عليه بمثله أو بأحسن منه، وأنه من مصلحة الشعبين المغربي/الجزائري، وكذلك من مصلحة الحكومة العسكرية الجزائرية أن يسترجع المغرب كل أراضيه التي كانت فرنسا ألحقتها بالجزائر سنة 1934 من القرن الماضي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.