السلطات تمنع تنقل أنصار "الماص" إلى مكناس و"فاتال تايغرز" يصف القرار بغير المنصف    الناتو يتواصل مع واشنطن "للاستيضاح" بشأن قرارها سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا    الانتخابات التشريعية في المغرب: ما الذي هو على المحك في 23 سبتمبر؟    ريال مدريد يعلن إصابة كارفاخال بكسر في الأصبع    إسماعيل الصيباري يخضع لبرنامج تأهيلي خاص تأهبا للمونديال    إيران تعلن إعدام متعاونَين مع إسرائيل    عوكاشا: الحصيلة قوية في التعليم والصحة .. والمغاربة سيصوتون للأحرار    المجتمع المدني ودوره في الرقابة المدنية    جمعية "نساء المغرب" تنتقد تعثر الأثر الفعلي للبرامج الاجتماعية على النساء وتطالب بتسريع إصلاح مدونة الأسرة    ملعب برشيد يستضيف الحسنية وآسفي    أمن طنجة يوقف مشتبها به في ارتكاب حادثة سير بسيارة مسروقة وتعريض سيارات لخسائر مادية    عصابة تستنفر الدرك بالفقيه بن صالح    مقاطعة توسكانا تتخلص من حريق هائل بإيطاليا    آني إرنو تنزع "القدسية" عن الأدب    جمعية طانطان للسينما والفن والثقافة ترى النور    مراوني بطلا للمرحلة الرابعة من طواف بنين والمنتخب المغربي يعزز صدارته    جمعية الندى الى الوطنية تنظم قافلة الحوار صوت الشباب    اليزامي: أساتذة إعدادية مولاي رشيد بتيزنيت بلا مستحقات.    مكناس…ندوة علمية دولية حول موضوع "الأقاليم الصحراوية الجنوبية المغربية: المجال، المجتمع، والتاريخ"    قرارات تأديبية قاسية في حق الجيش الملكي بعد لقاء الرجاء    محمد صلاح يؤكد أنه مرتاح لرحيله المبكر عن ليفربول الإنجليزي    دعم عمومي بقيمة 28.04 مليون درهم لفائدة 35 مشروعاً سينمائياً في المغرب    بني عمار قصبة تاريخية "خارج التنمية"    في تطوان للسياسة فنان /1من3    ترامب: البحرية الأميركية تتصرف كالقراصنة في حصار إيران    ترامب: لست راضيا عن المقترح الإيراني الجديد    أجواء حارة نسبيا في توقعات اليوم السبت بالمغرب    مبيعات عسكرية أمريكية لأربعة حلفاء    عوكاشا: أخنوش رسخ داخل "الأحرار" تجربة حزب المؤسسات وعزز أدوار المنظمات الموازية    اسم واحد لعالمين .. كيف أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل دلالة "كلود"؟    إجراءات جديدة لتأمين الملاعب بعد أحداث الكلاسيكو    موخاريق ينتقد تحويل الحوار الاجتماعي إلى آلية لتصريف الوعود المؤجلة    لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية تكشف عن الأفلام الروائية المستفيدة من الدعم برسم الدورة الأولى من سنة 2026    ترامب: لست راضيا عن المقترح الإيراني الجديد    طنجة: مؤتمر وطني رفيع في أمراض الروماتيزم        حين تتحوّل العتمة إلى مرآة للانكسار الإنساني    كيليطو يفضح سراق اللغة.. ولا يدينهم    إسرائيل تحتجز ناشطين من "أسطول الصمود" تمهيدا للتحقيق معهما    تحسن طفيف لسعر الدرهم أمام اليورو    مصرع شخصين في حادثة سير مروعة بجرسيف        4124 إصدارا في سنتين بالمغرب.. الأدب يتصدر والعربية تهيمن والإنتاج الأمازيغي لا يتجاوز 2%    تخفيض أسعار البنزين بدرهم واحد    النفط يرتفع وسط غياب المؤشرات على انتهاء حرب إيران    المغرب يستقبل 4.3 ملايين سائح وعائدات السياحة تقفز إلى 31 مليار درهم في 3 أشهر    تقرير: استثمارات البنية التحتية رفعت إنتاجية المغرب ب20% منذ 2005    رسالة إلى المجلس الجماعي    نجاح باهر لمتحف السيرة    فاتح ماي 2026: هل يُترك المتقاعد المغربي لمصيره بين نيران الغلاء وحدود التوازنات المالية؟    تطبيق يواكب الحجاج المغاربة رقمياً    هذه أسرار اللحظات الأخيرة بعد الموت السريري    المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل تسبب 840 ألف وفاة سنويا في العالم    دراسة: تناول الإفطار يساعد في اكتساب المرونة النفسية    دراسة علمية تحذر من خطورة المكملات الغذائية للأطفال            







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فسدَ الأصل فمال الفرعُ..
نشر في هوية بريس يوم 04 - 06 - 2014


هوية بريس – الأربعاء 04 يونيو 2014
الأمومة غريزة أودعها الله تعالى نفوس النساء، بها تحب المرأة وليدها وتحنو عليه وتكابد لأجله كل الصعاب، لكن الله ما أودع في النفوس هذه الغريزة إلا لتكون وسيلة لغاية أسمى، لا أن تكون غاية في حد ذاتها، إذ بهذا الحنو والعطف تستبسل الأم في أداء مهمة التربية وإعداد الأجيال التي تنهض بالأمة، وبهذه الغريزة تقتحم العقبات وتديم سقي الغرس حتى يزهر ويثمر.
لكن الذي يؤسف له أن الأمومة صارت عند الكثيرات غاية لا وسيلة، فَجُلًّ ما تصبو له نساء اليوم هو الظفر بزوج وإنجاب أبناء، وغاية ما يقض مضجعهن ألا يُنعتن ب «العانس» أو «العقيم»، ولهذا تخلفت الأم عن دورها التربوي، وتقاعست تلك المدرسة الرشيدة عن إنجاب الأجيال الواعدة، وغدت مجرد آلة لتفريخ النسل، جل اهتمامها توفير المأكل والمشرب والملبس لفلذة كبدها، والحرص على أن يبدو في ظاهره أنيقا جميلا، ولا يهم أن يكون سطحي الفكر عديم المسؤولية. ولمَ تؤرقه بهمِّ الأمة أو الدين أو الدعوة، فليعش لنفسه ومستقبله فحسب.
وفي غياب القدوة والمربي انْبرت جهات أخرى للأمر، فصار الشارع يربي وأضحى الإعلام يوجه ويشحذ أفكار الصغار بكل ما هو فاسد وتافه، وتُرك الأولاد فريسة للوحدة والضياع في غياب تواصل حقيقي وبناء معهم.
وَإِذا النِساءُ نَشَأنَ في أُمِّيَّةً
رَضَعَ الرِجالُ جَهالَةً وَخُمولا
لَيسَ اليَتيمُ مَنِ اِنتَهى أَبَواهُ مِن
هَمِّ الحَياةِ وَخَلَّفاهُ ذَليلا
فَأَصابَ بِالدُنيا الحَكيمَةِ مِنهُما
وَبِحُسنِ تَربِيَةِ الزَمانِ بَديلا
إِنَّ اليَتيمَ هُو الَّذي تَلقى لَهُ
أُمّاً تَخَلَّت أَو أَباً مَشغولا
لهذا حين تُبصر اليوم الأمهات تصطحبن بناتهن وأولادهن إلى مسابقات الغناء التي تعلم الشباب الانحلال بشتى أشكاله، وتراهن يصفقن لهم ويتضرعن بالدعاء لله أن يوفقهم للظفر بمثل هذه المسابقات، لا تملك إلا أن تعلن حكم البراءة لهذه الأجيال، فحيث فسد الأصل مال الفرع.
ما ذنبهم إن كانت مدرستهم لم تلقنهم سوى هذه المناهج التي تدعو للتفسخ والانحلال؟
وكيف نلوم طفلة علمتها أمها الدندنة منذ الصغر، وراقصها والدها على نغمات القيثار منذ نعومة أظفارها؟
ماذا ننتظر من جيل فقد مدرسوه الأهلية إلا أن يكون جيلا مسخا مشوها لا هوية له ولا ملامح؟
ألا يا أمهات المسلمين أفقن من سباتكن، فما أيسر الإنجاب وما أصعب التربية وما أشقها، ولأجلها جعلت الجنة تحت أقدامكن.
تعلمن الدروس والعظات من الأمهات المدرسات اللواتي أنجبن للأمة علماء وقادة مازال التاريخ يردد أسماءهم ويتغنى بفضل أمهاتهم ودونكم هذه النماذج المشرقة.
فها هي أم الشافعي تغذي في ابنها روح المصلحة العامة وتنذر حياتها له لتصنع منه عالما يجمع الله به شمل الأمة فتقول له: «يا بُني مات أبوك، وإننا فقراء، وليس لنا مال، وإني لن أتزوج من أجلك، وقد نذرتك للعلم، لعل الله يجمع بك شمل هذه الأمة»، فجاهدت فيه وأحسنت تربيته حتى غدا عالما من علماء الأمة.
وهذا أبو الفرج ابن الجوزي توفي والده وله ثلاث سنوات، فتعهدت أمه وعمته بتربيته وتلقينه مبادئ العلم النافع، فأخذتاه إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر وهو خاله، فاعتنى به وأسمعه الحديث وحفظ القرآن وتتلمذ على يد مشايخ عصره متقلبا بينهم ينهل من فيض علمهم. ويولي وجهه شطر وِجهة ارتضتها له أم حكيمة وعمة ناضجة.
وكثير منا يعرف قصة «ست الركب»، أخت الإمام ابن حجر العسقلاني التي نشأت في بيت علم وفقه ونالت الإجازة من والدها ومن علماء بمكة ومصر وتونس وغيرها، حيث اعتنت «ست الركب» بتربية أخيها ابن حجر، فأخذ منها مكارم الأخلاق والصلاح والتقوى، وكان يقول عنها: «كانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء وهي أمي بعد أمي»، ويقول ابن حجر في موضع آخر: «كانت بي برّة رفيقة محسنة جزاها الله عنّي خيراً، فلقد انتفعت بها وبآدابها مع صغر سنها».
ولما رحلت «ست الركب» عن عالم ابن حجر وكان عمره 24 سنة، تألم لفراقها ألماً شديداً، وكتب يرثيها وكأنَّه يرثي أمه، لأنَّها كانت أمَّه بالفعل، ويقول:
بكيت على تلك الشمائل غالها *** كيف الثرى بعد التنعم واللطف
بكيت على حلم وعلم وعفة *** يقارن مع عزّ الهدى هزَّة الظرف
بكيت على الغصن الذي اجتث أصله *** ولم أجن من أزهاره ثمر القطف
وقال:
فقدت بك الأهلين قربى وألفة *** فأقسمت مالي بعد بعدك من إلف
ولننظر إلى تلك الأم الناضجة التي خبرت دروب الحياة فسددت كلماتِها لترفع همة فلذة كبدها وتشد من عزيمته للمضي قدما نحو الأمام، تلكم أم محمد بن عبد الرحمن الأوقص -الذي كان كما روى أبو إسحاق- عُنُقُه داخلاً في بدنه، وكان منكباه خارجين كأنهما زُجَّان فقالت له أمه: يا بني لا تكون في قوم إلا كنت المضحوك منه المسخور به، فعليك بطلب العلم فإنّه يرفعك. قال: فطلب العلم قال: (فَوُلِّي قضاء مكة عشرين سنة، قال: فكان الخصم إذا جلس بين يديه يُرْعَدُ حتى يقوم). من مختصر كتاب نساء صنعن علماء لأم اسراء بنت عرفة بيومي.
وكثير من الصحابة والصالحين يدينون لأمهاتهم أو أخواتهم بالفضل لأنه كان لهن الفضل الكبير في مسيرتهم العلمية والعملية: فالزبير بن العوام مدين بعظمته لأمه صفية بنت عبد المطلب، وعبد الله والمنذر وعروة ثمرات غرس أمهم أسماء بنت أبي بكر، ومعاوية بن أبي سفيان ورث عن أمه هند بنت عتبة من قوة الشخصية وألمعية الذهن ما لم يرثه عن أبيه أبي سفيان.
وبعيدا عن علماء الدين، نستقي نموذجا أنثويا أدبيا وهي الأديبة والشاعرة العراقية نازك الملائكة التي قالت عن أمها سلمى عبد الرازق: «والدتي كان لها أثر واضح في حياتي الشعرية، لأنني كنت أعرض عليها قصائدي الأولى فتوجه إليها النقد وتحاول إرشادي».
وقال لينكولن: «إني مدينٌ بكل ما وصلت إليه وما أرجو أن أصل إليه من الرفعة إلى أمي الملاك».
وقال توماس أديسون عن أمه: «إن أمي هي التي صنعتني لأنها كانت تحترمني وتثق بي، أشعرتني أني أهم شخص في الوجود، فأصبح وجودي ضروريا من أجلها، وعاهدت نفسي ألا أخذلها كما لم تخذلني قط».
ومن النماذج الطيبة في عصرنا الحالي سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز الذي نشأ يتيما في حضانة والدته هيا بنت عثمان بن عبد الله الخزيم، حيث توفي والده وله من العمر ثلاث سنوات، فاعتنت به والدته ويممت بوجهه شطر العلوم الشرعية فكان علما من أعلام الأمة البارزين.
فأساس صلاح الأبناء صلاح الأم، ولهذا نقول عندنا في المغرب: «الرابح من المرا والخاسر من المرا»، يعني مناط الصلاح والفساد راجع للمرأة، فإن صلحت صلح معها الزوج والأبناء وبالتالي صلح المجتمع، وإن فسدت فقد جنت على الجميع.
الأم مدرسة متى كانت مؤهلة دينيا وعلميا وخلقيا أنتجت للمجتمع أجيالا رائدة عالية الهمة، ومتى فقدت هذه الأهلية فلا تتعب نفسك في السؤال: لماذا تردت أجيالنا وهوت في مهاوي سحيقة.
فلا تسَلْ أخي بعد هذا ما بال شبابنا، وسلْ ما بال آبائنا وأمهاتنا..
فحيث استقام الأصل استقام الفرع إلا ما ندر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.