الأمانة العامة ل"البيجيدي" تعتبر احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين "مخالفا للدستور" وترفض زيادة عدد أعضاء البرلمان    مورينيو يحذر مدربي المنتخبات من أمر خطير    ديربي الشمال.. المكتب المسير للماط يراسل الجامعة بخصوص القناة الناقلة للقاء    طنجة وتطوان تعيشان حالة من الاستنفار قبل ديربي الشمال    نجم ودادي يقترب من الدوري القطري    هذه توقعات المديرية العامة للأرصاد الجوية لأحوال الطقس اليوم الأربعاء    بسبب كورونا .. مجموعة "ديزني" ستلغي 28 ألف وظيفة في الولايات المتحدة    جنايات مراكش تلوح بتطبيق المسطرة الغيابية ضد المتهمين المتغيبين عن محاكمة كازينو السعدي    المناظرة الأولى... اشتباك لفظي بين بايدن وترامب واتهامات متبادلة    إطلاق حملة رقمية للترويج للسياحة بجهة مراكش بتخفيضات تصل إلى 50 بالمائة    إقتطاعات جديدة تنتظر الموظفين المغاربة انقاذا لصناديق التقاعد من الافلاس    وصول وفدي المفاوضات الليبية للمغرب وهذه تشكيلتهما    الجائحة تهوي بأرباح "بنك إفريقيا" ب68 في المائة    مربو الدواجن: خسائر "كورونا" وراء ارتفاع الأثمان    اللي قتل الطفلة نعيمة فضواحي زاكورة شدوه جدارمية خنيفرة    حرب أرمينيا وأذربيجان تنقل مباراة إلى قبرص    فن الهيت الحسناوي الأصيل    جهاز صيني يكشف فيروس "كورونا" في 30 دقيقة    قسم إنعاش يعالج حالات "كورونا" الحرجة بأكادير    خبراء يشيدون بتعميم إجراء فحوص "كورونا" على مختبرات خاصة    50٪ من المقاولات الصغرى تموت قبل بلوغ سنتها الخامسة    انطلاق عملية عودة المغاربة العالقين في مدينة مليلية المحتلة    تراجع حقينة السدود بجهة سوس ماسة    الشعلة الأولمبية تعود إلى جولتها التقليدية في مارس    النقابة الحرة للموسيقيين المغاربة بالجديدة تصدر بلاغا حول الدعم الوزاري للفنانين    الطفرة الإبداعية للواقعية السحرية في الأدب الأمريكي اللاتيني المُعاصر 2/1    «كجثة في رواية بوليسية» لعائشة البصري    المغرب الفاسي يرفع حظوظه في سباق الصعود    انطلاق الموسم الفلاحي للشمندر السكري باقليم سيدي بنور في ظروف استثنائية غير مسبوقة    الزميل بوستى بوزكري في ذمة لله    إخضاع نوع جديد من الاختبارات للمطابقة قبل تعميمه لمواجهة الجائحة الوبائية    جريمة غريبة: تقطع العضو الذكري لزوجها انتقاما منه    خرموش يدحض افتراءات سفير الجزائر ببلغراد حول الصحراء المغربية    أمن الفقيه بنصالح ينظم لقاء تواصليا للتلاميذ    تبادل الشتائم والاتهامات في مناظرة ترامب وبايدن    الفنانة شامة الزّاز .. رحيل آخر كوكب في سماء "الطّقطوقة الجبلية"    سباقات أسطورية.. الخلف يصون الأمانة    "فتح" و"حماس" تسرّعان خطوات التقارب وسط تحديات غير مسبوقة    جمعية تطالب الحكومة برفع ميزانية وزارة الصحة    "أحجية إدمون عمران المالح" .. صراع الهوية وفساد الجوائز الأدبية    مجلس جطو: مسار عجز الميزانية متحكم فيه في سنة 2019    موريتانيا.. حمى الوادي المتصدع تودي بحياة 4 أشخاص    عناصر الدرك الملكي توقف مشتبها به في قضية مقتل الطفلة نعيمة    حصيلة الحوادث بالمدن: 18 قتيلا و1973 جريحا    الناشط اعمراشا يمثل امام محكمة الحسيمة بتهم تتعلق بالحراك    الزعيم الديني المالي بويي حيدرا "يثمن" جودة العلاقات العريقة بين المغرب ومالي    نقطة نظام.. عهود موتورة    لطيفة رأفت لوزير الثقافة : لا يعقل أن ندعم أشخاصا مجهولين وفنانين اخرين يموتون جوعا    وزير الدفاع الأمريكي يستهل جولة مغاربية من تونس غدا ويحل بالرباط الجمعة    الكويت تعلن "الشيخ نواف الصباح" أميرا للبلاد    ترامب وبايدن في أول مناظرة اليوم الثلاثاء.. 35 يوما قبل الانتخابات الرئاسية    "مشاورات بوزنيقة" المرتقبة.. هل تخرج ليبيا من أزمتها؟    نداء للمساهمة في إتمام بناء مسجد تاوريرت حامد ببني سيدال لوطا نداء للمحسنين    قتلى في عملية احتجاز رهائن في ولاية أوريغون الأمريكية    التدين الرخيص"    الفصل بين الموقف والمعاملة    الظلم ظلمات    مرض الانتقاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الشاعر والأمير
نشر في لكم يوم 14 - 08 - 2020

عندما أتأمل واقع الأحزاب في الوطن العربي، وواقع الإبداع والدراسة في الإنسانيات والعلوم المختلفة أتساءل دائما ما الذي يجعلنا غير قادرين على تشكيل مجتمع سياسي منسجم، وبناء مجتمع ثقافي وعلمي ملائم؟ وعندما أرى الصراعات على السلطة، داخل بلد عربي ما، والصراعات العربية العربية حول بلد عربي آخر، أتساءل: لماذا لا تبادر مختلف الأطراف المتنافسة إلى حل التناقضات بينها بكيفية حضارية؟ ولماذا لا تتدخل الدول العربية لحل النزاعات المحلية سلميا بما يخدم القضايا الوطنية والعربية معا؟
قد تبدو هذه الأسئلة للبعض ساذجة وبسيطة لأنها تغيب عدة عوامل تدخل في نطاق التجاذب بين القوى لبسط الهيمنة، سواء كانت هذه القوى دولية أو عربية أو محلية، من جهة. كما أنها لا تراعي، من جهة أخرى، طبيعة الصراع على السلطة، وما تفرضه من أمور، ولا السياقات المختلفة التي تحيط بها. لكني أتصور أن السؤال الساذج والبسيط أهم من الانصراف إلى الاقتناع بضرورة التسليم ب"واقعية" و"طبيعية" ما يجري، وأن الحسم سيكون في النهاية لمن له القوة على فرض سلطته على الآخرين، مهما طال الزمان، أو كلف من خسائر.
إن السؤال يدفعنا إلى التفكير والبحث في الذهنيات والتصورات وهي تتعامل مع الظواهر وطرق معالجتها بالكيفية التي تهمها، وتخدم مصلحتها، بهدف العمل على خلق مبادرات تقطع مع السائد. أما الاقتناع بما يجري، والاكتفاء بالاصطفاف إلى جانب بعض الأطراف ضد بعضها الآخر فلن يعمل إلا على تأخير الفهم، وإطالة أمد الخلافات والصراعات. ولا عبرة هنا ب"سلامة" تأويل ما يجري لأنه ينبني على تصورات مسبقة.
تشغلني كثيرا في مجال الأدب والسياسة قضية عجز الإنسان العربي عن إقامة المدرسة الأدبية، أو الحزب السياسي، أو الدولة الوطنية. لماذا فشلنا في بناء مختبرات ومراكز للبحث والدراسة، أو بناء أحزاب ذات هوية وطنية تعمل من أجل خدمة الوطن والمواطن والإنسان العربي؟ ولماذا لا يمكننا الحديث عن دولة عربية "نموذجية" تكون بمثابة قاطرة لغيرها من الدول العربية، وقادرة على تسوية مختلف الخلافات بما تملكه من حنكة سياسية، وقدرات مادية؟ إلى متى سنظل نجني من التمزقات والانقسامات الداخلية والعربية الكوارث التي تعيق التطور، وتكرس التخلف والصراع؟ ولعل كارثة مرفأ بيروت ليست سوى تعبير صادق لما يعيشه الوطن العربي من تسيب وفوضى لا حد لها.
تشترك مختلف الأسئلة الساذجة والبسيطة التي أطرح في كونها تتصل مجتمعة ب"المؤسسة". من مؤسسة الأسرة إلى مؤسسة الدولة، مرورا بمختلف المؤسسات المرتبطة بمختلف القطاعات الإنتاجية الحيوية، والعلاقات المادية والرمزية. كيف تشتغل عندنا "المؤسسة"؟ كيف نبني المؤسسة؟ ولأية مقاصد؟ وما هي الذهنية التي تحكم توجهاتنا في بنائها؟
أتصور أن البحث في هذه الأسئلة يمكننا من ملامسة بعض عناصر الإجابة عما يجري في وطننا العربي. وأستعير لتقديم بعض ملامح صورة المؤسسة في التمثل العربي مثالا من ثنائية ذهنية الشاعر في المرحلة الشفاهية، والأمير في مرحلة تأسيس الدولة. إن رأس مال الشاعر إبداعيته، وخصوصية شخصيته، وثقافته الواسعة. لذلك فهو ليس في حاجة إلى أن يعمل مع غيره، بل أن يتميز عن جميع من يشاركه في الإبداع الشعري. إنه يقول الكلمة "الفصل". وكل شاعر يرى نفسه أشعر الشعراء، وأميرهم بلا مراء! أما الأمير فهو يرتهن إلى مكانته الاجتماعية والمالية والقبلية، ومنها يستمد سلطته القوية. لذلك فهو حاجة إلى أتباع ينفذون ما يدور في مخيلته، والشاعر ليس سوى لسان حاله.
ما يقوله الشاعر حين يلقى هوى في نفس الأمير فهو "القول" الفصل. ألم يردّ "الأمير" على من اعترض على كلام لبيد بقوله: "قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا/ فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟ّ". وحين يعبر الشاعر عما في ضمير الأمير من خلال قوله: "السيف أصدق أنباء من الكتب/ في حده الحد بين الجد واللعب"، يكون بذلك يسفه ما يزعمه غيره. بين الصدق والكذب، والجد واللعب تظهر ثنائية "القول" (الشعر) كما تمثله المؤسسة الرمزية، و"الفعل" (السيف)، كما تحدده المؤسسة المادية.
حين رأيت الرئيس المصري محمد مرسي يخطب مباشرة بعد توليه السلطة أثارتني طريقته في الكلام، والحركات التي كان يأتي بها، فخلصت إلى أن الرجل لا يريد إلا أن يكون تجسيدا لصورة جمال عبد الناصر، وأنه لن يكون مختلفا عنه حتى وإن كان الاتجاه السياسي والإيديولوجي لكل منهما مغايرا! وعندما أرى صور المشير حفتر، وهو يخطب، وفي كل خطبة يتخذ له أحسن الأزياء وأدلها على بذخ زائد، أتساءل: ماذا يمكن أن يقدم شخص كهذا لليبيا المنكوبة؟ إنه يتخذ صورة معمر القذافي، ولن يكون سوى صورة مقزمة ومشوهة لصورة شائهة أصلا؟ ويمكننا أن نعدد الأمثلة التي تبرز لنا بجلاء أن كل من يحلم بالسلطة المادية أو الرمزية في الوطن العربي ليس سوى تمثيل للصورة التقليدية للشاعر الذي يقول ما يحلو له في الأمير. كما أن كل من يصل إلى السلطة يريد أن يكون على غرار الأمير الذي سبقه حتى وإن كان معارضا له. ولا فرق في ذلك بين الثوري والرجعي، أو الحداثي والإسلامي، أو السني أو الشيعي.
من ذهنية الشاعر والأمير تتشكل السلطة: سلطة الكلام وسلطة الفعل. وليست هاتان السلطتان في حاجة إلا إلى الأتباع الذين ينفذون ما يقال إن صدقا وإن كذبا، جدا أو هزلا. سلطة الشاعر الأمير تعبير عن ذهنية التميز والتفرد والتحكم. تبدو هذه الذهنية لدى كل من يجد نفسه يمتلك سلطة وكيفما كان نوعها. لا فرق في ذلك بين الأب أو الأم، ولا بين المعلم ومدير المدرسة، ولا بين المسؤول في أي قطاع، أو المنسق في أي لجنة. كل واحد يرى نفسه أهلا للمسؤولية، وأن غيره دونه مستوى، وعليه أن يعمل على الحفاظ على مركزه، أبد الدهر، بل وأن يورثه لأحد أبنائه أو أتباعه.
ذهنية الشاعر والأمير لا يمكنها أن تسمح ببناء مؤسسة المجتمع السياسي المنسجم، ولا بتشكيل المجتمع الثقافي والعلمي المنتج. كل مشتغل بالسياسة يرى نفسه مؤهلا لأن يكون وزيرا أو أميرا. وكل من يشتغل في قطاع أكاديمي يرى نفسه مؤهلا أكثر من غيره ليكون مدير المختبر والمركز والمؤسسة الأكاديمية. وكل مسؤول في أي مجال يعمل جاهدا على أن يكون صاحب الكلمة الفصل. فهو لا يخطئ، ولا يجانب الصواب، وكل من يختلف معه، أو ينتقده منافس وعدو يجب دحره، والقضاء عليه بكل الوسائل والإمكانات.
سلطة الشاعر والأمير تنبني على مؤسسة هرمية. الرأس فيها هو الركيزة. والقاعدة ليست سوى أثاث. يبعث الأمير (رئيس الجامعة) مذكرة إلى الكليات لتأسيس مختبرات ومراكز للبحث محددا المهلة في أسبوعين. يجتمع العميد مع الشعراء للإخبار. يبدأ الشاعر الحركي في الاستقطاب. يؤسس المختبر والمركز. المهم هو العنوان البراق الذي يرضى عنه الجميع. يصبح الشاعر أميرا يعطي الأوامر، ويقترح ما يتلاءم مع ما يريد العميد والرئيس. يتحول المختبر والمركز إلى إدارة تنتج الأوراق الإدارية. وقس هذا على مختلف المؤسسات.
فمتى يمكننا بناء المؤسسة الجديدة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتصدى له الجميع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.