حميد شباط يلقي "خطبة الوداع" ويغادر حزب الاستقلال    بن طلحة الدكالي: خطاب العرش إعلان رسمي بالتزام جلالة الملك ببناء علاقات أخوية بين المغرب والجزائر    عمر الشرقاوي يكتب أين اختفت الجمعيات الحقوقية التونسية    مجلس الجهة يعتمد كافة الوثائق التخطيطية المرجعية خلال ولايته الانتدابية    جامعي أرجنتيني: إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر "لا يستجيب لأي منطق ويساهم في إغلاق العقليات"    "حبل الغسيل".. الذي كشف مكان اختباء أسامة بن لادن    عام على انفجار بيروت.. لا محاسبة والسياسة تعرقل التحقيق    الرغبة في الثأر تشعل المواجهة بين حزب الله وعشائر عربية جنوب بيروت    هواتف ستفقد تطبيقات جوجل.. تعرف عليها    تونس.. مصر والجزائر تتعهدان بالدعم الكامل للرئيس قيس سعيّد في خضم "الأزمة السياسية"    المغرب التطواني يطيح بالوداد الرياضي ويبلغ نهائي كأس العرش    عرافي تنسحب من سباق 1500 متر بطوكيو    بسبب دعمه لفلسطين.. إسرائيليون يستقبلون المغربي حكيمي بصافرات الاستهجان    طقس الاثنين.. أجواء حارة في أغلب مناطق المملكة    الناظور: إحباط محاولة تهريب 290 كلغ من مخدر الشيرا    بعد "العيد".. أسر عاجزة عن العودة لمدن الإقامة بسبب "غلاء" تذاكر السفر    مهنيو قطاع الحفلات بالمغرب يحصون خساراتهم ويأملون بالعودة للعمل    شاب هائج ضواحي أكادير يغلق باب المنزل ويترك أفراد أسرته في الشارع، وإستنفار أمني يعقب الحادث    "جانغل كروز" فيلم ديزني الجديد يتصدر شباك التذاكر    وفاة "أم المغاربة" الممثلة فاطمة الركراكي    الأستاذ الجامعي و ترسيخ دولة المؤسسات    بروفيسور.. المغرب سيحقق المناعة الجماعية بهذا التاريخ    "فايزر وموديرنا" ترفعان أسعار اللقاح ضد "كورونا"    منشورات الشرق تصدر مؤلفا حول تدبي مخاطر الصحة العمومية    ليلى الجزائرية تدخل على خط الخطاب الملكي    رجاء أكادير لكرة اليد في المقابلة النهائية لنيل كأس العرش    واشنطن ولندن تتهمان إيران بالهجوم على ناقلة نفط تديرها شركة إسرائيلية    تراجع أسعار النفط وسط مخاوف من تفشي سلالات "كورونا"    كوفيد-19.. إيطاليا تعلن اختراق موقع لتسجيل التلقيح    تطبيق زووم: الشركة توافق على تسوية بقيمة 86 مليون دولار ل"انتهاكها خصوصية المستخدمين"    حسنية أكادير لكرة القدم يمدد عقد المدرب رضا حكم لموسمين جديدين    إيطاليا تعلن اختراق موقع لتسجيل التلقيح    بنموسى: العلاقة "الاستثنائية" القائمة بين فرنسا والمغرب مدعوة إلى أن تتجدد بشكل أكبر في مواجهة التحديات الجديدة    الثقافة الأشولية.. عندما تنطق حجارة ما قبل التاريخ في المغرب    "البيجيدي":خطاب جلالة الملك يتضمن إشارات حكيمة وقوية وواضحة    المكتب السياسي للاتحاد يعتبر الدعوة الملكية للتفاهم مع المسؤولين الجزائريين مبادرة أخوية تخدم السلم والاستقرار    تأهل المغرب التطواني لنهائي كأس العرش يضمن له المشاركة في كأس الكونفدرالية الإفريقية    أربع جامعات سعودية تتصدر قائمة أفضل الجامعات في المنطقة العربية لعام 2020    المغرب التطواني يهزم الوداد الرياضي ويحقق تأهلا تاريخيا لنهائي كأس العرش    كوفيد 19: 6189 إصابة جديدة خلال ال 24 ساعة الماضية    الشروع في إحداث مركز استراتيجي للتبادل بين المغرب وعمقه الإفريقي بالكاركرات باستثمار قدره 20 مليارا.    ربع ساعة لبولديني في الكأس    بالصور.. الحاج يونس يعلن إصابته ب"كورونا"    المؤشرات الأسبوعية لبنك المغرب في 4 نقاط رئيسية    انتقادات كبيرة لسلطات القصر الكبير بعد الإجهاز على رسم جداري    الأمم المتحدة: التقرير العلمي حول المناخ "أساسي لنجاح" قمة كوب- 26    منظمة ADISMO تعلن عن مشروع المطابقة العربية لتسهيل انسياب السلع بين الدول العربية    شاهدوا الحلقة 15 من سلسلة "دار السلعة"    إليكم جديد الفن والفنانين لهذا الأسبوع...في "أخبار المشاهير"    تقييم أداء القناة الثانية لمواكبتها لتداعيات جائحة كوفيد 19-الحلقة كاملة    فرنسا تتوقع استقبال 50 مليون سائح أجنبي هذا الصيف    تعرف على العبء الذي يؤرق وزير التشغيل في زمن كورونا    والي بنك المغرب أمام الملك: يجب تسريع إصلاح التعليم    الفنان خالد بناني يصاب بكورونا    الشيخ القزابري يكتب: حَمَاكَ اللهُ وَصَانَكَ يا بلَدِي الحَبِيبْ..!!    الموت يفجع الطبيب الطيب حمضي    المغرب الزنجي (12) : يعتبر المرابطون أول ملكية بالمغرب توظف العبيد السود كجنود    طارق رمضان :أنت فضوليّ مارقُُ وبقوة الشّرع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أرشيف الذاكرة الشعبية الحي
نشر في لكم يوم 22 - 06 - 2021

توفي مؤخرا خالي بوشعيب بوعسرية البضيوي البوحديدي الشباني عن عمر ناهز التسعين سنة. كان آخر كبار السن من «الجماعة» الذين يتميزون بالذكاء والفطنة والفراسة والذاكرة الشعبية الغنية والقوية. منه ومن باقي أخوالي الذين كانوا يكبرونه سنا تعلمت الشغف بالثقافة الشعبية وحفظ الكثير من أخبارها وأقوالها. كان يحفظ عروبيات ورباعيات سيدي امحمد البهلول، ويمتلك ذخيرة غزيرة من الأمثال والأقاويل التي نطق بها «مواليها» (أي أصحابها)، وتركوها قابلة للتداول والترحم عليهم لصلتها بهم، بسبب عمقها ورصانتها. هل يمكنني أن أدعي أن منبعا ثرا كنت أتزود منه، بين الفينة والأخرى، قد غادر إلى الأبد؟ لا أشك في أن هناك الكثير من حملة الذاكرة الشعبية المغربية ما يزال حيا، في الكثير من المناطق المغربية. تألمت كثيرا لفقدان هذا الخال، لكن الأسف الأكبر يكمن في أننا لم نهتم بالذاكرة الشعبية الحية بما يليق من العناية والاهتمام.
نتمثل جميعا كلما فقدنا شخصية من هذا النوع النادر من الرجال قولة سانغور التي يسجل فيها بأن موت شيخ من قبيلة أفريقية يعني اندثار مكتبة شاملة. كم من المكتبات الشاملة اندثرت بانقضاء حاملي مفاتيحها. ونجد في قولة أبي عمرو بن العلاء عن التراث العربي ما يؤكد ذلك: إن ما وصلكم من تراث العرب لا يتعدى قرنا ونصف من الزمان، ولو جاءكم ما قبله لكان منه الشيء الكثير. الذاكرة الشعبية الجماعية إرث وطني، وساهم تنوع الثقافة الشعبية المغربية وتعدد روافدها وغناها في فقدان الكثير من ملامحها ومكوناتها لأن من يعنيهم هذا الإرث هم من ينتمون إلى المناطق التي تشكل فيها هذا التراث وتطور. لا يمكن مثلا لمن ولد وعاش في شمال المغرب أن يهتم بتراث الشاوية أو دكالة، أو الصحراء. كما أن من لم يتكوّن وجدانه في جبال الأطلس أو الشرق أن يتعرف على ما يزخر به تراث هذه الجهات. لا شك في أن هناك وجدانا شعبيا مغربيا مشتركا تعمق مع الزمن. لكن خصوصيات المناطق أعطى لكل منها ملامح مميزة لا يمكن أن يسبر أغوارها، ويتفهمها، ويمكنه أن يبحث فيها، إلا من تشبّع بتلك الملامح وتشرّب معينها. ولهذا السبب وجدنا كبار علماء الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا الغربيين لم يكتبوا عن القبائل التي اهتموا بها إلا بعد أن عايشوا أهلها، وتمكنوا من إدراك لغاتها، وتمثل عاداتها، كما لو أنهم من أبناء تلك المناطق.
لا يخلو المغرب من هذا النوع من الباحثين الذين اهتموا بتراث مناطقهم وعملوا على دراستها في أبحاث علمية، أو قدموها في برامج إذاعية أو تلفزية. وأشير في هذا النطاق على سبيل التمثيل لا الحصر، إلى الأعمال الجليلة التي أنجزها الباحث المتميز عمر أمرير حول التراث الأمازيغي المغربي في منطقة سوس. لقد تعرفت على هذا الباحث منذ بداية السبعينيات حين كان ينشر مقالاته في ملحق جريدة «العلم» الثقافي، وكنت أتابع أعماله الأكاديمية من بحثه في الإجازة وحتى الدكتوراه. ولعل برنامجه «كنوز» الذي كانت تقدمه التلفزة المغربية من أهم البرامج المتصلة بالثقافة الشعبية المغربية في تنوعها وغناها. ثم أتيحت لي فرصة التعرف عليه عن كثب في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ابن امسيك في أواسط الثمانينيات، بالدار البيضاء، فازداد تقديري لهذا الباحث الذي لم يكن يعنى بالتراث الأمازيغي من باب الدفاع عن «قومية» صار من ينتصر لها إيديولوجيا. كنت أقدمه نموذجا للأمازيغي الأصيل، والباحث الجليل الذي لا يهمه سوى الاهتمام بتراث أصيل وغني ليس ملكا لمن يدعي الدفاع عن الأمازيغية، ولكنه تراث مغربي وإنساني. كنت، وما زلت أعتبره «مؤسسة» بلا ميزانية ولا مكاتب، ولا موظفين، ولا علاوات. إنه الباحث العصامي، على غرار التجار السوسيين في الدار البيضاء، الذي أنجز بخصوص التراث الأمازيغي ما ينتظر المزيد من العناية والبحث والتنقيب بدل الاكتفاء بلعن «العروبة»، وتمجيد «الذات».
أتساءل مرارا أين هو الأرشيف الزاخر الذي قدمه عمر أمرير؟ وأين يمكننا العثور عليه؟ من يتابعه بالبحث والدراسة؟ من يوثقه ويحول بعض ما يتصل به إلى نص، قابل ليستثمر في إنتاجات متعددة، في المسرح والسينما والإبداع الأدبي والتربية؟ كم لدينا من المختبرات والمراكز في كليات الآداب؟ ألا يمكن لمختبر ما أن ينطلق مثلا من برنامج «كنوز»، ويتخذه، لوحده، مادة للبحث من مختلف الاختصاصات المتصلة باللغة والأدب والجغرافيا، والتاريخ والاجتماع والنفس؟ ويحدد له مشروعا ينخرط في البحث فيه أعداد من الطلبة لمدة معينة من الزمن؟ حين التقيت آخر مرة الباحث عمر أمرير طرحت عليه فكرة جمع كل ما قدم بخصوص التراث الأمازيغي والعمل على حفظه وتوثيقه. وكان الحديث يحمل الكثير من الأسى.
ما أكثر البرامج الإذاعية والتلفزية والمقالات والكتب المطبوعة التي اهتمت بالثقافة الشعبية المغربية في مختلف صورها وأشكالها، والتي أنجزت في مختلف العقود الأخيرة. من يتابع هذه البرامج، ويطلع على تلك الكتابات، ويواصل البحث فيها؟ أليست تلك المواد المقدمة في مثل هذه الأعمال أرشيفا لذاكرة حية؟ إذا كنا لا نعتني بأرشيفنا التاريخي لماذا لا نهتم بأرشيفنا الحي الذي ما يزال ينبض بأنفاس حياته الأخيرة؟
إن المثال الذي قدمته عن منجز عمر أمرير بخصوص التراث الأمازيغي، نجد له أمثلة من التراث «العروبي». وأخص بالذكر هنا برنامج «ريحة الدوار» لمحمد عاطر. يذاع هذا البرنامج في الإذاعة المغربية، وفيه يلتقي في كل حلقة الفنان والكوميدي عاطر مع أفراد من فخذة أو قبيلة من البادية المغربية، ويستجلي من خلال أسئلة ذكية عوالم القرية وخصائصها، وعاداتها ومختلف تقاليدها. ومن بين أسئلته المهمة ما يتصل بذاكرة الشيوخ المعمرين، فيحفزهم على استرجاع ما انتهى إليهم من آبائهم وأجدادهم. وهو لا يكتفي فقط بطرح الأسئلة للوصول إلى أجوبة. إنه يقوم بدور الوسيط الذي يعمل على تقريب ما يمكن أن يبدو غامضا أو مبهما من خلال تعدد اللغات، أو خصوصية بعض التعابير والأقوال المأثورة. وأهم ميزة يتميز بها هذا البرنامج الذي نلمس فيه حس الفكاهة الذي يمتلكه الفنان عاطر، تكمن في تقديمه «الضحك» الشعبي من خلال تفاعله مع ضيوفه الطبيعيين الذين يَضحكون ويُضحكون بعفوية وبساطة وعمق الإنسان الشعبي.
كُتبت بعض الكتب عن القبائل المغربية، وأصولها، وصلاتها بالأمكنة التي تعيش فيها. لكن من يتابع حلقات «ريحة الدوار»، سيتعرف بكيفية «مباشرة» على حياة القبيلة بشكل لا يمكن أن يجده في الكتب أو حتى الموسوعات الأجنبية. أما التفكير الموسوعي لثقافتنا فهذا آخر ما نفكر فيه؟ لماذا لا يتم الالتفات إلى ما أنجزه عاطر من قبل الباحثين والمختبرات ليكون مادة غنية للتوثيق وللدراسة والبحث. أم أننا نتعامل مع هذا النوع من البرامج على أنها للهزل، وليس فيها شيء من الجد؟ «ريحة الدوار» برنامج يجمع بين العمق المعرفي، والضحك الشعبي، ومن هنا قيمته المعرفية والجمالية. ومن اطلع على كتابات باختين حول الضحك الشعبي يدرك أن البرنامج وثيقة حية لأرشيف مهدد بالزوال والانقراض للأسف الشديد لم ندرك أهميته، ولم نقدر قيمته.
إن أرشيف الذاكرة الجماعية الحي معرض للزوال بموت حامليه، ولا يكفي أن نتألم حين نشيع تلك الذاكرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.