في الدول التي تتغنى بالديمقراطية سيما دول العالم الثالث صباح مساء، لا يكون فيها الخطر في غياب المؤسسات، بل في حضورها الشكلي وتحوّلها إلى أدواتٍ لتزيين الواجهة فقط، أقصد مساحيق مفضوحة عند القاصي والداني ويكون مآلها إلى زوال. أولعل أخطر أدوات تزين فيها وجهها القبيح أصلا هذه الأدوات هو الإعلام، حيث يتحوّل ويتحول من سلطة رابعة إلى سلطة مستوردة، تُدار من خلف الستار، وتوجَّه رسائله وفق أهواء أقلية تملك الصوت والصورة والحقيقة المعلَّبة فتتعرى الحقيقة المشتهاة أمام العادي والبادي. وهكذا، بدلا من أن يكون الإعلام خادما للمواطن، يصبح ويتحول إلى أداة لفرز الناس إلى صنفين: نصفٌ يُسمع، ونصفٌ يُسكت. في اللّحظة التي يتدخل فيها الإعلام إلى درجة تخلق وتصنع فيه نماذج جاهزة من "المواطن الجيد" المحبوب والصادق والوجيه، و"المواطن السيئ" المرفوض الى حد الغثيان تماما كما أصبحنا نعيشه اليوم ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف، فتتولد أولى شرارات الفوضى داخل الديمقراطية نفسها، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تعيش بنصف عين ولا بنصف صوت فنصير كعاشق يقبل تقبيل نصف الشفاه ويقبل بهءه العملية التي لا تمت بصفة لاي حب كائنا من كان. وحين يُفرض على الرأي العام ما يجب أن يراه وما يجب أن ينساه، تتحول الدولة إلى مسرح كبير، أبطاله إعلاميون يبحثون عن الإثارة، لا عن الحقيقة. ومن هنا بالضبط، تبدأ فوضى الديمقراطية: حيث يصبح الصراع لا على الأفكار بقدر ما هو على الصورة والشكل المغري رغم زيفه، بل ولا على الكفاءة حتى بل على من يتقن الظهور، ولا على الحقّ بل على من يملك منصة أعلى وميكروفونا أوضح. فالإعلام بني أمي هو الذي صُنع لحماية المواطن... فأصبح في صف نصفه فقط. الإعلام في جوهره وُجد ليحمي الجماعة، ليكشف الفساد، ليعطي لكل صوت قيمته لا شيء فلماذا صنعتم به معشر الحكام سيما الحكومات التي لا تريد الانتصار للناس المعلوبين على أمرهم. لكن حين يُصنع لخدمة نصف المجتمع فقط، يصبح الانحياز قاعدة، ويصبح الشعب مُقسّما على الشاشات قبل أن ينقسم في الواقع. وفجأة، يبدأ الإعلام في تقديم مشاهد انتقائية من الواقع، وصناعة خصومات وهمية بين فئات الشعب، وتضخيم بعض الأشخاص وتصغير آخرين، وشيطنة المواطن الحرّ وتلميع صاحب الولاء. هنا بالضبط تماما، يصبح الإعلام مرآة مُشوهة ومقعرة، يرى فيها الناس أنفسهم على غير حقيقتهم، ويُعاد تشكيل وعي الجماهير وفق ما يخدم مراكز نفوذ معيّنة، حيث لا تعود الحرية سوى مجرد ديكور، ولا الديمقراطية سوى عنوان فارغ. عندما يصبح المواطن "منتَجا إعلاميا" المواطن الذي يستحق الكرامة والحقّ والرأي، يتحوّل في زمن الفوضى الإعلامية إلى منتج:من يحقق نسب مشاهدة يُسمع، ومن لا يحقق يُقصى. من يمتلك علاقات يُبرّز، ومن يصرخ بالحقيقة يُخرس. ولعل في رأينا تصبح هذه المعاملة التجارية جاعلة المواطن مجرد رقم في معادلة الإعلام، وكما تجعل الديمقراطية مجرّد استثمار موسمي يظهر حين تقرب الانتخابات ويختفي حين تبدأ الأسئلة الحقيقية. ومع الوقت، يصبح الشعب نفسه جزءا من لعبة التضليل، فيدافع بعضه عن إعلام يظلمه، ويهاجم من يحاول إيقاظه. الدولة التي تتحكم فيها الصورة تفقد البوصلة حين يتحكم الإعلام في الدولة كائنا من كانت سيما دول العالم الثالث، لا يعود السيادي من يملك القرار، بل من يملك القدرة على تغيير اتجاه الرأي العام خلال دقائق. فتصبح الحكومة خاضعة للضجة، وتصبح المؤسسات تُدار بمنطق "ماذا سيقول الإعلام في آخر المطاف رباه؟" بدل "ما الذي يحتاجه المواطن؟" هكذا تُهمَّش الملفات الكبرى، وتُخنق النقاشات الجادة، ويغيب العقل الجمعي. وتصبح الدولة كلها تركض خلف موجة افتراضية قد صنعها شخص واحد خلف كاميرا. وفي آخر المطاف، ماذا عساني أقول؟ مباشرة الديمقراطية لا تُهدَم بالدبابات فقط، بل تُهدَم أيضا بالميكروفونات التي تُقصي وتشوّه وتهندس الوعي. والإعلام الذي خُلق لإنصاف المواطنين يصبح أكبر خصم لهم حين يُسلّم لغير أهله. لذلك، لا تحتاج الدول إلى إعلام قوي فقط، بل إلى إعلام عادل، متوازن، نظيف، يرى الناس جميعا، لا نصفهم، ويسمع الحق ولو كان أضعف من الهمس. د.عبد السلام فزازي