في قلب الحي القديم لمدينة فيتوريا-غاستيث بإقليم الباسك الإسباني، يختبئ مبنى ضخم خلف شباك حماية خضراء، تخفي وراءها قصة إهمال عقاري فريدة من نوعها. إنه قصر "ألافا إسكيفيل"، التحفة المعمارية التي تعود للقرن الخامس عشر، والمملوكة لمدينة طنجة المغربية التي تواجه اليوم اتهامات بالتفريط في إرث تاريخي يوشك على الانهيار تحت وطأة الديون. ويبدو المبنى العتيق، الذي شيد عام 1488 بطلب من حاكم المدينة آنذاك بيدرو مارتينيث دي ألابا، وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. فبعدما كان مأوى للملوك والقادة العسكريين، بات القصر اليوم مدرجا ضمن "القائمة الحمراء للتراث المهدد" لمنظمة "هيسبانيا نوسترا"، محاصرا بسياج يقي المارة من تساقط أجزاء واجهته المتآكلة، بينما تراكمت الديون المستحقة لمجلس بلدية فيتوريا على مالكه المغربي لتصل إلى أرقام قياسية. ديون ثقيلة وخراب وشيك وتشير أحدث التقارير الصادرة عن بلدية فيتوريا، إلى أن ديون القصر المستحقة لصالح البلدية الإسبانية ناهزت 453 ألفا و400 يورو. هذا الرقم الضخم ليس مجرد متأخرات ضريبية، بل هو خليط من رسوم الصيانة القسرية التي اضطرت البلدية لتنفيذها لدرء الخطر، وغرامات متراكمة بسبب عدم الامتثال لأوامر الترميم، في وقت يلوح فيه المجلس البلدي بفرض "الغرامة العاشرة" إذا استمر الصمت المطبق من الضفة الأخرى للمتوسط. وتعود قصة انتقال ملكية هذا الصرح الإسباني الخالص إلى المغرب لمنتصف القرن العشرين، في واقعة نادرة امتزجت فيها الوصايا النبيلة بالصدف التاريخية. فقد أوصى الدوق الثاني لتوفار، آخر ملاك القصر من النبلاء، بمنح العقار للمعهد الوطني للسرطان في الولاياتالمتحدة، مشترطا أنه في حال تخلي المعهد عنه، تؤول الملكية لمدينة طنجة. وحين رفض الأمريكيون "الهدية" المكلفة، وجد مجلس مدينة طنجة نفسه عام 1953 مالكا لقصر يمتد على كتلة عمرانية كاملة وسط إسبانيا. هدية تحولت إلى عبء ومع مرور العقود تحولت "الهدية" إلى "عبء" ثقيل. فالمبنى الذي يزاوج بين حجر "السلارية" الضخم واللمسات النهضوية، والذي أعاد المعماري فاوستو إينيغيث دي بيتولاثا تصميم واجهته في القرن التاسع عشر بأعمدة كورنثية فخمة، تحول تدريجيا من مقر لإقامة نبلاء آل ألابا إلى مبنى سكني متقادم مقسم إلى شقق صغيرة، يقطنها مستأجرون في ظروف تفتقر للصيانة الدنيا. وتزداد فداحة "التفريط" بالنظر إلى القيمة الرمزية للمبنى الذي استضاف شخصيات غيرت مجرى التاريخ الأوروبي. فبين جدران هذا القصر نام الملك الفرنسي فرانسوا الأول، ومن شرفاته أدار دوق ويلنغتون، القائد العسكري البريطاني الشهير، فصولا من "معركة فيتوريا" الحاسمة عام 1813 التي دقت المسمار الأخير في نعش طموحات نابليون في شبه الجزيرة الإيبيرية. ولا تزال الواجهة تحتفظ ب"ساعة المعارك" التي جلبها أحد ملاك القصر، الضابط البحري إيغناسيو ماريا دي ألابا، من سفينة إنجليزية عقب معركة "طرفالغار" الشهيرة. واليوم، تقف جماعة طنجة أمام مأزق حقيقي. فبينما تتعالى الأصوات في فيتوريا مطالبة بإنقاذ المعلمة الأثرية أو نزع ملكيتها، يبدو التحرك المغربي بطيئا مقارنة بسرعة تدهور المبنى. فالديون تتضخم، والحجارة تتساقط، وساعة المعركة المثبتة على الواجهة لم تعد تحسب انتصارات الدوق ويلنغتون، بل تحصي الوقت المتبقي قبل أن تفقد طنجة، وربما للأبد، جوهرتها المنسية في بلاد الباسك.