أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأحد، سلسلة تصريحات متزامنة شملت أميركا اللاتينية والشرق الأوسط والقطب الشمالي، في لهجة تصعيدية غير مسبوقة عكست تحوّلًا جذريًا في مقاربة واشنطن لدورها العالمي، وربطت بين ما جرى في فنزويلا وملفات جيوسياسية أخرى، من كوباوكولومبيا إلى إيران وغرينلاند. وقال ترامب إن الولاياتالمتحدة "تقود" المرحلة في فنزويلا عقب القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، مؤكدًا أن بلاده تتعامل مع "القيادة التي أدّت اليمين للتو"، ومضيفًا بلهجة لافتة: "هذا يعني أننا نحن من يقود".
وأشار إلى أن أولوية واشنطن في المرحلة الراهنة هي "إصلاح" فنزويلا وإعادة بناء مؤسساتها، أكثر من التركيز على تنظيم انتخابات فورية. وربط ترامب التطورات في كاراكاس بتداعيات إقليمية أوسع، معتبرًا أن كوبا "مستعدة للسقوط"، وأنها ستجد صعوبة في الصمود من دون عائدات النفط الفنزويلي، مستبعدًا في الوقت نفسه تدخلًا عسكريًا مباشرًا، بقوله: "لا أعتقد أننا سنحتاج إلى القيام بأي شيء. يبدو أنها ستسقط". ولم تقتصر نبرة التهديد على أميركا اللاتينية. ففي الشرق الأوسط، وجّه ترامب تحذيرًا شديد اللهجة إلى إيران، متوعدًا ب"ضربة قوية جدًا" إذا قُتل مزيد من المتظاهرين خلال الاحتجاجات الاجتماعية المتواصلة، مؤكدًا أن واشنطن "تراقب الوضع من كثب". وفي القطب الشمالي، جدّد إصراره على أن غرينلاند يجب أن تصبح جزءًا من الولاياتالمتحدة "لأسباب تتعلق بالأمن القومي"، معتبرًا أن الدنمارك "غير قادرة" على ضمان أمن الإقليم. كما هاجم ترامب كولومبيا بلهجة حادة، قائلًا إنها "تُدار من قبل رجل مريض"، ومشيرًا إلى أن هذا الوضع "لن يستمر طويلًا"، من دون تقديم تفاصيل إضافية. ضربة لفنزويلا... وصدع نهائي في القانون الدولي في هذا السياق، رأت صحيفة لوفيغارو الفرنسية أن العملية العسكرية التي أطاحت بمادورو شكّلت "الضربة القاضية لما تبقى من القانون الدولي"، معتبرة أن قواعد هذا النظام كانت تتآكل منذ سنوات، ولا سيما بفعل الاعتداءات الروسية المتكررة على دول الجوار. وأشارت الصحيفة إلى أن إسقاط رأس النظام في فنزويلا عبر ضربة عسكرية خاطفة، أعقبها إعلان نية واشنطن السيطرة على البلاد، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل وجّه ترامب الضربة النهائية للنظام القانوني الدولي؟ ورغم أن قلة فقط قد تذرف دموعًا على مادورو، "الديكتاتور المتهم بجرائم ضد الإنسانية"، فإن الطريقة التي أُزيح بها تفتح، بحسب الصحيفة، بابًا خطيرًا. ولفتت "لوفيغارو" إلى أن بعض القادة، ومنهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لمحوا إلى أن "تحييد" مادورو قد يشكّل سابقة يمكن الاحتذاء بها ضد قادة آخرين، بمن فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. عودة الإمبراطوريات ومناطق النفوذ واعتبرت الصحيفة أن خسارة الكرملين لحليفه الأبرز في أميركا اللاتينية، بعد فقدانه بشار الأسد في سوريا، لا تُعد تطورًا سلبيًا من زاوية غربية، تمامًا كما أن احتمال عودة المعارضة الفنزويلية إلى الحكم قد يفتح نافذة أمل لشعب أنهكته الديكتاتورية. غير أنها شددت على أن العملية الأميركية جرت خارج أي تفويض دولي، في انتهاك صريح لميثاق الأممالمتحدة، بل ومن دون الرجوع إلى الكونغرس الأميركي، على عكس ما فعله الرئيس الأسبق جورج بوش عام 2003، حتى وإن كان ذلك شكليًا. ورأت "لوفيغارو" أن ترامب لا يخفي تبنّيه نسخة محدثة من عقيدة مونرو، يصفها ب"عقيدة دونرو"، تقوم على إعادة تكريس أميركا اللاتينية باعتبارها منطقة نفوذ حصري للولايات المتحدة، وتُضفي شرعية على تغيير الأنظمة بالقوة. وحذّرت الصحيفة من أن النجاح العسكري لا يضمن نجاحًا سياسيًا، مستشهدة بتجارب العراق وليبيا وأفغانستان، حيث قادت عمليات تغيير الأنظمة إلى الفوضى أكثر مما قادت إلى الديمقراطية. كما طرحت سؤال "من التالي؟": هل ستكون كوبا أو نيكاراغوا؟ أم دولًا أكبر مثل المكسيكوكولومبيا؟ أم حتى كيانات طالب بها ترامب صراحة، مثل كندا وبنما وغرينلاند؟ رسالة إلى موسكو وبكين... وسابقة خطِرة وخلصت "لوفيغارو" إلى أن الهدف الأميركي لا يقتصر على كبح النفوذ الروسي والصيني، بل يمتد إلى السيطرة على الثروات الطبيعية، وهو منطق قد يقود في نهاية المطاف إلى مواجهة مباشرة مع إيران، عبر ضرب برنامجها النووي والصاروخي. وأضافت أن موسكو وبكين فهمتا الرسالة جيدًا: ترامب مستعد لاستخدام القوة متى شاء. غير أن سابقة فنزويلا، في المقابل، تفتح الباب أمام روسياوالصين لتقليد النموذج الأميركي نفسه، سواء في الفضاء السوفياتي السابق أو في تايوان، حيث يواصل الرئيس الصيني شي جينبينغ التحضير لفرض "إعادة التوحيد". ونقلت الصحيفة تحذير السيناتور الديمقراطي مارك وورنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، من أن إقرار واشنطن بحقها في غزو دولة واعتقال قادتها يفتح الباب أمام الصين لفعل الشيء نفسه في تايوان، ويقوض القواعد التي تحول دون الانزلاق إلى فوضى عالمية. عالم بلا قواعد؟ ورأت "لوفيغارو" أن الواقعية السياسية تفرض الاعتراف بأن القانون الدولي لم يُدمَّر اليوم فقط، بل قُوّض تدريجيًا، بدءًا من روسيا منذ 2008، مرورًا بالصين في هونغ كونغ، وسط عجز أوروبي عن حماية المبادئ التي يرفعها. وفي عالم "عادت فيه القوة لتفرض نفسها"، يبقى السؤال، كما نقلت الصحيفة عن مسؤول أوكراني سابق: "هل الأفضل خرق القواعد باسم العدالة، أم احترام القوانين وإدامة الظلم؟" سؤال مفتوح، ومقلق، في نظام عالمي يتداعى.