أعادت التساقطات المطرية الغزيرة والسيول الجارفة التي شهدتها عدة مناطق ببلادنا خلال فصل الشتاء الحالي، نقاش "هشاشة البنية التحتية" إلى الواجهة من جديد. فما إن تجود السماء بغيثها حتى تتحول النعمة في أعين الكثيرين إلى نقمة، وتتحول الشوارع إلى وديان، والأحياء إلى جزر معزولة، كاشفة عن عورات التسيير وعشوائية التعمير. وأمام هذه المشاهد المتكررة، لا يملك المرء إلا أن يستحضر حكمة السلف مقارنة بتهور الخلف. لقد كان أجدادنا أكثر ذكاء وحكمة منا في تعاملهم مع الطبيعة وقوانينها؛ كانوا يبنون مساكنهم في المناطق المرتفعة، بعيدا كل البعد عن مجاري الأنهار وبطون الوديان. كانوا يعملون بقاعدة ذهبية لا نقاش فيها مفادها: "مهما طالت فترة جفاف الوادي، فإنه يعود حتما إلى مجراه، ليجرف في طريقه نحو المصب كل من تجرأ على استباحة حرمته في غيابه". الطبيعة هنا تمارس نوعا من العدالة الصارمة التي يختصرها المثل الشعبي البليغ: "لي فرط يكرط". أما الآن، فقد أعمى الجشع بصائر البشر حتى صاروا يزرعون بيوتا ومجمعات سكنية لأبنائهم وسط المستنقعات الجافة، وفي المجاري الطبيعية للمياه، وداخل الخنادق، وعلى حواف الشطآن والمنحدرات، ضاربين عرض الحائط بقوانين الطبيعة والسلامة. أتذكر أنه ذات مرة طلب مني "سياسي" شاب أن أصوت له في الانتخابات، مدعيا عزمه القيام بإصلاح ما أفسده من سبقوه إلى "مغارة علي بابا". وبما أنني كنت أعرفه حق المعرفة، وأعرف طبيعة أطماعه وطموحاته غير الشريفة، واجهته قائلا: "لو كنت مكانهم لما ترددت أنت في منح رخص البناء وسط مياه البحر". قلتها وكنت أعي ما أقول، ومنذ ذلك الوقت وهو متموقف مني.. إن ما تشهده منطقة واد اللوكوس عموما ومدينة القصر الكبير، مثلا، من فيضانات خلال الأسبوع الاخير، ليس أمرا طارئا أو مستجدا، فالكل يعلم —ما عدا جيل فترة الجفاف الحاد — أنها مدينة مهددة تاريخيا وطبيعيا بالفيضانات خلال فصل الشتاء بسبب موقعها الجغرافي بمنخفض محادي لمجرى نهر اللوكوس، وتواجدها سافلة سد وادي المخازن. فما أجده غير طبيعي هو هذا العجز المسجل على مستوى البنية العمرانية ومخططات التعمير لاستيعاب ومواجهة مختلف التحديات الطبيعية المزمنة والطارئة التي تواجهها مثل هذه المناطق بالمغرب كله. إن ما كشفته الأمطار الأخيرة من هشاشة في البنى التحتية لمدننا، ومن ضحالة في مخططات التعمير، إنما هو في الأصل امتداد لهشاشات وضحالات أخرى أعمق؛ هشاشة الذمم وضحالة الضمائر وضعف التكوين. تلك العيوب التي تأتي الظواهر الطبيعية لتفضح وجوهها البشعة أمام الملأ. وقد تعمدت استخدام كلمة "الظواهر"، لأن "الكوارث" الحقيقية لا تكمن في المطر، بل تكمن في الفساد والجشع والطمع والحرمان والجهل، وفي هؤلاء عديمي الكفاءة الذين تجدهم صدفة يسيرون الشأن العام، وقد دخلوه من أبواب الريع والتملق والتسلق وثقافة "دهن السير". هؤلاء هم الطوفان الحقيقي الذي يهدد مستقبلنا. إن المستقبل لن يكون رحيما بمن يصر على تكرار أخطاء الماضي. وإذا لم نستوعب الدرس الآن، ونعيد النظر جذريا في علاقتنا مع المجال ونقطع مع منطق الغنيمة في تسيير الشأن العام، فإننا سنورث أبناءنا مدنا عائمة وكوارث مؤجلة. الإصلاح الحقيقي يبدأ ب "تجفيف" منابع الفساد قبل تجفيف مياه الأمطار، وبناء الضمائر الحية قبل تشييد الجدران الإسمنتية. فهل نلتقط الإشارة قبل الطوفان القادم؟