مقدمة ليس من السهل دائما مراجعة كتاب متعدد الثيمات والمداخل والشخصيات والأفكار، وتقديم فكرة واضحة عنه للقارئ، دون اختزال أو تعسف. حتى وإن كان هذا الكتاب خفيفا، ممتعا ومفيدا، ويمكن أن نقرأه بالكامل أو بانتقائية للنصوص التي قد تهمنا فقط، كما هو الحال بالنسبة لكتاب "الأنوار والكواكب حواشي أدبية" لعبد القادر الشاوي، الصادر سنة 2025 عن منشورات المتوسط.
وتواجهنا هذه الصعوبة، عندما نكتشف أثناء القراءة، أننا أمام نصوص كثيرة ومتنوعة (79نصا)، هي في أغلبها، خلاصات لوجهات نظر الكاتب في كتب قرأها، أو مواقف من أحداث بعينها، تاريخية أو معاصرة أو كان شاهدا عليها. هذه النصوص، بتوصيف الكاتب نفسه، ماهي إلا "حواشي أدبية". لكنها كما سيكتشف القارئ، حواشي شديدة التكثيف والدقة وثرية معرفيا كتبت بلغة رصينة، انتقيت كلماتها بعناية. وأطرت بوعي نقدي عالٍ، لكاتب متعدد المرجعيات واللغات، مشاكس، جريء لا يهادن ولا يجامل. كاتب أجمعت الشهادات الكثيرة التي كتبت في حقه، بأنه كاتب شمولي التجربة. أو بلغة إدغار موران هو كاتب "متعدد الهويات" مناضل، ناقد، روائي، ديبلوماسي، صحفي، فنان تشكيلي، الخ… وأيضا ربما لذلك، نبه الكاتب منذ البداية، قراءه المفترضين، في تأطير عام، إلى طبيعة الكتاب والطريقة التي ينبغي أن تكون عليه قراءتهم له، حين قال في تصدير الكتاب:" أعتبر موضوعه مختلقا، صغت فيه مسار حيوات وكتب وأفكار وتجارب ما كان لي أن أصوغها كتابة إلا من خلال القراءة…" وأضاف في مقطع آخر: " فالقراءة، فيما أرى لكتابي هذا، من المفروض أن تكون، بعد تعلم الواجب لمبادئها، حرة بالمعنى الذي يفيد أن المعرفة المتضمنة في كل كتاب، أو مجلة، متنوعة لا مطلقة، وأن القارئ ليس مجبرا على القراءة، كما أنه حر في تركها. أضف إلى ذلك أنه لا يتدخل في حرية الكاتب، ولا في طريقة كتابته ولا في الموضوع الذي يختاره لها بصرف النظر عن طبيعتها…" ولهذه الصعوبات، بدا لي أن أنسب مدخل لتقديم قراءة في هذا الكتاب، هو التركيز على ملمحين أساسيين مرتبطين معا بذات الكاتب: أولهما بصفته قارئا وناقدا كبيرا. والثاني بصفته ساردا لبعض النصوص، ذات نفس سير ذاتي، إن لم نقل من صميم التخييل الذاتي، سواء ما ارتبط منها بجوانيته وهمومه الخاصة أو بما اشتبك منها بالعالم وبالآخرين. الملمح الأول: الكاتب قارئًا وناقدًا في الحواشي التي يقترب فيها الكاتب من أعمال إبداعية أو فكرية (روايات، مذكرات، سير، فلسفة، سياسة، دين الخ…) لا نلتقي فقط بناقد، يحمل في جرابه، لتحليل وتشريح تلك النصوص، مشارط صدئة ومفاهيم أكاديمية متكلسة وعبارات مسكوكة ولغة متعالية، لا تتفنن ولا تبدع إلا في إسقاط الاحكام الجاهزة، على جميع النصوص، حتى وإن تعدد كتابها وتنوعت موضوعاتها. بل الذي نلتقي معه في هذا الكتاب، هو بالدرجة الأولى قارئ كبير، له وعي نقدي عالٍ، يعرف أن النصوص كيفما كان نوعها ينبغي، لمن أراد مقاربتها، أن يفجرها من الداخل. لكن بمعرفة وبموضوعية وبحرص شديد على تنسيب الأحكام المستخلصة. وهذا ما يدفعنا لطرح السؤال التالي: كيف، ولماذا انتقى الكاتب نصوصا بعينها وحالات إنسانية خاصة، وكتب عنها، دون سواها، هذه الحواشي؟ أولا، لابد أن نسلم بأن الكاتب حر. ولا أحد له الحق في التدخل في اختياراته، لكن بالعودة إلى الكتاب، يبدو أن عبد القادر الشاوي اختار هذه النصوص والكتابة عنها وتقديمها للقراء، على الأقل مما استخلصته من قراءتي الشخصية، للأسباب الظاهرة التالية، (أسبابه الذاتية الخاصة، لست معنيا) التي سوف أجملها في سببين: أولا: سبب أدبي محض وهذا يظهر جليا، من خلال سيرة الكاتب، الذي لا يختلف اثنان على شغفه الكبير بالآداب عموما (تكوينا، قراءة، كتابة، نقدا وباعتباره فاعلا كبيرا في هذا المجال)، وأيضا، من خلال نصوص الكتاب نفسه، حيث تتجلى قراءاته الثرية وتحضر عناوين كثيرة يصعب على قارئ عادي الاطلاع عليها جميعا، فبالأحرى تحليلها والكتابة عنها. وخصوصا إشاراته وملاحظاته النقدية، بخصوص جماليات الكتابة، أسلوبا، لغة، بناء، رؤية وخطابا. ثانيا: سبب ثقافي تنويري وهنا يظهر الكاتب بوجه المثقف الحداثي والتنويري. لا ليحدثنا عن الكتب والروايات التي قرأها، أو ليقدم لنا تلخيصا لمضامينها. بل ليتوقّف عندها كفنون وإبداعات، تثير من حولها أسئلة كثيرة عن قضايا ومفاهيم وأفكار معينة، ك (الكتابة، القراءة، السلطة، الدين، الحرية، الخوف، العدالة، الموت، المثلية، اللغة، الحب الخ…) أو فقط، ليطلعنا على مصائر مأساوية لحيوات ذات خصوصية معينة (كاتب، فيلسوف، سياسي الخ)، عاشت قدرها في ظروف قاسية وفي جغرافيات متباينة من هذا العالم. ليقدم لنا وجهة نظره، أو تعاطفه، أو موقفه، الصريح أو اللماح، منها أو مما حصل. وأحيانا قد يطرح فقط سؤالا ويمضي. في الغالب، سؤال ذكي ومشكك، قد يدخل القارئ في دوامة من الأسئلة. وقد يجعله في حيرة من أمره. ومما يحسب للكاتب في هذه الحواشي، هو أنه لا يميز بين كاتب عالمي أو كاتب مبتدئ، من المغرب أو من جغرافيات أخرى، من الأحياء أو من الأموات، من الرجال أو من النساء أو من المثليين. ليس هناك أي مفاضلة. يبدو أن الأساسي بالنسبة إليه، هو ما استفزه في تلك الكتب من قضايا وأفكار أو بعض الأفعال، وربما حرك شيئا بالفعل في بواطنه. ودفعه دفعا، ليدلي بدلوه فيها. وليتقاسم مع قرائه، بنية التنوير والمعرفة، ما استخلصه منها. الملمح الثاني: الكاتب ساردا إلى جانب البعد القرائي والنقدي، يفتح الكاتب في هذه النصوص أيضا، نافذة على ذاته. لكن دون استعراض أو تفاصيل كثيرة. فهو في هذا الكتاب لا يروي فصولا طويلة من حياته، كما هو الشأن في كتاباته السير ذاتية والتخييلية الأخرى، بل يترك فقط شذرات من أثر سيرته، يتسرّب إلى النص عبر السفر، والتأمل، أو من بعض المواقف الإنسانية. والسفر، هنا لا يبرز كترف سياحي، للحلول في الأوطان والتنزه في البلدان. بقدر ما يظهر كمولد للمصادفات العجيبة والملهمة. تلك الصدف التي قال عنها الكاتب نفسه في مؤلفه «التيهاء"، إن كنت لا زلت أذكر: " إني ربيب صدف". بمعنى أن السفر، ليس فقط خروجا مؤقتا من المألوف. فقد يكون عملا أو دعوة أو لقاء، أو استكشافا، فتتولد عنه صدفة ما، تلهم الكاتب نصا تتحقق فيه جميع عناصر المحكي الذاتي. أو بمعنى أصح، سير ذاتي تخييلي. لا يطغى فيه التركيز على الذات ووصف الأحاسيس الداخلية. أو الوصف الخارجي للأماكن والشخوص، إلا بمقدار ما يجعل الباب مواربا للنفاذ إلى التأمل في المصائر والأفكار. كما هو الحال مثلا، مع حكاية سفر الكاتب إلى بلدة بورتبو على الحدود الاسبانية الفرنسية للوقوف بنفسه على الرابية التي انتحر فيها المفكر والفيلسوف الألمانيwalter ،Benjamin فكتب عن ذلك نصا ضمنه في هذا الكتاب تحت عنوان "لا قبر لمنتحر على الرابية ". هذا مع بروز سفر آخر، في الواقع وفي الكتب والأفكار ومرجعيات عديدة، بلورها الكاتب أحيانا في شكل تأملات ذاتية إنسانية، لا تدعي تنظيرا ولا حكمة. فقط محاولة لفهم ما حدث ويحدث في العالم وكيف تتغير مصائر حيوات كثيرة. تأملات تنحاز بوضوح إلى الإنسان في لحظات ضعفه وهشاشته. كما هو الحال مع حكاية رئيس الحكومة الأسبق "مريانو رخواي"، في نص "مريانو، يا ضحية ملتمس الرقابة". خاتمة فيما يبدو، أن اختيار عبد القادر الشاوي لجمع هذه «الحواشي» ونشرها في كتاب، لم يكن اختيارًا شكليا أو اعتباطيا، بل يحمل في عمقه وعيا بأهميتها وبأهدافها التي تدخل في صميم فهمه ونظرته للكتابة ولوظيفتها التثقيفية والتنويرية. والحاشية، وإن كانت في الأصل خربشات على هامش المتن، لكنها عند عبد القادر الشاوي كشعاع من نور يسلطه بوعي وقصد، حيثما بدت له العتمات معششة. فتصبح الحاشية هي النص، هي الموقف، هي الحقيقة أو هي الحرية في التساؤل والاختلاف. بينما يتوارى المتن أو يذوب في االخلفية. وأحيانا أخرى تصبح سيرة متخفية، تتسلل إلى النص، دون ادعاء، لتعلن تعاطفها الإنساني الصادق، مع بعض الحيوات في أشد حالات الضعف والهشاشة. والخلاصة، أن كتاب "الأنوار والكواكب، حواشي أدبية"، كتاب لا يقدم خلاصات ولا أجوبة جاهزة، كما أنه لا يدّعي امتلاك الحقيقة. لكنه يبقى كتابا ثريا، يقدم وجبة دسمة من المعارف المتنوعة في الأدب والفكر والفلسفة والتاريخ والسياسة والجغرافيات. والأهم هو الوعي النقدي الذي كتبت به هذه النصوص. وعي من شأنه خلخلة العديد من المغالطات والإسهام بفعالية في تفتح العقول وتنويرها.