أكد تقرير حول الفيضانات الاستثنائية بحوض اللوكوس، أن النجاح في الإجلاء الاستباقي لأزيد من 154 ألف شخص، يخفي وراءه جملة من الاختلالات البنيوية في منظومة تدبير المخاطر بالمغرب، وهو ما بات يفرض إعادة النظر في مخططات التعمير، والحكامة، وشفافية اتخاذ القرارات، وآليات التعويض… وأبرز المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في ورقة تحليلية حول الفيضانات، أن الوقائع أظهرت عدة نقط إيجابية، كالنجاح في التعبئة والإجلاء الاستباقي، والعمل تحت الضغط، وإعلاء مبدأ "الأرواح أولا"، وبينت الكفاءة الهندسية الوطنية، وحجم التضامن المجتمعي القوي، لكنها في المقابل سلطت الضوء على اختلالات هيكلية تتطلب معالجة استراتيجية.
ومن أبرز الاختلالات التي كشفت عنها الفيضانات، حسب المركز؛ ضعف الاستثمار في البنية التحتية الوقائية، فالواقع أثبت أن شبكات تصريف مياه الأمطار داخل المدن وقدرة مجاري الأودية على استيعاب التدفقات الاستثنائية لا تزال دون المستوى المطلوب. كما كشفت الكارثة عن بطء تفعيل مسطرة التعويض، وعدم تفعيل صندوق الكوارث. ونبه التقرير إلى أن تركيز الاستجابة على جانب الإيواء أهمل التأثير المدمر للفيضانات على سبل العيش في العالم القروي (نفوق الماشية، تلف المحاصيل، تدمير البنى التحتية الفلاحية…) وهو ما يتطلب برنامجا للتعافي الاقتصادي، لا أن يتم الاقتصار على مساعدات ظرفية تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية. وانتقد غياب استجابة واضحة ومنسقة من القطاع البنكي وشركات التأمين لتقاسم عبء الصدمة مع المتضررين. وحذر ذات المصدر من أن التعمير في مناطق الخطر يعد صناعة للكوارث المؤجلة، فاستمرار منح رخص البناء في مناطق مصنفة ك "فيضانية" أو على مقربة من مجاري الأودية هو بمثابة استثمار ممنهج في كوارث مستقبلية. وهو ما يتعزز مع غياب الرقابة الصارمة والمحاسبة ما يحوّل وثائق التعمير إلى حبر على ورق، ويفاقم من حجم الخسائر المحتملة في أي أزمة قادمة. وانتقد التقرير غياب التواصل ووجود فجوة في المعلومة بشأن بعض القرارات التقنية، خاصة فيما يتعلق بتصريف مياه السدود، وهو ما خلق حالة من القلق والتساؤلات لدى الساكنة. فشح في تدفق المعلومات الرسمية والمحينة بشأن حجم الأضرار وحدود المناطق المتضررة بدقة، وحقوق المتضررين ومساطر الاستفادة، شكل بيئة خصبة للإشاعات. واعتبر المركز أن من بين أهم الدروس الاستراتيجية المستخلصة من الفيضانات؛ أن إدارة المياه والمخاطر لم تعد شأنا قطاعيًا، بل هي قضية سيادة وأمن قومي، ما يفرض إنهاء تشتت القرار عبر هيئة وطنية موحدة للماء والمخاطر. كما بينت الفيضانات أن الشفافية والبيانات المفتوحة ليست ترفا، بل هي بنية تحتية استراتيجية للإنذار المبكر والبحث العلمي، وتعزيز ثقة المواطن. وأبرزت أنه لا يمكن فصل سياسات التعمير عن إدارة المخاطر، وأوضحت أن الاعتماد على ميزانية الدولة بعد الكوارث هو نموذج غير مستدام، ويجب الانتقال إلى نموذج تمويل استباقي. إلى جانب أن نجاح إدارة المخاطر يتطلب سلسلة مسؤولية واضحة، لتفعيل المحاسبة. وشدد التقرير على ضرورة تفعيل "صندوق الكوارث" كآلية لتعويض المتضررين، بالنظر إلى تداعيات الفيضانات، خصوصا على مستوى سبل العيش والممتلكات الخاصة، مع التنبيه إلى أن الاعتماد على حلول ظرفية أو انتظار مبادرات القطاع الخاص يترك المتضررين في حالة من الهشاشة القانونية والاقتصادية. ولكي يحقق الصندوق أهدافه، يجب أن تبنى حكامته على مساطر مبسطة للوصول إلى التعويض، وأجال زمنية واضحة للصرف، وشفافية كاملة في تخصيص الموارد، ليصبح ركيزة أساسية في منظومة الصمود الوطني.