حين تجتاح الفيضانات المدن والقرى، لا تكتفي المياه باجتياح الطرقات والبيوت، بل تدخل أيضا إلى أعماق الأسئلة الكبرى في النفس البشرية. نقف مذهولين أمام مشهد الطبيعة حين تثور، ونتساءل: هل ما يحدث مجرد ظاهرة طبيعية عمياء؟ أم رسالة؟ أم امتحان تتكشف فيه معادن البشر؟ ليست الفيضانات حدثا عابرا في سجل الحياة، بل لحظة انكشاف. تنكشف فيها هشاشة الإنسان رغم كل ما ظنه حصانة، وتنفضح فيها أوهام السيطرة المطلقة على الطبيعة. في لحظة واحدة، قد تتحول شوارع مأهولة بالحياة إلى مجارٍ جارية، وبيوت عامرة بالدفء إلى أطلال يكسوها الطين. هنا يتراجع غرور التكنولوجيا، ويتقدم شعور الإنسان بضآلته أمام قدرة الخالق. الفيضانات كموعظة في بعدها الروحي، يمكن أن تُقرأ الفيضانات بوصفها موعظة صامتة ولكنها عميقة. موعظة تذكّر الإنسان بأن الأرض ليست ملكا مطلقا له، وأن التوازن الذي أودعه الله في الكون ليس أمرا يمكن العبث به دون عواقب. كم من غابات قُطعت، ووديان رُدمت، ومجاري مياه سُدّت بالإسمنت؟ ثم حين تعود المياه إلى مساراتها الطبيعية، نصفها بالكوارث، بينما هي في جانب منها استعادة للتوازن الذي أخلّ به الإنسان. الموعظة هنا لا تعني الشماتة ولا تفسير المصائب بعقلية العقاب السطحي، بل هي دعوة للمراجعة. مراجعة علاقتنا بالطبيعة، بأسلوب عيشنا، بجشعنا الاستهلاكي، وبفكرة أننا فوق القوانين الكونية. الفيضانات تقول لنا ببلاغة الماء: التواضع نجاة، والانسجام مع سنن الكون أمان. الفيضانات كاختبار ومن زاوية أخرى، تبدو الفيضانات اختبارا إلهيا يكشف جوهر الإنسان. عند الشدائد، تتساقط الأقنعة: من يسرع لنجدة جاره؟ من يفتح بيته لمشرّد؟ من يقتسم خبزه مع من فقد كل شيء؟ في أوقات الرّخاء، قد يختبئ الأناني خلف مظاهر اللياقة، لكن في أوقات الكوارث، يظهر المعدن الحقيقي. نرى شبابًا يخاطرون بحياتهم لإنقاذ غرباء، وأسرا فقيرة تتقاسم ما تبقى لديها مع من هو أفقر. هنا يتحول البلاء إلى ساحة للرحمة، ويغدو الألم جسرا للتكافل. الاختبار ليس فقط في الصبر على الخسارة، بل في السلوك بعد المصيبة: هل نزداد قسوة أم رحمة؟ هل نتفرق خوفا أم نقترب تضامنا؟ في هذا المعنى، الفيضانات تمتحن القلوب قبل البيوت. بين السنن الكونية والمسؤولية الإنسانية الإيمان لا يلغي العلم، كما أن التفسير العلمي لا ينفي البعد الروحي. فالأمطار الغزيرة، والتغيرات المناخية، وسوء التخطيط العمراني، كلها أسباب مادية واضحة. لكن الإيمان يضيف بعدا أخلاقيا: ماذا نفعل بهذه المعرفة؟ هل نحترم قوانين الطبيعة أم نواصل تحدّيها باستخفاف؟ حين نبني في مجاري السيول ثم نُفاجأ بالماء، فالمشكلة ليست في المطر وحده، بل في قراراتنا أيضا. هنا تتجلى المسؤولية: الكارثة قد تكون طبيعية في أصلها، لكنها تتضخم بسوء تدبير الإنسان. الفيضانات ليست مجرد ماء يغمر اليابسة، بل معنى يغمر الوعي. قد تكون موعظة تردع الغرور، واختبارا يوقظ الرحمة، ودرسا يعيد ترتيب علاقتنا بالأرض وببعضنا البعض. وبين الموعظة والاختبار، يبقى السؤال الأهم: هل نخرج من الطوفان كما دخلناه، أم نولد بعده بقلوب أكثر تواضعا، وأيدٍ أكثر عطاء، وعقولٍ أكثر وعيا؟