في بورصة السياسة المغربية، حيث تقاس القيمة عادة بصخب التصريحات، يقدم محمد الزموري، برلماني طنجة المزمن، درسا بليغا في "اقتصاد الصمت". فالرجل الذي غادر مؤخرا صهوة "حصان" الاتحاد الدستوري ليزرع بذور طموحه في حقل "سنبلة" الحركة الشعبية، لا ينتقل بين الأحزاب بحثا عن هوية مفقودة، بل يعيد تدوير نفسه كقطعة أثاث كلاسيكية ترفض مغادرة صالون السياسة، مقدما بذلك أعجب تطبيق عملي لمفهوم "تشبيب" المشهد السياسي. ويجسد الزموري، الذي يجر خلفه عقودا من التواجد في المؤسسة التشريعية، حالة "بنجامين بوتون" مغربية بامتياز. ففي الوقت الذي تبحث فيه الأحزاب عن وجوه شابة لضخ دماء جديدة، يتقدم هو، بشيبته وتاريخه، ليحتل واجهة "التجديد". إنها مفارقة عبثية تضع الشعارات الحزبية الرنانة حول "التمكين السياسي للشباب" موضع سخرية مريرة؛ فكيف ل"شاب" ثمانيني أن يكون هو رهان المستقبل؟ وكيف لحزب "السنبلة" أن يرى في رجل من الجيل المؤسس "فسيلة" واعدة لموسم الحصاد القادم؟ لكن الرقم الأكثر إثارة في مسيرة هذا "الديناصور" الانتخابي ليس عمره البيولوجي، بل حصيلته البرلمانية. فخلال الولاية التشريعية الحالية، لم ينطق الزموري سوى ب 19 سؤال (شفوي وكتابي) فقط. تسعة عشر سؤال في خمس سنوات! بمعدل يقل عن أربعة أسئلة في العام الواحد. هذه الحصيلة "الزاهدة" ليست دليل على الكسل، بقدر ما هي بيان سياسي صامت. فالزموري يقول بلسان الحال: "أنا هنا لأحضر، لا لأتكلم". إنه ينتمي لمدرسة تؤمن بأن البرلمان ليس منصة للترافع عن هموم المواطنين، بل غرفة خلفية لإدارة النفوذ وتثبيت المواقع. وفي عالم مواز، كان من المفترض أن تكون هذه ال 19 سؤال سببا كافيا للإحالة على التقاعد السياسي، ولإفساح المجال أمام شاب طنجاوي يمتلك من الحماس ما يكفي لطرح 19 سؤال في اليوم الواحد. لكن في "ريال بوليتيك" المشهد المغربي، تحسب الأمور بشكل مختلف. ال 19 سؤال هي مجرد ديكور، أما الرصيد الحقيقي فهو "الخزان الانتخابي" الذي يملكه "مول الدلاح" – اللقب الذي يرفض أن يغادره – والذي يضمن للحزب المقعد، حتى لو كان الجالس عليه صامت كتمثال. ويكشف هذا الصمت المطبق، المزين ب 19 علامة استفهام فقط، عمق الأزمة. فالزموري لا يرى حرجا في أن يتقدم الصفوف مجددا، مزاحما أجيالا من الشباب الذين كبروا وشابوا وهم ينتظرون دورهم الذي لا يأتي. لكن انتقاله إلى الحركة الشعبية ليس مجرد تغيير للون الحزبي، بل هو إعلان صريح بأن "الأقدمية" هي المعيار الوحيد للشرعية، وأن الكفاءة التواصلية والتشريعية هي مجرد "إكسسوارات" لا لزوم لها. ويقدم الزموري نفسه اليوم، وهو يرتدي قبعة "السنبلة"، كنموذج صارخ ل"الشباب الأبدي" للسلطة. إنه لا يشيخ سياسيا، بل يزداد رسوخا، محولا العمل البرلماني من وظيفة تمثيلية تتطلب الجهد والمساءلة، إلى وجاهة اجتماعية تتطلب فقط الحضور.. والصمت. في النهاية، وبينما يستعد حزب الحركة الشعبية لاستقبال "وافده الجديد"، تظل ال 19 سؤال شاهدة على ضآلة الأثر التشريعي لرجل ملأ الدنيا وشغل الناس في طنجة. إنها قصة تلخص مأساة السياسة حين تتحول إلى مهنة لمدى الحياة، وحين يصبح "التشبيب" مجرد نكتة سمجة يرويها الشيوخ للشباب، قبل أن يسرقوا منهم المقعد مرة أخرى، بصمت مطبق وابتسامة هادئة.