لعلّه من الأمثال الشعبية المعروفة لدى المغاربة، عندما يتعذر عليهم أمرٌ ما، يقولون بعفوية: "ما هي وما لونها؟"، تماماً كقولهم كلمة "قربالة"؛ لحظة التدافع بين الناس وافتتانهم، وهي في الأصل "كربلاء" أي (واقعة الطفّ تاريخياً). وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة "الشوهة"؛ التي يعنون بها نفس المعنى العبري؛ وهو "الرعونة والقبح". أكيد أنّ هناك حركة تثاقف (1) ومثاقفة (2) بين الشعوب والثقافات؛ أدّت إلى تلاقح الحضارات وانتقال الأفكار. لكنّ اللافت للنظر في المسألة؛ هو ذلك الكم وذلك "الحضور" العبري؛ في طيّات التراث الإسلامي؛ بما فيه الدين نفسه، حيث إنّ صلوات الفريضة التي يؤديها المسلمون في اليوم والليلة؛ تدحرجت في فرضها؛ من خمسين إلى خمس صلوات؛ وذلك بتدخل سيدنا موسى عليه السلام (3). كما أن يهود المدينةالمنورة آنذاك؛ هم من "عرّف" نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم؛ بماهية صيام عاشوراء (4)؛ بل إن المسلمين استعانوا بكعب الأحبار اليهودي؛ من أجل تحديد موضع صخرة بيت المقدس (4). كثيراً ما يتحدث لنا القرآن الكريم؛ عن سيدنا موسى عليه السلام (5)؛ ضارباً لنا مثلاً بقومه؛ الذين جادلوه ولم يسلموا لإرادة الله؛ بعدما أمرهم بذبح بقرة (أيّ بقرة!). في نفس السياق، تخوّف نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلّم؛ من اتباع أمّته سنن الأولين (6)؛ فيسألوا عن أشياء بديهية؛ ربما قد يزيغ الجدال حولها القلوب؛ كما في قوله تعالى: "أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل" (سورة البقرة: 108) (7). ونحن مستقبلون لشهر رمضان الأبرك؛ قدحت في ذهني مجموعة تساؤلات؛ ترتبط بالموعد الصحيح لإفطار الصائم: ما العبرة من ورود قصة موسى عليه السلام وبقرة بني إسرائيل؛ ضمن نفس السورة التي تضمنت آية الصيام ("ثم أتموا الصيام إلى الليل" سورة البقرة: 187) ما هو الرابط بين عقدة البقرة والاشتباه في تحديد بداية الليل؟ ألا يكون ورود الآية 187 ضمن سورة البقرة، إشارة إلى جدال بني إسرائيل؟ هل نحتاج فعلاً للسادة الفقهاء والمشايخ كي يحددوا لنا بداية الليل؟ أليس هذا الليل واحداً؛ ومتماثلاً يتعارف عليه كل أقوام المعمور؟ لماذا يختلف المسلمون حول ظاهرة كونية ترادف الظلام؛ فيجهدون أنفسهم بين "استتار قرص الشمس" و"ذهاب الحمرة المشرقية"، بينما الأمر محسوم في قوله تعالى: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون" (سورة يس: 37). أليس الجدال حول مدة زمنية لا تقدر بشيء (فقط 12 دقيقة من آذان صلاة المغرب إلى سقوط الليل)، مقارنة مع عدد ساعات الصيام في اليوم الواحد (تقدر بين 14 و18 ساعة حسب موقع الصائم)، هو من قبيل المشاكسة مع الله؟ قد يقول قائل: ربما أراد الفقهاء في ذلك الضبط؛ تعجيل الإفطار استناناً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم. لكنّ الصواب هو استحالة مخالفة النبيّ؛ لنص سماوي قطعي وصريح، يحدد ماهية الليل بعبارة "مظلمون" كما في الآية 37 من سورة يس! الليل يا سادة؛ كان ولا يزال؛ قبل تقعيد اللغة حتى؛ وقبل المعاجم والتفاسير، مرادفاً للظلمة أي نقيض النور. فهو لا يحتاج فيه إلى رهن عقولنا للسادة المشايخ؛ لأنه كان منذ أزل الزمان؛ كما رآه أبونا إبراهيم عليه السلام في قوله: "فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً" (سورة الأنعام: 76)، وكما رآه الشاعر امرؤ القيس في مطلع قصيدته: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله***عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي فالبين بالتالي بين "غروب قرص الشمس" و"غياب الحمرة المشرقية"، كالبين "بين الحق والباطل؛ أربع أصابع" (8)، تتلخّص فيها عقدة البقرة والامتثال العفوي لأوامر الله. وعليه "الأحوط وجوباً"؛ أن يتم الصائم صومه إلى الليل؛ بإضافة ربع ساعة بعد آذان صلاة المغرب، حتى لا يشتبه علينا الليل؛ كما تشابهت البقر على بني إسرائيل. هامش (1) أوّل ما ظهرت فكرة التثاقف؛ كان مع الاستعمار، ومع تواجد حركات تحررية تحاول مقاومة المستعمر. وعليه، فهي تبلورت في إطار السياق الثقافي الذي يشمل العلاقة التي تجمع بين ثقافة "السيد" وثقافة "العبد". العلاقة العمودية التي كرّسها المستعمر عن طريق تكييف ثقافة الإنسان المستعمَر، على ثقافته هو كمستعمِر. (2) يقصد بالمثاقفة المفهوم الشامل لكلمة الثقافة؛ إذ تعني "معرفة الأشكال وأساليب الحياة لدى الأشخاص والمجتمعات؛ في علاقتهم مع الآخر، وكذا معرفة العلاقات المشتركة بين الثقافات". والمثاقفة، بخلاف التثاقف، تقوم على احترام خصوصية الآخر، في نسق تفاعلي بين الشعوب فيما بينها. (3) جاء في سنن ابن ماجة في الحديث رقم 1399؛ حدّثنا حرملة بن يحيى المصري قال: حدّثنا عبدالله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "فرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك، حتى آتي على موسى، فقال موسى عليه السلام: ماذا افترض ربك على أمتك؟ قلت: فرض علي خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت ربي، فوضع عني شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت ربي، فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: ارجع إلى ربك، فقلت: قد استحييت من ربي". (4) جاء في "البداية والنهاية"؛ الصفحة: 1/256؛ حديث أخرجه البخاري تحت رقم 4680 واللفظ له، ومسلم تحت رقم 113: "قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا". (5) ذكر سيدنا موسى في القرآن الكريم 135 مرة؛ مقابل ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم؛ خمس مرات بلفظ صريح، أربعة منها ذكر اسم محمد ومرة واحدة ذكر اسم أحمد، كما ذكر ضمنياً مرات كثيرة بألفاظ أخرى؛ مثل الرسول والنبي والأمي. (6) خرّج البخاري في "فتح الباري 13/ 371، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب 14، حديث رقم 7320؛ ومسلم في "سنن ابن ماجة" 2/ 1322، كتاب الفتن، باب 17 افتراق الأمم، حديث رقم 3994، قال في (الزوائد): إسناده صحيح ورجاله ثقات، من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، "عن أبي سعيد الخدري رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضبّ لاتبعتموهم؛ قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟" هذا لفظ مسلم. (7) يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "نهى الله تعالى عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم؛ عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: 'يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم' (سورة المائدة: 101). كما جاء في الصحيح 'إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته'، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم؛ كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. كما جاء في صحيح مسلم: 'ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه'". (8) من أقوال الإمام علي بن أبي طالب: "أما إنّه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع"، فسئل عن معنى قوله هذا؛ فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه؛ ثم قال: الباطل أن تقول: سمعت؛ والحق أن تقول: رأيت.