قالت المحامية أميمة بوجعرة إن مئات المتابعين على خلفية حراك "جيل زد" ما زالوا يقبعون في السجون، مؤكدة خلال ندوة حقوقية عن بعد نظمتها اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك "جيل زد" مساء الجمعة 20 فبراير، أن مسار التوقيفات والمحاكمات شابته اختلالات مست ضمانات المحاكمة العادلة منذ لحظة الإيقاف إلى صدور الأحكام. وأوضحت بوجعرة أن المعطيات التي أعلنتها النيابة العامة تشير إلى أن عدد التوقيفات في بداية الحراك فاق خمسة آلاف شخص، مضيفة أن "أكثر من ألف معتقل ما زالوا في السجون إلى اليوم"، بينهم قاصرون "يمكن القول إنهم أطفال لا يتجاوز سن بعضهم 13 أو 14 سنة"، وهو ما يطرح، بحسب تعبيرها، أسئلة جدية حول طبيعة المقاربة القضائية المعتمدة في هذه الملفات وما إذا كانت ذات أبعاد سياسية. وقالت إن الدفاع سجل "خروقات مسطرية واضحة"، أبرزها اعتماد شبه حصري على محاضر الضابطة القضائية "في غياب وثائق إثبات مستقلة أو قرائن مادية تدعم الاتهامات المعروضة على القضاء".
واعتبرت المتدخلة أن الأحكام الصادرة في عدد من القضايا اتسمت بالقسوة، مشيرة إلى أن هذه القسوة جاءت، وفق تقديرها، "في غياب قراءة واضحة لظروف وملابسات متابعة هؤلاء الشباب"، ما يعكس حالة إحباط لدى المعتقلين الذين كانوا يأملون أن يكون القضاء "صمام أمان يحميهم من التعسف". وأضافت: "نحن لا نشكك في القضاء كمؤسسة، ولكن ننتقد التعاطي القضائي مع ملفات الحراك الذي شابه الكثير من الإشكالات"، مؤكدة أن ضمانات المحاكمة العادلة لا تقتصر على مرحلة الحكم بل تبدأ منذ اللحظة الأولى للتوقيف. وفي هذا السياق، شددت بوجعرة على أن معيار المحاكمة العادلة يبدأ منذ التوقيف والإيقاف، معتبرة أن العدد الكبير للتوقيفات يعكس "طابعاً عشوائياً ينسف مبدأ الشرعية القانونية للاعتقال ويؤثر على شروط المحاكمة العادلة". وأشارت إلى ما وصفته باستعمال القوة بشكل غير متناسب مع طبيعة الوقفات التي كانت، بحسب قولها، سلمية، مضيفة أن المقاربة الأمنية ظهرت "قبل بدء الوقفات نفسها من خلال اعتقالات استباقية طالت شباباً قبل المواعيد المعلنة للاحتجاج". وأكدت أن ما رصده الدفاع يشير إلى وجود حالات لم يتم فيها إخبار الموقوفين بأسباب اعتقالهم أو تمكينهم من حقوقهم الأساسية، مثل الحق في الاتصال بالعائلة أو الاستفادة الفورية من الدفاع، موضحة أن عدداً من الشباب تم اقتيادهم إلى مراكز الشرطة بدعوى التحقق من الهوية ثم وجدوا أنفسهم موضوع متابعة قضائية. وقالت: "عدم تمكين المشتبه فيهم من حقوقهم التي يكفلها الدستور وقانون المسطرة الجنائية كان من أبرز ما سجلناه"، معتبرة أن هذه الممارسات أثرت على سلامة المسار الإجرائي منذ بدايته. وتطرقت المحامية إلى مرحلة البحث التمهيدي، حيث أشارت إلى ما وصفته ب"محاضر جاهزة متشابهة في صياغتها بشكل يكاد يكون نمطياً"، مؤكدة أن هذه المحاضر "تعوزها وسائل الإثبات وتعتمد أساساً على روايات عامة حول الشغب أو التخريب". وأضافت أن عدداً من المعتقلين أكدوا للدفاع أن ما ورد في المحاضر لا يعكس تصريحاتهم الفعلية، وأن بعضهم وقع عليها "تحت الضغط أو الإكراه أو العنف في بعض الحالات"، وهو ما دفع الدفاع إلى مطالبة النيابة العامة بإجراء خبرات طبية للتحقق من ادعاءات العنف، غير أن هذه المطالب، وفق قولها، لم تلق الاستجابة المطلوبة. وفي حديثها عن مرحلة التقديم أمام النيابة العامة، اعتبرت بوجعرة أن الاعتقال الاحتياطي تحول في هذه القضايا من استثناء إلى قاعدة، قائلة إن الأصل هو المتابعة في حالة سراح، لكن "معظم المتابعين تم إيداعهم السجن، بينما ظلت المتابعة في حالة سراح هي الاستثناء"، وهو ما اعتبرته خرقاً إضافياً لضمانات المحاكمة العادلة. وأضافت أن الدفاع سجل استمرار الإشكالات نفسها خلال مرحلة المحاكمة، خاصة ما يتعلق بتجاهل عدد من الدفوع الشكلية والموضوعية المرتبطة بسلامة الإجراءات. وأكدت أن الحق في الدفاع ليس إجراء شكليا بل "ضمانة جوهرية لمبدأ المحاكمة العادلة"، مشيدة بجهود هيئات الدفاع التي تابعت الملفات في مختلف المدن، لكنها شددت في المقابل على أن ضمان هذا الحق مسؤولية مشتركة يتحملها القضاء أيضاً. وقالت إن تجاهل الدفوع المرتبطة بالخروقات المسطرية يفرغ الحق في الدفاع من مضمونه ويحوّله إلى مجرد حضور شكلي يهدف إلى إضفاء مظهر المحاكمة العادلة دون تحقيق مضمونها. وأوضحت بوجعرة أن من أبرز الإشكالات التي سجلها الدفاع ما اعتبرته غياب تكافؤ بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع، إلى جانب المساس بمبادئ أساسية مثل قرينة البراءة ومبدأ الشك يفسر لفائدة المتهم. وأضافت: "في هذه الملفات انقلب عبء الإثبات عمليا، فأصبح الدفاع مطالبا بإثبات البراءة بدل أن تتحمل النيابة العامة عبء إثبات الإدانة"، معتبرة أن الاعتماد شبه التلقائي على محاضر الضابطة القضائية رغم ما يعتريها من اختلالات يمثل نقطة مركزية في هذا الخلل. وتحدثت كذلك عن حالات قالت إن وثائق أضيفت فيها إلى الملفات في مراحل متأخرة، مشيرة إلى أن الدفاع لم يُمكّن منها في المراحل الابتدائية، وهو ما وصفته بأنه "خرق لضمانات المحاكمة العادلة وللحق في الدفاع وقد يستوجب المساءلة القانونية". وشددت مرة أخرى على أن هذه الملاحظات تندرج في إطار "انتقاد أداء قضائي في ملفات محددة" وليس التشكيك في القضاء كمؤسسة. وفي تقييمها لمآلات هذه المسارات، اعتبرت بوجعرة أن ما وصفته بالصيرورة الممتدة من التوقيف إلى الحكم أدت إلى صدور أحكام "جد قاسية بنيت على محاكمات غير عادلة"، مضيفة أن هذه الأحكام اتسمت بطابع نمطي في القسوة وعدم مراعاة الفوارق الفردية بين المتابعين. وقالت إن "مبدأ تفريد العقوبة لم يُحترم بالشكل الكافي، إذ صدرت أحكام متقاربة رغم اختلاف الظروف والملابسات لكل متهم". وأشارت إلى أن النتائج لا تقتصر على العقوبات السالبة للحرية، بل تمتد إلى التأثيرات الاجتماعية والمهنية والدراسية على الشباب وعائلاتهم، موضحة أن هذه الأحكام "ستؤثر على مسارهم الدراسي والمهني وعلى استقرار أسرهم"، وهو ما يضاعف من كلفة المتابعات القضائية على المدى البعيد. وختمت مداخلتها بالتأكيد على أن الدفاع سيواصل إثارة هذه الاختلالات في مختلف المراحل والمسارات القانونية، معتبرة أن الهدف هو ضمان احترام معايير المحاكمة العادلة وحماية الحقوق الدستورية للمواطنين.