تطرح برمجة القناة الثانية "دوزيم" لأربعة مسلسلات تركية خلال شهر رمضان 2026 أكثر من سؤال، وهي التي دأبت منذ سنوات طويلة على السعي في سباق محموم ومنافسة قوية لتقديم الإنتاجات الدرامية المغربية وحصد المشاهدات، وفجأة، تتخلى عن السباق بدون سابق إنذار. وهذه المسلسلات التركية هي: "هاديك حياتك"، ومسلسل "عائلتي"، ومسلسل "الأمانة"، ومسلسل "خيوط القدر"... مما يطرح أكثر من علامة استفهام كبرى. فما هو صلب الحكاية؟ بين القوة الناعمة والتسويق العاطفي أضحت الدراما التركية ظاهرة ملفتة للنظر، قادمة من تركيا بوصفها أكثر من مجرد نجاح تلفزيوني عابر، وهي تعبر عن مشروع ثقافي واسع التأثير يعتمد على الترجمة الكثيفة والتوزيع العالمي واستهداف جماهير تبحث عن الخلاص العاطفي في زمن القلق الاجتماعي. وتظهر في نبرة تجمع بين الإعجاب بالقدرة الإنتاجية والقلق من الأساليب التسويقية التي تجعل هذه الأعمال قريبة من الفئات الهشة نفسياً واجتماعياً. والسؤال: هل تحاول القناة الثانية الاقتراب أكثر من فئات هشة نفسية واجتماعية؟ ولعبت المنصات الرقمية العالمية، وعلى رأسها Netflix، دوراً حاسماً في توسيع حضور هذه الأعمال خارج حدودها الأصلية. واللافت أن الخوارزميات الحديثة لا توزع المسلسلات فقط، وإنما تعيد تشكيل ذائقة الجمهور أيضاً. وحين تُترجم الأعمال إلى عشرات اللغات وتُقدَّم في سياقات مختلفة، تصبح القصص المحلية قابلة للتحول إلى منتج عالمي قادر على إثارة التعاطف لدى جمهور واسع، خصوصاً أولئك الذين يعيشون حالات هشاشة اقتصادية أو عزلة اجتماعية. وهل هذه الأسباب وفهمها تجعل القناة الثانية تتخلى عن الإنتاجات الدرامية المغربية لصالح الدراما التركية؟ وهم الحميمية تكمن قوة هذه الدراما التركية في قدرتها على خلق "وهم الحميمية". ويلاحظ المتتبع لهذه الدراما أن السرد يعتمد غالباً على علاقات عاطفية متطرفة، وعلى شخصيات تعيش صراعات أخلاقية حادة، وهو ما يجعل المشاهد يشعر بأنه يجد في هذه القصص عزاءً أو بديلاً عن واقعه. غير أن هذا التأثير نفسه يثير تساؤلات حول الحدود بين الترفيه والتلاعب العاطفي. والسؤال: ما هي تكلفة التلاعب العاطفي من قبل القناة الثانية بجمهور واسع من المغاربة؟ ومقابل ماذا؟ ولا يُنظر إلى نجاح الدراما التركية في الأسواق الدولية بشكل بريء من الحسابات السياسية والاقتصادية لهذا المنتوج الدرامي. وتعمل هذه المسلسلات المترجمة بنكهة محلية (على سبيل المثال الدارجة المغربية) أحياناً كقوة ناعمة تعيد تقديم صورة مثالية للمجتمع، حيث تختلط الفخامة التاريخية بالرومانسية المفرطة وبأسلوب حياة يبدو أكثر انسجاماً مما هو عليه في الواقع. مما يؤكد أن الجمهور العالمي، خصوصاً في مناطق تعاني اضطرابات اجتماعية، كحالة الجمهور المغربي، قد يجد في هذه الصورة ملاذاً نفسياً. وتُسوَّق بها بعض الأعمال عبر ترجمات متعددة ونسخ مدبلجة مصممة خصيصاً لأسواق معينة مثل الحالة المغربية. ويلاحظ أن الترجمة لا تكون دائماً نقلاً حرفياً للنص، وإنما إعادة صياغة ثقافية تهدف إلى تعظيم التأثير العاطفي. وهنا تتحول اللغة إلى أداة تسويق، إذ يُعاد بناء الحوار ليصبح أكثر قرباً من حساسيات الجمهور المحلي. وتكمن بنية الحكاية في هذه المسلسلات التركية في أن السرد يعتمد على إيقاع طويل ومكثف يسمح بتضخيم المشاعر. وتظهر الشخصيات غالباً في حالة صراع دائم بين الحب والخيانة والسلطة والقدر. ويشير البعض إلى أن هذا الأسلوب يخلق علاقة إدمان بين العمل والمشاهد، بمتابعات جماهيرية مكثفة كما هي حالة القناة الثانية مع بعض المسلسلات التركية التي تخطت عتبة أكثر من 2000 حلقة ومواسم متعددة، حيث تصبح الحلقة التالية ضرورة نفسية أكثر منها خياراً ترفيهياً. ويعتمد نجاح الدراما التركية على نجاح مسلسلات تاريخية مثل "قيامة أرطغرل"... بوصفها مثالاً على كيفية تحويل التاريخ إلى مادة درامية ذات تأثير عالمي. وهذا النوع من الأعمال لا يقدم الماضي فقط، بقدر ما يعيد تشكيله بطريقة تمنح المشاهد شعوراً بالبطولة والانتماء. غير أن البعض يحذر من أن هذه المعالجة قد تختزل التاريخ في سرديات مبسطة يسهل استهلاكها. اقتصاد التعاطف يرتكز البعد الاجتماعي لهذه الظاهرة على أن الجماهير الأكثر انجذاباً إلى هذه الأعمال، ومنها الجمهور المغربي بطبيعة الحال، هي تلك التي تبحث عن قصص واضحة أخلاقياً في عالم أصبح شديد التعقيد. فالشخصيات في كثير من هذه المسلسلات تبدو أكثر حدة في الخير والشر، وأكثر وضوحاً في الحب والكراهية. وهذا الوضوح يمنح المشاهد شعوراً بالراحة النفسية، لكنه في الوقت نفسه قد يعزز رؤية مبسطة للعالم. ويتحدث بعض الباحثين في الإعلام الأمريكي عما يسمونه "اقتصاد التعاطف". ويقصد به صناعة درامية تعرف بدقة كيف تلامس نقاط الضعف لدى الجمهور. فالموسيقى المؤثرة، واللقطات الطويلة للوجوه، والحوارات المفعمة بالاعترافات، كلها عناصر تعمل معاً لصناعة تجربة عاطفية كثيفة. ويشير النقاد إلى أن هذا الأسلوب ناجح تجارياً لكنه يثير أسئلة حول مسؤولية المنتجين تجاه الجمهور. وهذه المسلسلات التركية المقدمة في شهر رمضان 2026 لها نفس الخصائص وذات الصفات. فما الغاية إذن من برمجتها بهذه الكثافة وفي أوقات الذروة؟ وهناك اعتراف واضح بمهارة الصناعة التركية، إذ يشيد كثير من الكتّاب والنقاد وصناعها والمطلعين على أعماقها... بجودة التصوير، وبالقدرة على بناء عوالم درامية واسعة، وبحضور ممثلين يتمتعون بكاريزما قوية. لكن هذا الإعجاب غالباً ما يأتي مصحوباً بتحفظات تتعلق بكيفية تصدير هذه الأعمال إلى العالم، وبالطريقة التي تُقدَّم بها كبديل عاطفي لجماهير تشعر بالتهميش أو الوحدة. وتكمن خطورة الدراما التركية في عنصر الترجمة تحديداً، حيث أن النص الأصلي حين ينتقل من اللغة التركية إلى لغات أخرى يفقد جزءاً من سياقه الثقافي، لكنه يكتسب في المقابل قابلية جديدة للتأثير. كما هي الحالة حينما يترجم في السياق المغربي وبالدارجة المغربية، خصوصاً، ليكون أكثر اقتراباً من نفسيات المغاربة. وتدرك شركات التوزيع هذه الحقيقة جيداً، ولذلك تعمل على صياغة الترجمات بطريقة تجعل الرسالة أكثر مباشرة وأقل تعقيداً. وهكذا تتحول القصة المحلية إلى خطاب عالمي سهل الاستهلاك. الدراما المبهجة والأسئلة المعلقة تشبه هذه الظاهرة ما حدث سابقاً مع المسلسلات اللاتينية أو الكورية، حيث تنتشر هذه الأعمال بسرعة هائلة ثم تصبح جزءاً من الثقافة الشعبية العالمية. غير أن الدراما التركية تتميز بقدرتها على الجمع بين الفخامة الإنتاجية والسرد العاطفي التقليدي، وهو مزيج يضمن لها جمهوراً واسعاً. ولا تكمن المشكلة في الدراما نفسها، وإنما في النظام الإعلامي الذي يضخمها ويسوقها بذكاء شديد. فحين تتحول القصص إلى سلعة عالمية، يصبح الهدف الأساسي هو الحفاظ على انتباه المشاهد أطول وقت ممكن. وهنا تدخل عناصر الترجمة والتوزيع والترويج في لعبة معقدة تتجاوز حدود الفن، وكذلك اختيار أوقات توقيتها كما تفعل القناة الثانية. فما الرهان إذن؟ وما الغاية من ذلك؟ والسؤال الحقيقي لا يتعلق لماذا يحب المغاربة هذه المسلسلات، وإنما لماذا يحتاجون إليها إلى هذا الحد؟ ففي عالم تتزايد فيه العزلة والضغوط الاقتصادية، تبدو الدراما العاطفية ملجأً مؤقتاً يمنح المشاهد إحساساً بالانتماء. ومع ذلك يظل النقاش مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الظاهرة مجرد موجة ثقافية عابرة أم علامة على تحولات أعمق في علاقة الجمهور بالتلفزيون والخيال، وكيف تستغلها بعض القنوات ومن ضمنها القناة الثانية... مع بقاء الأسئلة معلقة على أن تقدم القناة توضيحات شافية للمواطن المغربي.