لا شكّ أن "مجلس السلام" الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويترأسه شخصيا، عنوان مرحلة جديدة في هندسة التوازنات الدولية، وليس مجرد مبادرة ظرفية لاحتواء توتر عابر. فالمبادرة، في عمقها، تسعى لتكون تحولا جيوسياسيا يعيد ترتيب انتشار القوة الأمريكية على رقعة العالم، وخاصة فيما يُسمى الشرق الأوسط، ويؤكد أن الولاياتالمتحدة، رغم كل الحديث عن صعود قوى أخرى، ما تزال الفاعل الأكثر تأثيرا في تحديد إيقاع التحالفات ومسارات النزاعات. قد تتبدل الأساليب، وتتغير الأدوات، لكن الولاياتالمتحدةالأمريكية، ما تزال القوة المتحكمة في مفاصل النظام الدولي، سواء عبر القوة الصلبة، أو عبر هندسة التحالفات والمؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة المبادرة لا تكون بمعزل عن السياق الاستراتيجي الذي تسعى فيه واشنطن إلى إعادة تثبيت حضورها القيادي في عالم يتجه نحو مزيد من السيولة وعدم اليقين. في هذا المشهد المتحرك، اختار المغرب اصطفافه التقليدي بخلفية محافظة، منسجما مع ثوابته في السياسة الخارجية، بحيث لم يندفع وراء الحماسة التي قد تُظهرها بعض الأصوات الطارئة التي تدعي الحديث باسم المصلحة الوطنية عبر إعلام مشبوه التمويل، أو التي تظهرها هيآت تستند إلى الجماهير غير المؤطرة بما يكفي، ولم يغامر المغرب بموقعه، بل عمل بمقولة "طائر في اليد خير من عشرة على الشجرة". فالدبلوماسية المغربية، كما راكمت خبرتها عبر عقود، محافظة بطبعها، لا تجنح إلى المغامرة، وبطيئة التفاعل مع التحولات الفجائية، وفي هذا إدراك بأن السياسة الدولية ليست سباقا للسرعة، بل اختبارا لطول النفس وحسن التموقع، وذلك وفق ما تسمح باستنتاجه الكتب التي وثقت للدبلوماسية المغربية، ومنها "التاريخ الدبلوماسي للمغرب" للراحل عبد الهادي التازي. وما يمكن وصفه بالحذر في اتخاذ المواقف، لا يبدو ضعفا للدبلوماسية المغربية، بقدر ما هو تعبير عن رؤية تعتبر أن الاستقرار قيمة عُليا، وأن المكاسب الاستراتيجية لا تُبنى على ردود الفعل، بل على حسابات دقيقة للمصالح. وهكذا يُفهم انخراط المغرب في مجلس ترامب للسلام، وحضوره في اجتماعه الأول، ممثلا بوزير الخارجية، ويُفهم كذلك أن الانخراط الذي أعلنه بلاغ الديوان الملكي الصادر في 19 يناير 2026، سيكون انخراطا مشروطا، مرتبطا بلعب دور محدد في القضية الفلسطينية، دور ينتصر للسلام العادل، ويجدد الالتزام بحل الدولتين، وبالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. بهذا التموضع، قد يربح المغرب أكثر من ورقة، فهو يعزز صورته كشريك موثوق به لدى حلفائه التقليديين، وكبلد لا تغيره رياح التحولات مهما كانت عاتيّة، ولا يتخلى عن ثوابته تحت ضغط اللحظة، كما يضمن، في الوقت ذاته، استقرار الموقف الدولي من قضية الصحراء المغربية، عبر الحفاظ على شبكة تحالفاته الأساسية وعدم تعريضها لاهتزازات غير محسوبة. إن الرهان المغربي ليس على مكسب دعائي عابر مدرّ للمشاعر، بل على تثبيت موقعه في معادلة دولية شديدة التعقيد، فالمشاركة المشروطة في مجلس السلام تمنح المغرب هامش تأثير في ملف حساس كالقضية الفلسطينية، دون أن تضعه في مواجهة مع شركائها الاستراتيجيين، وهي في الحقيقة، استراتيجية لتجنب الارتدادات المحتملة لأي تحول دولي عنيف، قد يعصف بتوازنات المنطقة ويعيد خلط الأوراق بشكل مفاجئ. هكذا يواصل المغرب نهجه الدبلوماسي التقليدي المرتكز على الحذر المحسوب، والاصطفاف الواضح، والحرص على ألا تتحول التقلبات الدولية إلى مقامرة بمصالحه العليا، إذ في عالم يتغير بسرعة، يبقى الثبات المدروس أحيانا أكثر فاعلية من الاندفاع وراء العواطف والعواصف. وهذه الملاحظات والاستنتاجات، ليست دعاية للموقف الرسمي، بقدر ما هي محاولة لتفسير موضوعي لموقف الدبلوماسية المغربية إزاء الأحداث الجارية في سياق التحولات الجيوسياسية التي يعرفها العالم، وارتباطها بالمرحلة التي دخلتها قضية الصحراء المغربية، التي كيف ما كان تقييم الفاعلين في الداخل، تبقى موضوع توافق دولي، وليس مجرد حسم داخلي، ما يعني أن تقييم هؤلاء الفاعلين يجب أن يصب في الاستراتيجية الوطنية لتدبير القضية، لا أن يكون عنصر إرباك أو تشويش يمكن استغلالهما ضد المغرب.