منذ مدة، يتعرض حزب الاتحاد الاشتراكي وقيادته لهجوم مسعور لا مبرر له سوى إنكار الحقيقة، والسعي المحموم نحو إعلاء محورية الذات؛ وذلك في إطار البحث عن مصالح شخصية ضيقة، تتأرجح بين ما هو مادي وما هو معنوي. ولأن كشف الحقيقة يستوجب الصراحة، فإن مقتضاها يحتم القول بأن أغلب أولئك المنتقدين قد استفادوا سابقا من الحزب، ولما انقطع حبل المصلحة، ارتموا في أحضان هذا النقد الهدام. أولا وقبل كل شيء، الكل يعرف بأن الاتحاد الاشتراكي حزب وطني نابع من داخل المجتمع، وهو امتداد لتراكم نضالي ارتبط بالدفاع عن الديموقراطية والعدالة الاجتماعية منذ ستينيات القرن الماضي . ثانيا، أن النقد السياسي حق مشروع بل هو ضروري لتطوير الأداء الحزبي، لكن بشرط أن يكون نقدا بناء إيجابيا، قائما على التحليل الموضوعي العلمي للمعطيات الواقعية، فالنقد شيء محمود، أما التشويه فهو فقط، لعبة المراهقين في عالم السياسة. ثالث، أن القيادة الحزبية الحالية هي نتاج مسار تنظيمي ديموقراطي، ومن يعترض ما عليه سوى تقديم بديل سياسي من داخل المؤسسات وليس خارجها، وليس بواسطة حملات التشويه التي تنقص من قيمته هو بدل أن تعطيه المصداقية. والآن أتساءل: ما هو البديل الاجتماعي السياسي الذي يقترحه هؤلاء ؟ في نظري، إنه التيه في عوالم الظلام؛ إذ تفتقر هذه الفئة لآفاق واضحة، مكتفيةً بالانسياق خلف موجة النقد الهدام التي أضحت 'موضة' سياسية في بلادنا، لا سيما بعد تبخيس العمل الحزبي من لدن جهات معلومة، ثم إن ما هو مؤكد، أن الاتحاد الاشتراكي وقيادته لم يخرجا أبدا عن خط الحزب، بل هؤلاء الغافلون هم الذين لم يستطيعوا استيعاب التطورات الحادثة داخل المجتمع . ثم متى كان الاتحاد الاشتراكي حزبا جامدا أو عقائديا منغلقا ؟ هل نسي هؤلاء بأنه كان دائما حزبا متفاعلا مع تحولات المجتمع الداخلية ومع التحولات الإقليمية والدولية؟ هل نسوا كيف عاش مرحلة المعارضة الراديكالية في سنوات الرصاص، سنوات الستينيات والسبعينيات، وكيف انتقل إلى تجربة التناوب التوافقي في أواخر التسعينيات (1998)، والتي عارضها الكثيرون من داخله، وانشقوا وحاولوا تأسيس البديل دون نتيجة تذكر ؟ ومعنى ذلك أنه كان، باستمرار، حزبا يعيد صياغة أدواته، دون أن يتخلى عن مبادئه الأساسية، وأولها وجوهرها هو الديموقراطية، وما يرتبط بها من عدالة اجتماعية، ودولة الحق والقانون والتحرير والاشتراكية . من هنا وتبعا لكل هذا، يجب التمييز بين المرجعية وبين أساليب العمل. المرجعية ثابتة وهي الاشتراكية الديموقراطية، أما أساليب العمل والتحالفات والتموقع السياسي فهي تخضع دائما لميزان القوى ولتحولات المجتمع. وهذا التمييز هو ما يغفل عنه هؤلاء، فيخلطون بين الهوية السياسية والاجتهاد السياسي . وأما عن تحولات المجتمع المغربي فلا أحد ينكر التغيرات العميقة التي وقعت في بنيته، ومنها على وجه الخصوص : -توسع الطبقة الوسطى، وتراجعها في نفس الوقت، تحت ضغط الاقتصاد الليبرالي . -انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وأثرها في تضليل الوعي السياسي خاصة لدى الشباب، وما نتج عن ذلك من عزوف عن التصويت، أثر بشكل مباشر على تشكيل الخريطة السياسية في البلاد . – هذا بالإضافة إلى ظهور قضايا جديدة مثل الرقمنة والذكاء الاصطناعي. – وكذلك انتشار وسيطرة الفكر الليبرالي، في جانبه الربحي، بدون اعتبار للقيم الإنسانية التي تتمحور حول الكرامة . إنها تغيرات عميقة جدا تركت آثارها الواضحة على التفكير والممارسة السياسية، ونتيجة لكل هذه التغيرات، فإن القيادة الحزبية اليوم لا يمكن أن تخاطب المجتمع بلغة السبعينيات، بل هي مضطرة لجعل خط سيرها قابلا لكي يكون محايتا منسجما مع نبض اللحظة القائمة، دون الخروج عن جوهر الفكر الاشتراكي الديموقراطي. إننا في الاتحاد الاشتراكي نؤمن بالتغيير المؤدي إلى التطور على مستوى خط تصاعدي يسير إلى الأمام، ولذلك فكل برامجنا وتقاريرنا ومنتوجاتنا الفكرية في المؤتمرات الوطنية، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الشبيبي أو النسائي تؤكد ذلك، وما على الناكرين سوى بذل مجهود بسيط قصد الاطلاع عليها من أجل الاقتناع . لذلك فهل من الواجب أن يبقى الحزب أسير الماضي أم لا بد له من الانطلاق نحو المستقبل ؟ ثم لا شك أن الأحزاب التي لا تتطور تموت سياسيا، وهذا هو قانون الوجود أي الصيرورة الدائمة. ولذلك أيضا، فإن أقوال هؤلاء مرفوضة، لكونها فارغة من الدلالة والمعنى، وإن عبرت عن شيء فإنما تعبر عن الابتعاد عن الواقعية السياسية المطلوبة، وبالتالي عن انعدام الجرأة، من أجل ممارسة الاجتهاد، الذي هو ركيزة العمل السياسي . ومن هنا أيضا، لا يجب تلخيص الحزب في أشخاص، بل في المشروع الذي يتكون من مضمون وشكل، المضمون هو الجوهر الذي أشرنا إليه سابقا، والشكل هو أدوات العمل المتماهية مع اللحظة الآنية ( كما قلنا سابقا أيضا )، والاتحاد الاشتراكي كان دائما حزب التجديد والاجتهاد أحب من أحب وكره من كره .