بعد مرور أربعين يومًا من الحرب بين إيران والكيان الصهيو-أمريكي، أعلن الرئيس الأمريكي وقف الحرب لمدة أسبوعين. ووفق هذا المعطى—وبحسب تقديري—لا يمكن تفسير هذا الإعلان إلا بوصفه اعترافًا ضمنيًا بفشل الآلة العسكرية في تحقيق أهدافها التي كانت قد أُعلنت في بداية المواجهة، بل وحتى في بداية الإعلان عن الحرب ومبرراتها على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي المقابل، برز أمام المتابع ما يجري في منطقة الشرق الأوسط من قوة محور المقاومة بقيادة إيران، بوصفها خيارًا استراتيجيًا قائمًا على الردع والصمود. كما أن صاحب القضية—في هذا المنطق—منتصرٌ لا محالة على المغتصب والمعتدي. وليس النصر عبر التاريخ أمرًا يولد بالصدفة؛ بل هو حصيلة تفاعل عوامل متعددة، يقف وراءها رجال ونساء وشخصيات وطنية وحقوقية ومدنية وأكاديمية وسياسية وعسكرية. انتصرت إيران بصمودها في وجه أعتى قوة في العالم؛ إذ أفشلت خطط تحالف دولي مجرم، وتكالب قوى إقليمية جبانة. وما تحقق الليلة من يوم الأربعاء 08 أبريل 2026؛ ليس مجرد حدث عابر، وإنما هو اعتراف بقوة دولة عاشت أكثر من أربعين عامًا تحت الحصار والشيطنة المتواصلة من بعض الجيران الذين أنفقوا من الأموال ما لا يقدر بثمن، وسخروا من إعلامهم لتحقيق شيطنتهم على أرض الواقع، ولتبرير أسباب وجوب الحقد و الكراهية على الدولة الفارسية. ورغم الألم الذي عاشته هذه الأخيرة، وما تعرّضت إليه قيادتها من اغتيالات واعتداءات، فإن ما يبعث على الأمل هو قدرتها على الصبر، وإدارة المعركة باقتدار وذكاء. إن النصر الذي تعيشه الدولة الفارسية اليوم هو نصرٌ مشترك؛ وحق لنا أن نتقاسم فرحته مع الأطراف التي ساهمت فيه و في كتابة فصلٍ جديد في تاريخ المنطقة. وفي اعتقادي أن هذه الأطراف هي: أولا؛ الشعب الإيراني بكل أطيافه، الذي صبر وصمد ضد الآلة العسكرية الصهيو-أمريكية، وواجه الضغوط والمؤامرات دون أن ينهار. لقد كان الشعب هو الأساس المعنوي الذي منح الدولة القدرة على الاستمرار، وجعل أي مشروع عدواني يصطدم بواقع اجتماعي متماسك. ثانيا؛ القيادة السياسية والإعلامية التي كانت حاضرة بفاعلية في إدارة المعركة السياسية والتفاوضية والإعلامية. فلم تترك الساحة لخطابٍ وحيد، ولم تبقَ المجال فارغًا أمام إعلامٍ مسيّس أو روايات معادية تسعى لتشويه الحقائق. بل كان الحضور السياسي والإعلامي قويًا بهدف تفنيد الرواية العدائية التي استهدفت مقدرات الشعب الإيراني، والعمل على تحصين الرأي العام. ثالثا؛ المعارضة السياسية التي تعالت عن الحسابات الضيقة، وجعلت المصلحة الوطنية أولويةً أولى. فقد ساهمت عبر مواقفها وتصريحاتها وحضورها في الساحات الاحتجاجية من رفع مستوى التعبئة الشعبية، ودفع الناس إلى مواصلة النضال، وتأكيد الوقوف—سياسيًا وإعلاميًا—إلى جانب معادلة الصمود في مواجهة الاستكبار العالمي. رابعا؛ القيادة العسكرية التي أعدّت العدة وبذلت جهدًا معتبرًا ومحترمًا لهذه اللحظة التاريخية. ولأن لكل مجتهد نصيبًا، فإن هذا الإنجاز يمثل—أيضًا—تتويجًا لمسار طويل من الاستعداد، وترتيب الأولويات، والتخطيط الاستراتيجي العسكري الذي ينبغي صونه وتطويره داخل المؤسسات العسكرية وفق دروس المرحلة. خامسا؛ محور المقاومة: ونقصد به فصائل المقاومة في الضاحية الجنوبية والعراق واليمن. لقد انخرط هذا المحور بقوة للحد من التوسع "السرطاني" الصهيوني، ووقف تمدده في المنطقة العربية وبالشرق الأوسط، عبر مقاومةٍ نوعية وإصرارٍ على إفشال محاولات الهيمنة والاحتواء. سادسا؛ بالإضافة إلى محور المقاومة، لا ينبغي أن نغفل دور التحالف الإيراني الذي يجمع بين روسيا والصين وكوريا. لا شك أن هذا التقارب/التحالف ساهم في إفشال عدد من المخططات الصهيو-أمريكية في المنطقة، وساعد إيران على إعادة رسم ملامح جديدة ليس داخل الشرق الأوسط فقط، بل—ضمن سياق التحولات—في ملامح النظام العالمي الجديد. وبناءً على ما سبق، لا يجب أن ينسينا إعلان وقف إطلاق النار ما حدث في غزة؛ عندما تم الاتفاق على مجموعة من الشروط والتزم بها الطرف المقاوم، وفي المقابل انقلب الكيان الغاصب على الاتفاق وضرب الوساطة العربية والأمريكية، بعد أن "تحرر" ما تبقى له من أسرى الحرب—وفق رواياته—ثم سعى بعد ذلك نحو نسف الاتفاق وخرق بنوده. وهنا نخشى أن يتكرر السيناريو نفسه مع إيران: أن يتم الانقلاب على ما تحقق، أو إعادة المناورة لالتقاط مكاسب سريعة بدل تثبيت نتائج النصر. لذلك، فإن انعدام الثقة في الكيان المجرم—بحسب ما نراه—يظل عقيدةً صحيحة ينبغي التمسك بها، حتى لا نترك له فرصة تجميع أوراقه وترتيب أفكاره، بعد حالة ارتباك التي عاشها طيلة الحرب، و قد ظهرت ملامحها على وجه من خلال التصريحات المرتجلة والمرتبكة أدى قيادته السياسية و العسكرية و الرسمية، كما ظهرت أيضًا عند حليفه وشريكه في القتل والدم، وبدت واضحة ؛ من خلال التعبيرات الشعبية والتصريحات الرسمية للدول الممولة للحرب التي لم تتوقع حجم الاستهداف لقواعد حليفها الذي وعدها بالحماية… وفي النهاية علم الجميع أن هذه الحماية ماهي الا مناورة بئيسة كان الغرض منها الدفاع عن الكيان فقط وجني الأموال واستنزاف المنطقة تحت مسمى الدفاع عن الأمن المنطقي. على سبيل الختم والايجاز. إن نشوة الانتصار لا ينبغي أن تقود الشعب والقيادة والنخب السياسية والحقوقية والإعلامية إلى الاستسلام للذة الفرح ومتعة الإنجاز بتعبير ماكيلاند. بل ينبغي—في الوقت نفسه—تحويل هذا الشعور إلى وقودٍ حذر ومراجعة مستمرة، مع تغليب كفة اليقظة، وإبقاء "الجهوزية" (ونقصد بها: اليقظة/الاحتراز من مباغتة العدو) حاضرة بقوة لمواجهة أي اعتداء خارجي. كما ينبغي تحصين القيادة الإيرانية وحمايتها من أي اغتيال مفاجئ. فالمؤمن—بنص الحكمة النبوية—لا يلْدغ من الجحر مرتين. لا بد من قراءة هذا الحدث بعين الخبير وبرؤية استباقية لمآلات الأيام: إما أن يكون وقف إطلاق النار مجرد استراحة محارب تليها جولات أخرى حتى تُستكمل الأهداف القريبة والبعيدة، وإما أن يتجه المسار إلى سلام دائم بعد تحقيق كامل النتائج المراد تحقيقها منها ردع العدوان وإزالة جذوره ومسح وجوده من الدولة الفلسطينية المحتلة والمنطقة العربية المستعمرة.