بالصور.. النجمة رؤيان تطرح أغنية “بريما دونا”    عملية انتقاء وادماج فوج المجندين ستنطلق الاثنين المقبل وستشمل 15 ألف مستفيد    رجال سلطة جدد على رأس ثلاث مقاطعات إدارية بالقصر الكبير    مسيرو مطاعم ووحدات فندقية بأكادير: هناك حملة تسيء للقطاع السياحي    قوانين كرة القدم الجديدة تحرم السيتي من فوز متأخر على توتنهام    إجتماع تقني في الدارالبيضاء لحكام التصفيات الأولية المؤهلة لدور ال32 من كأس "محمد السادس" للأندية الأبطال    اندلاع النيران في حافلة للمسافرين    تشكيل “لجنة حكماء” بالجزائر من 41 شخصية    "محمد احاتارن" موهبة كروية من اصل حسيمي يتألق في هولندا    الدكالي يبحث مع نظيره الصيني في بكين تعزيز التعاون في المجال الصحي بين المغرب والصين    الآلاف يخرجون في مسيرة الأرض بأكادير ضد الرعي الجائر    الرجاء تعادل مع يوسفية برشيد قبل مواجهة بريكاما    اتفاق تاريخي في السودان.. توقيع وثائق الفترة الانتقالية بين العسكر وقوى التغيير    ترتيبات مكثفة لإحداث مؤسسة الخطيب    أودت بحياة أم العريس وشقيقه.. حادثة سير تحول حفل زفاف إلى مأتم    شفشاون.. تسجيل الإنتحار رقم 26 والضحية ثمانينية    سواريز يقضي فترة نقاهة بمدينة طنجة- صور    ثورة الملك والشعب    تصعيد أميركي جديد.. واشنطن تأمر بمصادرة ناقلة النفط الإيرانية    ‪ الركلاوي ينضم للمغرب التطواني قادما من هولندا    الريال بعشرة لاعبين يقسو على سلتا فيغو بثلاثية في الدوري الإسباني    أَيْمُونَا اليهودية قبل مغادرة الدنيا    تراجع المداخيل الضريية المتعلقة بعبور الغاز الجزائري التراب المغربي ب42 في المائة    توقعات الأرصاد الجوية لطقس يوم غد الأحد    الأمثال الشعبية المغربية وشيطنة المرأة    أمينوكس يبحث عن العالمية رفقة ريدوان    80 سنتيمترا.. تركيان شارباهما كجناحي طائر    حمد الله حالة استثناىية أجل وحيد مناقشتها    هجوم حوثي يتسبب في اندلاع حريق في منشأة نفطية سعودية    الفنانة سميرة سعيد تكشف للمرة الأولى سبب انفصالها عن الموسيقار هاني مهنا (فيديو)    حجز مواد غذائية « بيريمي » داخل محل تجاري بدون رخصة ببرشيد    ياسمين صبري تتحضر لمشروع فنيّ يُعيد السيرة الذاتية ل “مارلين مونرو الشرق”هند رستم    استئناف الرحلات الجوية في مطار سبها بجنوب ليبيا بعد 5 أعوام من إغلاقه    « توفي ضاحكا ».. رحيل النجم السينمائي بيتر فوندا    تحليل نفسي: علاقة الانتحار والأمراض النفسية مع المناسبات الدينية؟    ألماس “بعمر القمر” يكشف أسرارا غامضة عن الكرة الأرضية    مقدم دار وديكور للملك: الله يرحم الوالدين بغيت الجنسية المغربية    فيفي عبده تتعرض للتسمم بسبب مأكولات جاهزة    كونفدرالية صيادلة المغرب: لا وجود لدواء الغدة الدرقية بالصيدليات    طيران الاحتلال الإسرائيلي يقصف مواقع متفرقة في قطاع غزة    أسلاك الكهرباء تحول مواطنا إلى جثة متفحمة ضواحي تيزنيت كان بصدد تركيب مصباح للإنارة العمومية    « لن أتخلى أبدا » يحصد 5 ملايين ويحتل الصدارة    نسبة ملء حقينة السدود ترتفع بالحسيمة و أقاليم الجهة    “الفلاحة” تؤكد أن عملية الذبح مرت في ظروف جيدة وتُشيد ب”أونسا” قالت إنه خلال هذه السنة تم فحص حوالي 3905 سقيطة    اتهامات بارتكاب مجزرة في حق الثروة الحيوانية بالمغرب..خليجيون يصطادون 1490 طائر سمان في يوم واحد    نقابيو UMT يحتجون مطالبة باسترجاع مقر النقابة بواد زم    تنقذ حياة شريكها من مسافة 22 ألف كيلومتر    النواة الأولى لبداية مهرجان السينما بتطوان    أخبار الحمقى والمغفلين من حماقات جحا    نسبة ملء حقينة السدود ناهزت %57 بجهة طنجة -تطوان -الحسيمة    ارتفاع صاروخي في أثمنة المحروقات بأغلب محطات طنجة و تطوان    هذه حقيقة منع استعمال دواء “سميكطا” الخاص بمعالجة الإسهال في المغرب    وزراة الفلاحة: برنامج عيد الأضحى مكن من مرور عملية الذبح في ظروف جيدة    هل عيد الأضحى كبير حقا؟ !    منظمة الصحة العالمية.. وباء الحصبة يغزو العالم    نظرةٌ حول أزمةِ الحوار في المجتمع    هل عيد الأضحى كبير حقا؟ !    قصة مصري أدى صلاة العيد فوق دراجته.. وفاته إشاعة ويعاني من التهاب المفاصل منعه من السجود والركوع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أسد الريف كما لم تعرفوه من قبل
«المساء» تنفرد بنشر مذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي بخط يده
نشر في المساء يوم 18 - 02 - 2013

تنجز «المساء» هذا الملف بالتزامن مع الذكرى الخمسينية لرحيل محمد بن عبد الكريم الخطابي. ولا شكّ أن الكتابات التي حايثت تاريخ الرجل ومقاومته الاستعمارَ الأجنبي ومواقفه الجريئة من الاستقلال و
قضايا المغرب المُعاصر تظل كثيرة ومتعددة، لكنّ الثابت هو أن الحلقة المفقودة في تاريخ الخطابي هي الجدل المُستعِر حول مصير مذكراته، رغم التطمينات التي تؤكد أنها ما تزال في حوزة العائلة. بطبيعة الحال، فإن ظهور المذكرات سيبدّد الكثير من الغموض الذي لفّ مرحلة تاريخية مهمّة من تاريخ المغرب المعاصر.. لكنّ هذا الملف سيحاول التوقف عند أبرز القضايا التي شغلت بالَ الباحثين والمؤرخين في التجربة الخطابية، مع تعزيزه بنسخ نادرة -تنشر لأول مرة- لمذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي بخط يده.
ويتضمن الملف، إضافة إلى مذكرات الخطابي، وثائقَ جديدة وأخرى قديمة عن تاريخ الرجل، مع إثارة قضايا مهمة، من قبيل حقيقة وجود «الجمهورية الريفية» وعلاقته بالسلاطين المغاربة وكفاحه من أجل دحر الاستعمار وإشكالية الغازات السامّة، التي قصفت بها إسبانيا الرّيفيين في عشرينيات القرن الماضي..
ولئن كانت المصادر التاريخية تسعف، على نحو ما، في فهم بعض جوانب تاريخ الرجل، فإن مذكراته الجديدة ربّما تسعف في مقاربة الكثير من جوانب حياة الرجل دون السقوط في بعض «الكليشيهات» التي تحاصر تاريخه، خاصة التي روّجها الاستعماران الفرنسي والإسباني، من قبيل أنه لا يعدو أن يكون مجرّدَ زعيم قبيلة و«فتان» يريد الإطاحة بالسلطان..
وإذا كان من اليسير تبيُّنُ مواقف مواقف محمد بن عبد الكريم الخطابي من النخبة السياسية المغربية، خاصة أنّ حبلَ الود بين الرجل وقيادات الحركة الوطنية قد انقطع حينما ترأس مكتبَ تحرير المغرب العربي وتباينت الرؤى بينه وبين علال الفاسي، بالخصوص، حول مقاومة الاستعمار، فإنّ قضايا أخرى، من قبيلِ علاقته بالمخزن وشهادته حول حرب الغازات، ما تزال تغري بالبحث التاريخي..
ولا يلبث عبد الله العروي، المؤرخ المغربي، يعبّر عن مثل هذا التناقض الحاصل بين محمد بن عبد الكريم الخطابي والنخبة السياسية المغربية بشكل واضح حينما قال: «رجلان متشابهان، لكنهما مختلفان في آن، يتحدثان لكنْ هل يتفاهمان؟.. على العموم، انتهى شهر العسل بين الرجلين، والذي لم يدم طويلا»، قبل أن يضيف العروي، في موضع آخر، أن «الصراع بين الرجلين صورة حزينة لوعينا» -وإذا كان- فإن علاقة محمد بن عبد الكريم الخطابي بالسلاطين المغاربة بقيّت غامضة حتى في الدراسات التي تناولت هذا الجانب بالبحث والتحليل.. وبناء عليه، سيحاول الملف رصد هذه العلاقة في مختلف المراحل التاريخية التي رافقت الكفاح الوطني ضد الاستعمار.

هل أسس محمد بن عبد الكريم الخطابي جمهورية؟

مولاي موحند كان يطلق على جيشه عبارة «الجيش المراكشي»

ما لا يعرفه كثيرون أنّ المقاومة ضد الاستعمار الإسباني لم تبدأ مع مجيء محمد بن عبد الكريم الخطابي، بل واجهت الغزاة الإسبان في كل محاولاتهم لاختراق تضاريس الرّيف العصية مقاومة شرِسة من لدن الرّييفين.. وقد بدأ هذه المعاركَ الشريف محمد أمزيان، ثم حمل المشعلَ عبد الكريم الخطابي، والد محمد بن عبد الكريم الخطابي.. لكنْ لا بد من استحضار بعض الحيثيات المرتبطة بعلاقة عبد الكريم، والد الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، بالسلاطين المغاربة، فقد عُيِّن الرجل، بمقضتى ظهير شريف، قاضيا للمنطقة، ثم إن الوثائق تثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أنّه كان في تلك المرحلة، ونقصد عشرينيات القرن الماضي، تنسيق واضح بين الطرفين للقضاء على الرّوكي بوحمارة، الذي بدأ يهدّد العرش المغربي.
ولئن كان المخزن قد حاول أن يناور وهو يفاوض القاضي عبد الكريم حول محاربة بوحمارة، بعدما طلب السلطان المغربي إمدادَه برهائن ريفيين كعربون على تسليم بوحمارة ومن معه، إذا تم اعتقاله، فقد فهم عبد الكريم الخطابي جيدا، كما تشير إلى ذلك الوثائق، مقاصد السلطان وفهم «لعبته»، لكنه واجه بوحمارة وحقق كل أهدافه. ولئن عبد الكريم الخطابي قد فهم، كذلك، أنّ السلطان المغربي فقدَ كل سلطاته وصلاحياته على المغرب، فإنه اهتدى إلى تحريض القبائل ضد الاستعمار الإسباني، الذي بدأ يتسلل إلى المناطق الريفية..
حاول الإسبان، بكل الوسائل، حسب المصادر التاريخية، «إغراء» الرّجل وبعثوا إليه مَبالغ مالية «سخية» مقابل توقيف دعوته القبائل إلى محاربة الاستعمار، بيد أن الخطابي رفض هذه الإغراءات، ثم ما لبث الإسبان أن انتقموا منه عبر تسميمه.. بالنسبة إلى الباحثين في أصول علاقة السلاطين المغاربة بمحمد بن عبد الكريم الخطابي، فإن هذه المقدمة ضرورية للتدليل على أنّ العلاقة بين الطرفين كانت مطبوعة بعدة مراحل، لكنّ التوجس كان دائما السمة الأبرَ لتعامل عائلة الخطابي مع المخزن.
مولاي يوسف والخطابي.. علاقة متوترة
جاء الخطابي من مليلية، التي كان أستاذا وصحافيا وقاضيا فيها، إلى أجدير، حاملا معه مشروعه لمواجهة الاستعمار. وبطبيعة الحال فقد عرف، وهو يحتكّ مع الإسبان في مليلية، أن الاستعمار «ملة» واحدة وأنه لا حلّ معه سوى المقاومة المسلحة.. فكر الخطابي مليا واهتدى إلى جمع قبائل الريف، التي لم يكن يجمع بينها الكثير من الودّ، فتُوّجت مجهوداته في سبيل توحيد القبائل بمؤتمر جبل «رقامت» سنة 1921، لتكون تلك الشرارة الأولى لبداية مقاومة الغزاة الإسبان. في هذه المرحلة بالذات، كانت فرنسا قد أحكمت قبضتها على المغرب (منذ سنة 1921) وجعلت السلطان يوقع على الظهائر ويُدعى باسمه يوم الجمعة.. ولم يكن هذا المعطى ليَخفى على «مولاي موحند»، فالدولة أصبحت في مهبّ الريح والمقاومة تحتاج إلى تنظيم دقيق حتى يتم تفادي الأخطاء التي سقطت فيها حركات الجهاد التي اندلعت في كل أنحاء المغرب.
لا يهمنا في هذا الملف أن نتوقف عند حركة «المقاومة المراكشية»، كما يسميها ابن عبد الكريم الخطابي، وما حققته من انتصارات على الجيشين الإسباني والفرنسي في أنوال «إغريبن» و«أدهار أوبران»، لكنْ يهمّنا أن نرصُد موقف السلطان المغربي من حركة المقاومة التي قادها الخطابي.
تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن السلطان مولاي يوسف ساند حركة المقاومة في البداية، لكنْ سرعان ما تغيّر هذا الموقف ليصبح موقفا مضادا لمحمد بن عبد الكريم الخطابي ومقاومته.. اختلفت الروايات التاريخية حول تغيّر موقف مولاي يوسف، بين من يؤكدون أنّ فرنسا كانت لديها اليد الطولى في هذا التغيّر المفاجئ وبين من يؤكدون أن وصف الخطابي من لدن السلطان المغربي ب«الفتّان» ليس مصادفة، على اعتبار أن الرّوكي بوحمارة، الذي كان يهدد عرش السلطان المغربي في مرحلة بعينها، نُعت بهذا الوصف كذلك.. فهل كان مولاي يوسف يعتقد أنّ الخطابي يريد أن يصبح ملكا على المغرب، بينما كان الرجل مشغولا بمحاربة الاستعمار والذود على بلاده؟..
يحيط غموض كبير بإشكالية «الجمهورية الريفية»، ومصدر هذا الغموض هو محمد بن عبد الكريم الخطابي نفسه، فتارة يتحدّث باسم «الجمهورية الريفية» وتارة أخرى يتحدث عن «الحكومة الوطنية»، ومقرها في كل من أجدير وسيدي منصور وتماسينت، بل إنّ هذا الغموض يزداد لبسا في المذكرات التي حصلت عليها «المساء»، ما دام أنه يستعمل لفظ «الجيش المراكشي»..
ومن هنا يفرض السؤال المحوريّ نفسَه: إذا كان الخطابي يعرف أنّ «مراكش» في المصادر التاريخية تعني المغرب فلماذا يسبغ هذا التعبير على جيشه؟.. فقد كان حريّاً به أن يوظف لفظ الجيش الريفي»..
جمهورية وحكومة وجيش مراكشيّ.. وأشياء أخرى
يقول محمد أونيا، المؤرخ الرّصين في تاريخ محمد بن عبد الكريم الخطابي، إنه ليست هناك وثيقة تاريخية واحدة تثبت أنّ الخطابي كان رئيسَ جمهورية بالمعنى الذي كانت الجمهورية معروفة به في تلك الفترة.. ويذهب أونيا في اتجاه اعتبار أن الخطابي كان رئيس حكومة يريد تدعيم أركان حكومة بمواصفات عصرية، ولا أدلّ على ذلك من أنه أنشأ خطوط المواصلات وعزّز خطوط الهاتف واشترى طائرة حربية.. لكنّ أونيا يبرز أنّ الخطابي كان مدركا أن السكان لا يمكن أن يتقبلوا التحديث كفلسفة، ولذلك كان الخطاب الديني حاضرا في فكر الخطابي خلال هذه المرحلة..
تؤكد ماريا روسا دي مادرياغا، المؤرخة الإسبانية الأشهر على الإطلاق في تاريخ ابن عبد الكريم الخطابي»، تصوُّرَ أونيا، حين قالت «يجب أن نتوخى الحذر في التعامل مع مفهوم الجمهورية، فرئيس الجمهورية يستعمل يمينا وشمالا وفي مواضع مختلفة، وأقول إنّ عبد الكريم الخطابي كان يقترب من أن يكون رئيسَ حكومة حديثة أكثر منه رئيس جمهورية.. لقد كانت له للرجل طموحات حداثية ويريد عصرنة هياكل دولته».
لكنْ إذا كان الأمر على هذا النحو، أيْ أن محمد بن عبد الكريم الخطابي كان رئيس حكومة فقط، فلماذا خاطب عصبة الأمم قائلا إنّ لديه جمهورية في الريف بخصائص تختلف عن المملكة السلطانية؟.. يجيب عن ذلك علي الإدريسي، الباحث في تاريخ محمد بن عبد الكريم الخطابي قائلا: «تبقى جمهورية الريف، في نظري، وسيلة للتفاوض وترتيب وتنظيم المناطق المُحرَّرة.. فحرب التحرير الريفية لم تكن مجرّدَ حرب قبَلية، كما يوهم بذلك البعض، لكنّ هذا لا يُسقط القاعدة القائلة: «إن الطبيعة لا تقبل الفراغ»، في استسلام السلطة المركزية لِما يعرف بشروط عقد الحماية..
ويبدو مثل هذا التفسير منطقيا إذا كانت المراسلات الأجنبية، حسب الوثائق المتوفرة، هي التي كانت تسبغ على «الحكومة الوطنية» صفة الجمهورية الريفية، كما في المراسلات الإسبانية والفرنسية.. وقد لا يبدو الأمر منطقيا، لأنّ الخطابي نفسَه كان يتحدث عن «الجمهورية الريفية» في بعض مراسلاته، أما مذكراته فقد ذهبت أبعدَ من ذلك بحديثها عن «الجيش المراكشيّ»..
وكان للوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي، الذي اعتزل السياسة واختار «أرض الله الواسعة»، رأي حول حقيقة الجمهورية الريفية في ندوة باريس الشهيرة سنة 1973.. حيث قال اليوسفي: «تتشكل مناطق السيبة -وهي المناطق التي كان ولاؤها الديني للسلطان دون أن تلتزم بالولاء السياسي وبدفع الضرائب- من فسيفساء جمهوريات صغيرة تتجمع وتتفرّق تبعا لظروف الصراع، وقد تتوسع لتصبح فدرالية جماعات أو قبائل.. لها صلاحية تشريعية وتنفيذية وقضائية».. أما جرمان عياش، صاحب كتاب «أصول حرب الريف»، فقد قال: «هل يعني تصريح اليوسفي أنّ الجمهورية الريفية كانت معطى عاديا على أساس أنّ المغرب عُرف بما يعرف في تاريخ المغرب بفيدرالية القبائل؟.. إذا كان الجواب ينحو في اتجاه الإيجاب فإنه يمكن السقوط في ما كان يخشاه الخطابي نفسه وهو اعتباره زعيمَ قبيلة كما كان يصفه «وطنيو» ما بعد الاستقلال».. وهذا بالضبط ما قد يُفسّر الصراع المرير الذي خاضه محمد بن عبد الكريم الخطابي مع النخبة السياسية المغربية. لقد كان الكل ينصتون إلى رسالة علال الفاسي، لكنْ لا أحد فهم الكلام المتقطع للخطابي، على حد تعبير عبد الله العروي.
مهما يكن من أمر، فإنّ غياب المادة الأستوغرافية يمكن أن يشكل عائقا أساسيا، أمام اتخاذ موقف واضح وصارم من قضية الجمهورية الريفية، لكن الناجز هو أن الخطابي كان سياسيا محنكا ويعرف جيدا متى يحتفظ بمواقفه السياسية ومتى يُغيّرها، ولذلك يمكن أن نفهم هذا التضارب في كل الوثائق المنسوبة إليه. ولا بأس أنْ نورد في هذا المقام شهادة محمد بن عبد الكريم الخطابي حول ما كان يسميه «الحكومة الوطنية»: «أخذت القنابل الثقيلة تسقط على مقربة من منزلي، وكانت هذه القنابل ترسَل من البحر بتوجيه من المراكز الجديدة، ثم حلقت أسراب الطائرات التي كانت تحمل القنابل ذات وزن 100 كيلوغرام، فأصابت ناحية من المنزل، وتوالت أسراب الرّمي بمدافع البحر، وكانت تعرقل على الأهل الحركات اللازمة، فاخترتُ أن ينتقل الأهل إلى تجديرتْ، أما أنا فقد أقمتُ في أيت قمرة.. وقد كنت أزور تماسينت، المقر الجديد للحكومة الوطنية، وأرجع إلى أيت قمرة»..
قد تكون هذه الشهادة حاسمة في تحديد طبيعة الوعاء السياسي الذي أنشأه الخطابي، لكنّ البحث التاريخي قد يدحض أو يزكي مثل هذا الطرح. وقد تكون وثيقة بيعة محمد بن عبد الكريم الخطابي من طرف زعماء القبائل «أميرا للجهاد» مُفيدة لنا في فهم طبيعة هذا الوعاء، فالوثيقة تبيّنُ أن القبائل كانت تتعامل مع الخطابي كأمير للجاهد وليس كرئيس جمهورية.. يمكن أن تكون فكرة الدولة ثاوية في فكر الخطابي، ويمكن أن يكون الاستعمار قد أجهض الكثير من أحلام الخطابي في إنشاء دولة حديثة، لكنّ الأرشيف وحده الكفيلُ بالكشف عن هذه الحقائق..
هناك مقولة أوردها جيرمان عياش في كتابه «أصول حرب الريف» قد تحسم كل هذا اللغط المثار حول قضية تأسيس الجمهورية الريفية من أساسها. «كان وطنيا، ولم تكن وطنيته بدائية، بل توشّحت بمفاهيم حديثة بشكل يثير الدهشة، كمفهوم الوطن وحرية التفكير والديمقراطية.. تلك المفاهيم التي يمكن أن يغبطه عليها أولئك الذين سمّوا أنفسهم في ما بعدُ وطنيين»..
الغازات السامة.. جرح يأبى النسيان
لأول مرة في تاريخ المغرب نقرأ شهادة أمينة حول قصف إسبانيا للريف بالغازات السّامة، وصاحبها هو محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي وصف المَشهد الأخير لاستسلام «الجيش المراكشي» أمام آلة البطش الاستعمارية.. يقول الخطابي، في شهادته: «حول سيح أشرقي ضُرب حصار من الطائرات والبوارج، فكانت أسراب الطائرات المتتابعة تواصل إطلاق القنابل بدون انقطاع والبوارج والطرادات ترسل المقذوفات الضخمة، وكانت المقذوفات المتساقطة تشمل منطقة ترابنا بالنار والحديد المتناثر وبالغازات السامة والمواد المحرقة، وقضت على الخطوط التلفونية المتصلة بقيادة النقطة، المليئة بالمرتزقة، وظل الأمر على هذه الحالة طوال يوم 9 شتنبر».
يضيف الخطابي، في أول شهادة تنشر له حول حرب الغازات السامة، «إن الظروف تقضي على سان خورخو بأنْ يهجم مرة أخرى ويفتتح الخط، مَهْما كان الأمر، ويرجع إلى المراكب بجيش.. هكذا تلقى الأوامر لأنّ جيش الاحتلال يحتاج إلى الماء، الذي لا حياة بدونه، وهو مفقود في نقطة الاحتلال، وما تحمله المراكب يُوزَّع بحصص، يتقاتلون عليه، والبحر هائج في هذا الوقت، ولكنْ في المستقبل القريب ربما يصير العدو رقم ‍1، لأن فصل الشتاء غيرُ بعيد، حيث البحر المتوسط يصبح وحشا مفترسا.. كل هاته العوامل دفعت سان خورخو إلى الإقلاع، رغم الخسارة التي سيتكبّدها. جمع عددا غيرَ قليل من براميل الشراب وقسّمها على اللفيف الأجنبيّ وغيرهم من الذين باعوا حياتهم بهذا الكأس.. وكانت أسراب الطائرات تملأ الفضاء، مُجَّهزة بقذائف الغازات السامة، وأخذت تقذف بها على الخط. أما البواخر فقد أطلقت أسلحتها بدون انقطاع من فوهة عيار 38.. أما خطنا الأول فقد تركه الجيش عندما أخذت تقذف بالغاز حسب الأوامر المعطاة»..
يضيف الخطابي، بآسى كبير: «إنّ هذا العمل الفظيع المتكرر إنْ دل على شيء فإنما يدلّ على الجبن والعجز والظلم والغلو في الكفر وتجاوز الحدود حتى في الاعتداءات، فقد أنكره الإسبنيول وادّعوا أنه من الغازات المسيلة للدموع ونشروه في جرائدهم. وقد أصِبتُ بألوان هذا الغاز مرتين، ومات ثلاثة أشخاص من الذين كانوا معي مرة في داري في أيت قمرة، التي قذفتها الطائرات بأكثر من ثلاثة آلاف قنبلة، وأغلبها من هذا الغاز، ومرة في هذه المعركة، التي نتحدث عنها، وإذا لم أمت فذاك شيء لا أعلم سره، وقد بقيتُ متأثرا به في المنفى مدة طويلة. أما الذين قتلوا بسببه في خط القتال فقد يتجاوز عددهم سبعين في الخط الثابت في بني وليشك وفي معركة تفرسيت، وهي المرة الأولى، وكان عدد المتوفين غير مضبوط».
لن «تصمد» أي وثيقة أمام هذه الشهادة القوية لمحمد بن عبد الكريم الخطابي، فالرجل عاين عن كثب كيف أنّ الطائرات الإسبانية قصفت المواقع الريفية بالغازات السّامة والمواد المحرقة، وأسقطت سبعين قتيلا مرة واحدة، ومات ثلاثة من مرافقيه.. لكنّ الجدل الذي ظهر مؤخرا هو مسؤولية بعض الدول الاستعمارية في صنع المواد الكيماوية التي ضرب بها الإسبان منطقة الريف في عشرينيات القرن الماضي.
تقول المؤرخة الإسبانية ماريا روسا، في تحليلها لما جرى: «على المستوى الإنساني والأخلاقي، ما فعلته إسبانيا هو جريمة بكل المقاييس.. لقد وظف إبان حربها على الريف غازات سامة، لأول مرة بعد الحرب العالمية الأولى، قبل أن يتم استعمالها بعد ذلك في الحرب البين -أوربية في غضون الحرب العالمية الثانية.. وقد تم آنذاك فرض الحظر على بغية عدم الاستمرار في صناعة هذه الأسلحة، لكنْ واصلت صنعها، استمرت في اقتناء الأسلحة. وقد استفاد بشكل سري من هذه الأسلحة، بعد أن حصل عدم التوافق بينها وبين محل «شنايدر» الفرنسي، الذي كان ينتج الأسلحة ذاتها لاستيراد مخزونات الغازات السامة لصنع قنابل من أجل ضرب الريف»..
تكاد المصادر تُجمع على أنّ إسبانيا استعانت بالخبرة الألمانية لتحقيق هذا الغرض ووجدت ضالتها في الصانع الألماني «ستولزنبرغ»، الذي شرع في إعداد أدواته سنة 1923، وقد كانت هناك فكرة أخرى تتمثل في بناء مصنع لهذه الأسلحة في منطقة تسمى «أرانخويث»، لكن هذه الفكرة لم تفعّل، وبالتالي فإن كل الأسلحة الكيماوية التي استخدمها الجيش الإسباني في حربه على الرّيف استقدمت من هامبورغ. وقد تم استقدام الأسلحة عبر مليلية، وتم تحويلها من مادة أولية إلى قنابلَ تحمل مواد كيماوية في مصنع يوجد في منطقة «مارشيكا» قرب مليلية. وبالاستناد إلى كل المعلومات المتوفرة بخصوص هذا الموضوع، فإن قنبلة الريف بدأت بشكل فعليّ في حدود يونيو 1923، حيث وظفت في البداية بعض الناقلات لنفث الغازات الكيماوية، ثم انتقلت الجيوش الإسبانية إلى استعمال الطائرات ليشمل القصف الجوي مساحات شاسعة من الريف.
ما دامت كل الوثائق تشير إلى أنّ الغازات المستعمَلة هي ألمانية الصنع وباعتها ألمانيا لإسبانيا، رغم الحظر المفروض عليها، فيما قامت بقصف الريف بهذه الغازات كذلك مسؤولة، لكن في البداية فقط لأنها قامت بتحرير مخازن الأسلحة الكيماوية التي احتفظت بها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى لتمنحها لها، لكنْ سرعان ما أوقفت ذلك بعد قرار منع بيع هذه الغازات الكيماوية. وقد استمر ذلك حتى أنهتْ، ومعها حلفاؤها، الحربَ على الرّيف.
وفي الوقت الذي تبدو مسؤولية كل من ألمانيا وإسبانيا ثابتة فجّر المؤرخ المغربي رشيد يشوتي، مؤخرا، قنبلة من العيار الثقيل حين عرض وثائق تثبت تورّط فرنسا في هذه الحرب، بعد قرارها إمدادَ إسبانيا بجنود لتدريب قواتها على استعمال الغازات السامة.. وتشير الوثيقة الأولى، التي أرسلها حدو بن حمو، ممثل الريف في الجزائر -الفرنسية خلال حرب الريف في عشرينيات القرن الماضي، إلى محمد بن عبد الكريم الخطابي، إلى أنّ فرنسا ستدعم لوجيستيا إسبانيا بحوالي 300 جنديّ لتعلم تقنيات استعمال الغازات الكيماوية، ما يؤكد أنه كانت لفرنسا يد في قصف الثورة الريفية بالغازات السامّة، بعدما عجزت قوى الاستعمار عن هزم جيوش محمد بن عبد الكريم الخطابي في الميدان.
ووفق مضمون الوثيقة الثانية، فإن إسبانيا أسست مصنعا للغازات السامة في منطقتي فلكس وقرطاجنة بدعم ألمانيّ، بعد اتفاق المجلس العسكري الإسباني، بقيادة بريمو دي ريبيرا، مع مهندسين ألمان باستخدام هذه الغازات بشكل سرّي وعلى سبيل التجربة، تمهيدا لقصف الريفيين بها. وتفيد الوثيقة، كذلك، أن «إسبانيا هي التي ستتولى رئاسة هذا المصنع، لكن بالاستفادة من الخبرة الألمانية».
رغم كل هذا، فإن النقاش الذي برز مؤخرا هو المتعلق بمدى تأثير هذه الغازات على صحة سكان منطقة الشمال، حيث كان واضحا التباينُ في الرؤى بين الباحثين. فالفريق الأول يؤكد أن الغازات السامة لديها تأثيرات على المدى البعيد وبإمكانها أن تؤثر على ثلاثة أجيال كاملة، بدليل وجود تقارير تعزّز هذا الطرح، غيير أنّ الفريق الثاني ينفي وجود أي تقرير وطني أو دولي يؤكد بقاء تأثيرات الغازات السامة لمدة طويلة. وباستثناء مدينة حلبجة العراقية، التي قصفها صدام حسين بالغازات السامة، والجنود الإيرانيون الذين شاركوا في «حرب الخليج الأولى»، وبعض المشاركين في الحرب العالمية الثانية، الذين أجريت عليهم تجارب الوقاية من الغازات عبر إغلاق الأبواب عليهم ورشهم بتلك الغازات، فإنه لا وجود لنماذج مماثلة في مقدورها أن تبيّن تأثير الغازات السّامّة على الأجيال اللاحقة..

العماري: ليس من حق القصر أن يمنع إعادة رفات الخطابي من القاهرة

قال إن المقررات تدرس تاريخ العنقاء وشعر أبي نواس وتحاصر فكر الرجل..

- بعد خمسين سنة على رحيل محمد بن عبد الكريم الخطابي، ماذا تحقق من فكره؟
ما تحقق هو أننا ما زلنا نتحدّث عنه ونتحدّث عن إرثه الفكري والسياسيّ.. وإذا استحضرنا عصر الانحطاط هذا، فإنّ ما حققه محمد بن عبد الكريم الخطابي كان إنجازا عظيما، رغم وجود الخائفين من فكر الرجل ورؤيته للأمور. وقد حاول هؤلاء الخائفون، طيلة قرن كامل، محوَه من الذاكرة الوطنية، بمختلف الوسائل، القمعية منها المادية والإيديولوجية، ولم يفلحوا في ذلك، وهذا يدلّ بشكل واضح على سداد مواقف محمد بن عبد الكريم الخطابي ومَن كانوا معه من المناضلين.
- هل تقصد أنه ما يزال هناك خائفون من تاريخ الرّجُل؟
مَن يخافون من المدرسة الصينية في التحرّر هم من يخاف من محمد بن عبد الكريم الخطابي، ويخافون، كذلك، من «الغيفارية».. هو خوف من الرّجل أيضا، على العموم، الخوف من الفكر التحرّري هو خوف من فكر مولاي موحند.. فهو لم يكن مقاتلا، كما حاول الاستعماران الفرنسي والإسباني تصويره، بل كان مُنظّرا وسياسيا محنَّكا ومفكرا كبيرا.. رجلا يحمل في داخله حبا للإنسانية وحبا للحياة أيضا، وهذا ما جعله يستسلم لقوى الاستعمار من أجل إنقاذ الحياة في شمال المغرب وفي المنطقة بكاملها، وبالتالي فالخائفون منه ليسوا في المغرب فقط، لأنه حورب من كل قوى الاستعمار والاستبداد والعنصرية على الصعيد العالمي.
- يؤكد الباحثون في مسار الخطابي أنّ تاريخه ما يزال محاصَرا ويتعرّض للتهميش، إلى أي مدى تتفق مع هذا الطرح؟
فكر محمد بن عبد الكريم الخطابي ليس ملك الباحثين والمؤرخين فقط، بل هو ملك أبناء العامة.. دعني أقول لك شيئا، في المقرّرات المدرسية تجد كل شيء عن أهرامات مصر وعن نيل السّودان وعن حملة نابليون وعن مُغامرات هارون الرشيد وشعر أبي نواس وتاريخ العنقاء.. ولا يقرأ تلامذتنا عن ملحمة عبد الكريم الخطابي ومقاومة حمو الزياني وصلابة ماء العينين والنظرة الثاقبة للمختار السوسي!.. وعليه، لا يمكن القول إن هناك حصارا فقط على الخطابي بقدْر ما يتولد إحساس مفاده أن هناك في هذا البلد من لا يريدون أن تظلَّ رموز الوطن محفورة في ذاكرة النخبة والعامة..
- هل يمكن القول إنّ هذا الإقصاء مقصود ومفكر فيه؟
يبقى الإقصاءُ، في الأخير، إقصاءً، سواء كان مفكَّراً فيه أو غيرَ مفكَّر فيه، مُمنهَجا أو غيرَ منهج.. أنا لا يمكن أن أبحث لألتمس العذر لمن هو مسؤول عن الإقصاء، فالواقع يعلو ولا يُعلى عليه، والواقع يصرخ: أين رُموز الوطن في الكتابات الرّسمية للبلد؟
- أثير جدال كبير حول تأسيس»الجمهورية الريفية» من عدمها وتضاربت الآراء في الموضوع بين مؤيّد ومناوئ.. كيف تنظر إلى هذا السجال؟
أولا، ينبغي التأكيد أنه لا يمكن التفكير في القرن العشرين بأدوات القرن الواحد والعشرين.. وعبد الكريم الخطابي كان ابنَ زمنه، رغم أنه قال إنه جاء في غير زمنه.. أرى أنّ الخطابي أسّسَ لمفهوم القاعدة الخلفية وفكّرَ في إنجاز الدولة على كل شبر يتم تحريره.. وهذا المفهوم، الذي ظهر متأخرا، أسّسَ له الرجل في بداية القرن العشرين، فبالرجوع إلى كتابات وخطابات «أمير الشّهداء وشهيد الأمراء»، وهو في مصر، يتبيّن فكر الرجل، خاصة أثناء تأسيس مكتب تحرير المغرب العربي ونداءاته المتكررة والقسَم العسكريّ لجيش تحرير المغرب العربي، والقانون الداخلي له، وكان يسمي المغرب «مراكشَ» وليس «أجدير».. وكان يضع اسمَ الجزائر وليس تيزي وْزّو، وكان يضع اسم تونس وليس تطّاون.. فالرجل أسّس الجمهورية..
أقول لك، بعدما اطلعتُ على وثائقَ نادرة وغير موجودة عند أي أحد، وخاصة وثيقة مؤتمر وجدة سنة 1926، الذي حضره وزير الخارجية المجاهد محمد أزرقان ووفود كل من إسبانيا وفرنسا، اكتشفتُ أن الرجل أكبرُ من الفكر الموجود آنذاك في العالم، وما بالك في المنطقة التي حارب فيها.. لقد بويع محمد بن عبد الكريم الخطابي أميرا للمسلمين جميعاً، فرفض بعد اندحار الإمبراطورية العثمانية.. وهناك الآن من يريدون أن يُقزّموا الرجل وفكرَه ويجعلوه زعيما قبَليا.. وقد اعتبره الإسبان كذلك، بل قالوا عنه إنه زعيم عائلة، وإنّ حكومتَه تتشكل من القبيلة والعائلة الواحدة.. وكانت فرنسا وإسبانيا تروجان هذه الادّعاءات، وبتزكية من جزء من المغاربة مع الأسف.. مع العلم أنّ بعض المغاربة ساهموا في إدخال الاستعمار.. فهناك من قاوموه وهناك من طبّلوا له وزمّروا.
- ما زالت قضية إعادة رفات محمد بن عبد الكريم الخطابي تثير الكثير من الجدل، هل توافق على إرجاع رفاته، لاسيما أنّ عائشة الخطابي، ابنته، قالت في حوار سابق مع «المساء»، إنّ الملك قال لأخيها سعيد إنّ أمر إعادته في يده شخصيا؟
ترتبط عودة رفات ابن عبد الكريم الخطابي بمستويَين، أنا شخصيا مع عودة فكره، وما زلت أذكر كيف آمنتُ بهذه الفكرة، فقد حدث أن كنتُ في جلسة مع عائلة الخطابي، بحضور عائشة ومريم وسعيد، وقلت إنه قد آن الأوان لدفن الخطابي بين عائلته وأهله.. فقال لي سعيد إنّ الإسلام والرسول، عليه السلام، أمرنا أن ندفن موتانا في جميع بلاد الإسلام..
إنّ قضية إعادة الرفات ليست شأنا للمؤرخين ولا للباحثين، وحتى القصر ليس من حقه نهائيّا أن يمنع مواطنا حيا من الدخول إلى بلده، فما بالك أن يمنعه من الدخول وهو شهيد!.. ولكنْ، شرعاً يبقى الأمر من حق العائلة.. أنا شخصيا لم أسمع يوما من عائلة الخطابي أنهم طلبوا إعادة الرفات.
- سبق لك أنْ قلت إنّ الخطابي فكر بهدوء ولم يضرب بقوة بعدُ، متى سيفعل؟
حين يأتيني ابني بالمقرَّر الدّراسي لمادة التاريخ وعليه صورة محمد بن عبد الكريم الخطابي!..
إلياس العماري
قيادي في حزب الأصالة والمعاصرة


مقتطفات مثيرة من مذكرات الخطابي بخط يده

أسراب الطائرات تقذف الغازات السامة
حول سيح أشرقي ضرب حصار من الطائرات والبوارج، فكانت أسراب الطائرات المتتابعة تواصل إطلاق القنابل بدون انقطاع، والبوارج والطرادات ترسل المقذوفات الضخمة، وكانت المقذوفات المتساقطة تشمل منطقة ترابنا بالنار والحديد المتناثر والغازات السّامة والمواد المُحرقة، وقضت على خطوط التلفون المتصلة بقيادة النقطة، المليئة بالمرتزقة، وظل الأمر بهذه الحالة طوال يوم 9 شتنبر..
إن الظروف تقضي، على سان خورخو، أن يهجم مرة أخرى ويفتتح الخط، مهْما كان الأمر، ويرجع إلى المراكب بجيش.. هكذا تلقى الأوامر لأنّ جيش الاحتلال يحتاج إلى الماء، الذي لا حياة بدونه، وهو مفقود في نقطة الاحتلال، وما تحمله المراكب يُوزَّع بحصص، يتقاتلون عليه، والبحر هائج في هذا الوقت، ولكنْ في المستقبل القريب ربّما يصير العدو رقم ‍1، لأنّ فصل الشتاء غير بعيد، حيث يصبح البحر المتوسط وحشا مفترسا.. كل هذه العوامل دفعت سان خورخو إلى الإقلاع رغم الخسارة التي سيتكبّدها.
جمع عددا غيرَ قليل من براميل الشراب وقسّمها على اللفيف الأجنبيّ وغيرهم من الذين باعوا حياتهم بهذا الكأس... وكانت أسراب الطائرات تملأ الفضاء مُجَهَّزة بقذائف الغازات السّامة، وأخذت تقذف بها على الخط.. أما البواخر فقد أطلقت أسلحتها بدون انقطاع من فوهة عيار 38.. أما خطنا الأول فقد تركه الجيش عندما أخذت تقذف بالغاز، حسب الأوامر المعطاة...
«أصبتُ بالغازات السامة وسقط 70 قتيلا في غارة واحدة بسببها»
إن هذا العمل الفظيع المتكرّر، إنْ دل على شيء فإنما يدل على الجبن والعجز والظلم والغلو في الكفر وتجاوز الحدود حتى في الاعتداءات، فقد أنكره الإسبنيول وادّعوا أنه من الغازات المسيلة للدموع ونشروه في جرائدهم. وألوان هذا الغاز فقد أصبت بها أنا مرتين، ومات ثلاثة أشخاص من الذين كانوا معي مرة في داري، في أيت قمرة ،التي قذفتها الطائرات بأكثر من ثلاثة آلاف قنبلة، وأغلبها من هذا الغاز.. ومرضت في هذه المعركة التي نتحدث عنها، وإذا لم أمُت، فذاك شيء لا أعلم سره، وقد بقيت متأثرا به في المنفى مدة طويلة.. أما الذين قُتلوا بسببه في خط القتال فقد يتجاوز عددهم سبعين في الخط الثابت في بني وليشك، وفي معركة تفرسيت، وهي المرة الأولى، وكان عدد المتوفين غير مضبوط.
الخطابي يتحدث عن وجود حكومة وطنية
أخذت القنابل الثقيلة تسقط على مقربة من منزلي وكانت هذه القنابل ترسَل من البحر بتوجيه من المراكز الجديدة، ثم حلقت أسراب الطائرات، التي كانت تحمل القنابل ذات وزن 100 كيلوغرام، فأصابت ناحية من المنزل، وتوالت أسراب الرمي بمدافع البحر، وكانت تعرقل على الأهل الحركات اللازمة، فاخترتُ أن ينتقل الأهل إلى «تجديرت»، أما أنا فقد أقمتُ في أيت قمرة، وقد كنت أزور «تماسينت»، المقر الجديد للحكومة الوطنية، وأرجع إلى آيث قمرة.
انتقلتُ إلى «تماسينت»، حيث المقر الجديد للحكومة وبدأنا مباشرة أعمالَ الاستمرار في الدفاع، رغم تحرّج الموقف في جميع الجبهات وانهيار نظام القتال في بعض النقط، وبالخصوص في الجبهة الجنوبية، بسبب انفصال بعض ضعفاء العزيمة والرؤساء.. واستمر الحال من غير أن يطرأ تغيير في جبهة أجدير، إلا بعض العمليات نفّذتها بعض الفصائل من «الجيش الفدائي» داخل خط العدو، إلى شهر أبريل.
فقد استشهد القائدان، فأما الأول فقد ظل يقاتل طول النهار واستشهد عند غروب الشمس، أما الثاني فقد سقط شهيدا في وسط مخفر، بعد أن دخله واستولى عليه وظل القتال مستمرا، واستمرت القنابل الثقيلة تنفجر طوال الليل، وأفرِغت القنابل التي كانت مُعَدّة للهجوم، فصار الليل نهارا.. وأحدثت الرّعب الشديد في المرتزقة والخليط الأجنبي.
ابن عبد الكريم يستعين بمسدسه بعدما فقد بندقيته
في الساعة العاشرة من صباح 9 شتنبر انتقلتُ من أجدير إلى»عين الحلوف»، قرب خط النار، حيث أخذت قيادتنا العليا تنظم الدفاع بما كان لديها.. الآن، لم يعد عندنا من احتياطيّ البنادق، وأنا بنفسي لم تكن عندي بندقيتي ولم أحمل إلا مسدّسي، عاشر الطلقات.
الخطابي يستعمل لفظ الجيش المراكشي
قبل 8 من شهر شتنبر بيومين، تظاهر الأسطول الإسباني بمحاولة إنزال الجنود في واد لو، وكان القصد هو المغالطة، وهذه المرسى تقرب من تطوان أكثرَ من أجدير، وتبادَل الجيش المُرّاكشي والأسطول الإسباني الطلقات، ثم أصبح الأسطول يقترب من مرسى سيدي إدريس، شرقي أجدير...


الإدريسي : ليوطي حاضر في التاريخ الرّسمي أكثرَ من الخطابي

قال إن الجمهورية كانت فقط إطارا للتفاوض

- مرّت خمسون سنة على رحيل محمد بن عبد الكريم الخطابي، ماذا تحقق؟
في الحقيقة هذا سؤال جوهريّ، وينبغي أن يطرحه جميع المغاربة، لماذا؟.. لأنّ النخبَ الفاعلة يسأل نفسها، والمجتمع الفاعل يجب أن يسأل نفسَه عما تحقق.. وإذا كان مستوى الطموحات ضيّقا، فهناك أسباب جعلتها كذلك. والمجتمعات التي لا تطرح مثل هذه الأسئلة لا هدف ولا غاية لها.. بالنسبة إلى العقود الثلاثة الأولى التي تلت وفاة محمد بن عبد الكريم الخطابي لم يتحقّقْ شيء إلا زرع الخوف والعداوات، لاسيما أنّ المغرب عاش مرحلة سياسية بئيسة بعد حصوله على الاستقلال، وبدل أن نجعل الوطن يسير إلى الأمام، شارَكنا جميعا في انحداره وتقهقُره نحو الوراء.. لكنْ ورغم هذا الحصار الذي ضُرب على الخطابي، على جميع المستويات، في الفترة سالفة الذكر، فإنّ العشرية الأخيرة، وبالضبط حينما تولى الملك محمد السادس العرش، ظهرت الكثير من البوادر الإيجابية، التي تشير إلى أنّ في إمكان المغرب أن يتطوّر، وأخذ الخوف يتبدّد.. ونتمنى ألا يكون هذا التبدّد مؤقتا..
- قلت إن هذا الخوف تبدّد مؤقتا، هل هناك مؤشرات توحي بأنّ العودة إلى الوراء أمرٌ وارد؟ وإذا كان هناك حصار لفكّ الخطابي، فمن هو المسؤول عنه؟
ليس هناك فقط مؤشرات توحي بعودة الخوف، بل هناك خوف من عودة سنوات الجمر والضّياع.. ولو كنت أعرف الذين يسعَون إلى حصار فكر الخطابي لهان الأمر.. إنّ هناك مسؤولين وأصحابَ نفوذ يصطادون في المياه العكرة، وهناك لوبيات لديها مصالح معينة لا يمكن أن تتخلى عنها، بل هناك من يوظفون أصحاب القضية بالوسائل والشعارات المختلفة لكي يحافظوا على مصالح وامتيازات ومآرب سياسوية عبر استغلال بعض اندفاعات الشباب أو بعض حماستهم لتحقيق أغراض دنيئة.. فالذين يحاولون إشعال الفتن في المغرب لا يُريدون أن تتحقق فكرة الأمة على أرض واقع المغاربة جميعاً..
قرأتُ كتابا لا أحب أن أذكر اسم كاتبه، يصف فيه الرّيفيين والباحثين في تاريخ ابن عبد الكريم ب«الانعزاليّين».. ولنطرح سؤالا بسيطا: من دكّ الريفيين سنة 1958؟ ومن همّشهم ومن جعل منطقة الشمال أكثرَ تخلفا وهي على مسافة أميال قليلة من أوربا؟ ومن تسبب في تهجير مئات الآلاف من منطقة الشمال؟
- هناك مقولة لنجل ابن عبد الكريم مؤدّاها أنّ المخزن لا يثق في الرّيفيين والرّيفيون لا يثقون في المخزن.. إلى أيّ مدى تصحّ هذه المقولة؟
هناك حكمة قديمة تقول: من زرع الرّيح حصد الشّوك.. إنّ الرّيفيين هم الذين أعادوا المغرب إلى صناعة التاريخ، فحينما استسلمتِ المدن «التقليدية» لفرنسا بقيّ الريفيون مُرابطين في جبهات القتال، ولا أحد يُنكر أنّ الأعيان الكبار كانوا كلهم يتسابقون للحصول على الجنسيات الأجنبية.. وعندما جاء الاستعمار لم يجد أدنى مقاومة إلا من الأرياف، أما المدن التقليدية فقد استلمت كليا.. وإلى اليوم يحاول بعضهم توظيف علاقتهم بالاستعمار للأغراض نفسها التي كانت قائمة قبل احتلال للمغرب.
- أثارت «الجمهورية الرّيفية» نقاشا سياسيا وفكريا قويا.. أريد أن أعرف وجهة نظرك في الموضوع: هل أسّس الخطابي جمهورية؟
أولا، هي «جمهورية الريف» وليس «الجمهورية الريفية».. ثم ما ذنبي أنا وأنت، إذا كانت لدى الجامعات أوامرُ بألا تبحث في التاريخ المعاصر والراهن خوفا من كشف سجل الأحداث والوقائع.. وإذا كان ليوطي يحظى في المنظومة التربوية بما لا يحظى به جميع من قاوموا الاستعمار!... إن الذين يُلوّحون بعبارة «الجمهورية» يريدون أن يغطّوا على مسؤوليتهم في التنازل عن السيادة المغربية لفرنسا وإسبانيا..
وتبقى «جمهورية الرّيف»، في نظري، وسيلة للتفاوض وترتيب وتنظيم المناطق المُحرَّرة، فحرب التحرير الريفية لم تكن مجرّدَ حرب قبَلية كما يُوهم البعض.. إلا أنّ هذا لا يُسقط القاعدة القائلة: «إن الطبيعة لا تقبل الفراغ».. في استسلام السلطة المركزية لما يعرف لشروط عقد الحماية.
إنّ قراءة وقائع التاريخ تتطلب حرية البحث والنشر. وأنت تعلم أنّ جميع القنوات التلفزيونية المغربية لم يُسمح لها بإنتاج برامجَ خاصة بالمرحلة، تتناول جميع ما حدث، بإيجابياته وسلبياته.. وينسحب الأمر نفسُه على السينما.. فحتى محمد الخامس لم يحظ بفيلم سينمائيّ إلى الآن!.. لا مرجعية لنا إلا مرجعية الأجانب..
في المغرب هناك من يفضلون حياة الوطواط لأنّ إضاءة زوايا تاريخ المغرب تُفقده أهميته، التي يعتقد أنه يتمتع بها.. والبعض الآخر ربما ينتظرون «الترخيص» من فرنسا لكي يسمحوا للمغاربة بأنْ يتكلموا عن أحداث بلدهم دون وصاية أو توجيه من باريس أو مدريد!..
علي الإدريسي صاحب كتاب «محمد بن عبد الكريم الخطابي.. التاريخ المحاصَر»


روسا : الخطابي كانَ أقرب إلى رئيس حكومة حديثة منه إلى رئيس جمهورية

- أريد أن أطرح سؤالا بسيطا: في ماذا تفكرين بعد خمسين سنة من رحيل محمد بن عبد الكريم الخطابي؟
الخطابي رجل عظيم، مفكّر ومتسامح، لم يكن رجلَ حرب فقط، ولذلك خصّصتُ له جزءا كبيرا من كتاباتي، بل أغلبَها.. بعد خمسين سنة من رحيله، أتمنى أن يُصبح الرّجلُ معلمة وطنية، وبعيدا عن جدال المؤرّخين حاليا، أعتقد أنّ المغرب والرّيف يفتخران بهذا الرّجُل.
- حضرتِ الندوة الدولية ولاحظتِ كيف كان النقاش حادّا حول استعمال الغازات السامّة.. كيف تنظرين إلى هذا الجدال؟
نعم، لقد عاينتُ النقاش الذي دار بين الباحثين حول الغازات السامّة، وشخصيا كان موقفي، دائما، واضحا من القضية، وهو أنّ إسبانيا قصفت الرّيف في عشرينيات القرن الماضي بالغازات السامّة وتسببت في أضرار جسدية وأخرى نفسية على منطقة الشمال المغربي.. لكنّ ما لا أحبّه هو أن يتحوّلَ النقاش من نقاش علميّ إلى مُزايَدات سياسية يريد هذا الطرف أو ذلك أن يستغلَّها لمصلحته.. ينبغي أن نتعامل مع الموضوع بمقاربة علمية تعتمد على الوثائق والشّواهد، أما الكلام المجانيّ فلن يفيد الريفيين في شيء.. على إسبانيا أنْ تعتذر عمّا فعلتْ لأنّ الأمر يتعلق بجريمة حرب!..
- وهل مسألة التعويض مطروحة؟
أعتقد أنّ أحسنَ تعويض يمكن أن تقدّمه إسبانيا للرّيفيين هو إنجاز مشاريع تنموية في المنطقة لمُحارَبة البطالة والفقر، أما مسألة التعويض الفرديّ فهي غيرُ مطروحة، في تقديري. وأعود لأقول: نحن لا نتوفر على وثائقَ وشواهدَ تُثبت العدد الحقيقيَّ للذين أصيبوا بهذه الغازات ومن شاركوا فيها بالضبط، والبحث في الموضوع ما يزال جاريا، لكنْ أتمنى من الساسة المغاربة ألا يجعلوه ورقة سياسية.. وأطلب من بعض الباحثين الابتعادَ عن أحكام القيمة المسيئة إلى الرّيفيين وإلى المغرب.
- هل أسّسَ محمد بن عبد الكريم الخطابي جمهورية؟
يجب أن نتوخى الحذر في التعامل مع مفهوم «الجمهورية»، فرئيس الجمهورية يُستعمل يمينا وشمالا وفي مواضع مختلفة، وأقول إنّ عبد الكريم الخطابي كان يقترب من أن يكون رئيس حكومة حديثة أكثر منه رئيسَ جمهورية.. لقد كانت للرّجُل طموحات حداثيّة وكان يريد عصْرنة هياكل دولته..
ماريا روسا دي مادرياغا مؤرّخة إسبانية


لمعلم : «الاستقلال الأعرج» هو سبب الخلاف بين الخطابي والسلطان والنخبة السياسية

- نريد أن نعرف حقيقة تأسيس الجمهورية الريفية من عدمه؟
المعروف عن محمد بن عبد الكريم الخطابي أنه كان شخصية كاريزمية وأنه كان قائدا وطنيا كبيرا وأنه سياسي محنك، استطاع أن يستفيد من الأوربيين ومن الإسبان خاصة، ومن علماء فاس وعرف، كذلك، كيف تتعامل إسبانيا مع الإمبراطورية الشريفية، وبالتالي حينما نستحضر الظروف التي رافقت تأسيس الجمهورية خلال العشرينيات من القرن الماضي، نفهم أن محمد بن عبد الكريم الخطابي، والنخبة التي كانت معه، عرفوا كيف يتكيّفون مع الظرفية الوطنية والعالمية الجديدة لمّا قاوم الإسبان والفرنسيين وواجه الزوايا الموالية للاستعمار وعدم اكتراث السلطان بمقاومة الريفيين بل ووصْفِ الخطابي ب«الفتان».. وفي اعتقادي فهذه مبررات كافية دفعته إلى تنظيم المجتمع في الريف ولمَ لا على المستوى المغربي والمغاربي ككلّ، خاصة بعد الانتصارات المتوالية التي بدأ يحققها على مختلف الأصعدة. وأسجل أن «مولاي موحند» لم يهتمَّ فقط بالمستوى السياسي، بل اهتم كذلك بالتعليم والثقافة وتحديث المجتمع.. وبغضّ النظر عما إذا كانت الجمهورية مشابهة لِما كان سائدا آنذاك في أوريا أم لا، فالأكيد أنه تأثر بالفكر الأوربي حينذاك.
- اتسمت العلاقة بين السلطان المغربي ومحمد بن عبد الكريم الخطابي، من جهة، والخطابي بالنخبة السياسية المغربية، من جهة أخرى، بالكثير من التوتر، في نظرك ما الذي أدى إلى كل «سوء الفهم الكبير» هذا؟
ينبغي أن نعرف أن محمد بن عبد الكريم الخطابي رفض مُقرَّرات مؤتمر الجزيرة الخضراء ورفض الحماية ورفض صيغة الاستقلال ورفض أيضا الوصاية على الرّيف وعلى المغرب.. وهنا جوهر الخلاف، سواء مع السلطان أو مع النخبة السياسية المغربية. وقد عبّر محمد بن عبد الكريم الخطابي عن مواقفه الصريحة حتى بعد حصول المغرب على الاستقلال لمّا وصف استقلال المغرب ب«الأعرج»، لاسيما أنّ الخطابي كان يريد تحرير كل الأقطار المغاربية مرة واحدة، ولأنّ السلطان كان يستمد قوته من مفاوضات إيكس ليبان، فإنه غضب من هذه التصريحات.. ومشكل النخبة السياسية مع الخطابي هو أنها اعتقدت أنه بعد نفيه إلى جزيرة لاريونيون قد «هرم» ولا يعرف شيئا عن المستجدّات السياسية، ثم تفاجؤوا من قوة الرّجل وحاولوا، في البداية، استغلال صورته، وحين أدرك حيلهم عادَوه واستمر الصّراع بينه وبين النخبة السياسية..
عمر لمعلم رئيس جمعية ذاكرة الريف


الخطابي ليس «شيكا» للمقايضة

الكاتب محمد أمزيان بن الحاج سلام أمزيان قائد ثورة الريف سنة 1958-1959 والكاتب الخاص للخطابي يكتب ل«المساء» في الذكرى الخمسينية لرحيله

6 فبراير .. قد يبدو تاريخا عاديا للبعض، إلا أنه في نظر الكثيرين هو تاريخ حافلٌ بالدلالات، وفي الوقت نفسه ممزوج بالحسَرات والتساؤلات..
خمسون سنة مضت الآن على وفاة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي في القاهرة (6 فبراير 1963) حيث ما يزال مدفونا هناك إلى يومنا هذا، في ما يشبه نفيا آخر لواحد من أشهر رواد التحرر من الاستعمار في التاريخ المُعاصر. أهذا ما يستحقه الرجل!؟..
من حسن الحظ أنّ جمعيات وفعاليات عديدة، في داخل المغرب وفي المَهاجر، تتهيّب بهذه المناسبة لاستعادة مسار حياة الخطابي والوقوف عند محطاته الحافلة بالتضحيات والعبَر. أما المغرب «الرسميّ» فإنه، مع الأسف، لم يبعث حتى الآن بأي إشارة تدلّ على أنّ للخطابي أيضا وطنا يحضنه كواحد من أبنائه.. والأدهى والأمَرّ هو أنّ الجامعات المغربية، على كثرتها، تناستْ -بدورها- هذه الذكرى على ما يبدو، رغم ما تقدّمه حرب الرّيف التحريرية من حقول لا تنضب للبحث العلميّ.
حينما زار الملك محمد السادس الريف، في بداية حكمه، أصرّ الساهرون على البروتوكول الملكيّ على استقدام نجل الخطابي، الأمير سعيد من القاهرة، ليكون من بين مستقبليه في أجدير، التي كانت في عشيرنيات القرن الماضي «عاصمة» الجمهورية الرّيفية.. لم يتحرّج الملك من السلام على نجل مؤسس أول جمهورية في التاريخ العربيّ والإسلامي المعاصر في «العاصمة» أجدير، بما يحمله المكان من دلالة ورمزية لا يمكن إغفالهما.. وقد فُهمت تلك الإشارة آنذاك على أنها خطوة عاقلة نحو «دفن الماضي» والتأسيس ل»مصالحة» مع الرّيف، طال انتظارها.. إلا أن التطورات اللاحقة أثبتت أنها كانت خطوة نشازاً سرعان ما تلاشت أمام حسابات الشكّ والريبة التي طبعت تاريخيا العلاقة بين المركز والرّيف..
للعملة وجهان، كما يقال. فإذا كان الخطابي -فرضا- «لا يُمثّل شيئا» بالنسبة إلى المغرب الرسميّ، فإنه «يمثل كلَّ شيء» في وجدان المغرب الآخر، وخاصة لدى الأجيال الشابة.. فصوره لا تكاد تفارق المَشهد اليوميَّ لجيل الشباب بين أوساط أبناء الرّيف وبين من ولدى قطاع عريض من نظرائهم داخل المغرب وخارجه. كما أنّ مقولاته في الحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية ومُناهَضة التبعية، وما إلى ذلك، أضحتْ ذخيرة عزيزة يتزوّد بها الشباب على صفحات التواصل الاجتماعي بلا رقيب ولا حسيب.. وربما «نكاية» في هذا الرقيب وإمعانا في تحدي ذاك الحسيب..
وبعيدا عن الجدل الدائر منذ مدة بين مؤيّدي ومُعارضي إعادة رفات الأمير الخطابي، فإن الخطوة المهمة، في اعتقادي، هي رفع الحظر أولا عن فكره وعن تاريخه النضاليّ، الذي هو -بلا جدال- تاريخ المغاربة أجمعين، لا فضلَ فيه لأحد على أحد.. وهذا التاريخ المشترك لا ينبغي أن يتحوّل إلى «صكّ» عقاريّ قابلٍ للحفظ كما تحَفَّظ قطعة أرضية، خوفا عليها من تنازُع الورثة وسطو الغرباء.. ولا إلى «شيك» مؤجَّل، يُصرف عند الحاجة، للمساومة والمقايضة.
إنّ خمسينية الرحيل هذه هي خمسينية مدّ الجسور مع الذات المغربية، أو هكذا ينبغي لها أن تكون.. فبأي حق تتحوّل صور عبد الكريم في وطنه الأصليّ إلى ما يشبه بضاعة مُحرَّمة ومُهرَّبة تبحث عنها أجهزة الأمن لمصادرتها؟ وبأي حق يتعلم الطفلُ المغربيّ في مدرسته كلَّ شيء ولا يجد عن شخصيةٍ، مثل الخطابي، إلا فقرات «بائسة»، توضع في سياق تاريخيّ أكثترُ بؤساً؟..
لقد أجمع المحتفلون بخمسينية الخطابي، ورغم التجاهل الرسميّ، على جعل سنة 2013 «سنة الخطابي».. وستعطى قريبا إشارة الانطلاق لمجموعة من الأنشطة الثقافية والفنية والندوات العلمية في الداخل والخارج.. هي لعبة شدّ الحبل، على ما يبدو، بين «التجاهل» و»التحدّي».. وهي، من جهة أخرى، بوادر «تَحقُّق النبوءة»، كما تواترتها الحكاية الشعبية عن الخطابي حينما ودّع آخرَ من بقي معه من المُقاتلين عام 1926.. فقد قال لهم، حسب المحكية الشعبية: إذا قيل لكم إنّ عبد الكريم مات ونُثرت جثته كما يُنثر التراب في الهواء هكذا (ونثر تراباً بيده) فلا تثقوا وتيقّنوا أنني سأعود!..
فلتكنْ هذه السنة انطلاقة حقيقية، إذن، لعودة الخطابي، معنويا، ليُقيم بيننا بلا استئذان، وعبر هذه العودة إعادة الاعتبار إلى وطن بكامله، أنجب شخصية تجاوز إشعاعُها حدود الجغرافيا إلى فضاء العالمية..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.