الحرب الأوكرانية: الأسباب السياسية والرهانات الحضارية والجيوسياسية بقلم العملي الحروني – مناضل يساري بعد التطرق للخلفيات التاريخية والدوافع الجيوسياسية لانفجار الصراع العالمي في قلب أوروبا بأوكراني، في الجزء الأول من المداخلة بعنوان الحرب الأوكرانية السياق والتداعيات والمخاطر والفرص، سنتطرق في هذا الجزء الثاني إلى الدوافع والأسباب المباشرة لاندلاع الحرب الأوكرانية، والاهداف المعلنة للأطراف المتصارعة على المدى القريب والمتوسط والبعيد، ومدى تحقيق كل طرف لأهدافه ومؤشرات الانتصار أو الهزيمة في هذه الحرب واتجاهاتها المستقبلية وتداعياتها الدولية وعلى أطراف النزاع. أسباب الحرب الأوكرانية ودوافعها وأهدافها سياسية وجيوسياسية واقتصادية في آن. نتطرق إلى الراهن منها، وأولها اخلال الولاياتالمتحدة بكل التزاماتها مع روسيا في عهدي غورباتشوف ويلتسن حيث عارضت التحاق روسيا بالاتحاد الأوروبي وأخلت بوقف تمدد حلف الناتو شرقا، كما التزم به جورج بوش الأب لغورباتشوف مقابل السماح بوحدة ألمانيا. فمنذ تأسيس حلف الناتو سنة 1949 من طرف 12 دولة تمدد ليشمل حاليا 32 دولة، جلها من حلف الاتحاد السوفياتي، مطوقا روسيا إلى أن وصل الى حدود أوكرانيا. ولقد انضمت للحلف خلال الحرب الأوكرانية دولا ظلت محايدة يتعلق الامر بكل من فنلندا (2023)، والسويد (2024). من جانب آخر، هناك أسباب جيوسياسية مباشرة تتعلق بأوكرانيا بالذات، نذكر منها منع روسيا توسع حلف الناتو شرقا، ذلك أن القرار الذي اتخذ في أبريل 2008 بفتح الباب أمام انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى حلف الناتو اعتبر نقطة تحول خطيرة. كما كان للدعم السياسي والديبلوماسي والمالي والرمزي والمؤسساتي للغرب والولاياتالمتحدة لاحتجاجات الميدان الأوروبي التي اندلعت في كييف أواخر 2013 بعد تعليق الرئيس الأوكراني آنذاك Viktor Yanukovych توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وما تلاها من تصعيد انتهى بإطاحته في فبراير 2014، اعتبرته روسيا لحظة مفصلية غيرت ميزان أوكرانيا الجيوسياسي، وأطلقت مسارا تصاعديا من فقدان الثقة بين موسكو والغرب. وبعدها يأتي تنصل أوكرانيا مدعومة من الغرب من اتفاقات مينسك 1 (لشتنبر 2014 ) و مينسك 2 (لفبراير 2015) المعروفة بصيغة "نورماندي".، والتي تقتضي ب: وقف إطلاق النار وسحب الأسلحة الثقيلة وتبادل الأسرى و إصلاح دستوري يمنح حكمًا ذاتيا موسعا أو وضعا خاصا لمناطق دونيتسك ولوغانسك. لذلك، ترى روسيا أن فشل تنفيذ البنود السياسية (خصوصًا الحكم الذاتي لدونباس) شكل دليلا على عدم جدية كييف والغرب. ولقد كان انهيار الثقة الناتج عن مينسك سببا لهشاشة المفاوضات اللاحقة (مثل إسطنبول 2022). ما هي الأهداف المعلنة الحرب الأوكرانية؟ رسم كل طرف في الصراع أهدافه للحرب على المدى القريب والمتوسط والبعيد. فبينما صرح صناع القرار والمحللون السياسيون في واشنطن ب "وجود مصالح أميركية ثابتة في أوكرانيا" وذلك ما يدفع بأمريكا للعمل على " إضعاف روسيا واستنزافها" و"ردع التوسع على نحو يهدد المصالح الأميركية وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتهديدا للأمن الأوروبي ككل"، ليس هذا فقط بل "إن الردع لا يقتصر على روسيا فحسب، بل يتجاوزها إلى أي عدوان من أي أطراف أخرى خاصة الصين"، كما صرح مستشار الأمن القومي الأميركي السابق "ستيفن هادلي "رائد فكرة تأمين "سلام عبر القوة"(peace through strength) كغاية أساس من دعم أوكرانيا. وقد عبر "مايكل ماكفول"، السفير الأميركي السابق في روسيا، عن هذا الرأي بالقول:"لدينا مصلحة أمنية في مساعدة أوكرانيا على هزيمة روسيا لأن انتصار بوتين سيشجعه على المضي إلى أبعد من ذلك وسيشكل ذلك تهديدا لحلفائنا في الناتو". أما روسيا فتضع لها أهدافا عدة وأساسا "ردع توسع حلف الناتو في مجالها الحيوي بالجمهوريات السوفياتية المستقلة عن الاتحاد السوفياتي" ومنع أوكرانيا من الالتحاق بهذا الحلف. بل يتجاوز الأمر ذلك إلى مبررات أكثر عمقا، تتعلق بأهداف استراتيجية وفق "نظرية قلب العالم" التي وضعها العالم البريطاني "هالفورد ماكيندر" سنة1904 التي طورها المفكر الروسي الكسندر دوغين. بحيث ينصب التركيز حاليا على ما يسمى ب "جزيرة العالم" التي ستجمع براعة التكنولوجيا الأوروبية وموارد إفريقيا والقوة العاملة الآسيوية. فبخوضها لهذه الحرب وبهذه الأهداف الكبرى، حرب تعتبرها روسيا "حرب وجود"، يكون صناع القرار السياسي ببلد لينين على كامل القناعة بأن روسيا إما أن تكون قوة عظمى وإما لا تكون من الأصل. فبالنسبة للروس، تعتبر أوكرانيا أهم دولة من جمهوريات الاتحاد السوفياتي المستقلة، من حيث الساكنة والمساحة والثروة، كما أن الأوكرانيين شعب سلافي، فمن الناحية التاريخية والثقافية، فأوكرانيا أول دولة بناها الروس كشعب مهاجر من أوروبا. فالصراع في أوكرانيا ليس مجرد صراع جيوسياسي بل أعمق من ذلك ليصل لأسباب تتعلق بالهوية وبالثقافة والدين. هذه الاعتبارات جميعها ضرورية لفهم الصراع على اوكرانيا. هكذا تأتي الحرب الأوكرانية، في قلب أوروبا، كإعلان بنهاية القطب الواحد الذي تلا الحرب الباردة. فمنذ اندلاعها في 24 فبراير 2022، وعلى امتداد أربع سنوات، أصبحت واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. فهي ليست مجرد نزاع إقليمي بين روسياوأوكرانيا، بل نزاعا دوليا تواجه فيه روسيا مدعومة بالصين وإيران خاصة وبالهند بشكل أقل وباقي حلفائها فيما يسمى بالحلف الأوراسي، تواجه أزيد من 50 دولة. ( يتبع في الجزء الثالث).