من إرث استعماري إلى أراضٍ سلالية متنازع عليها، ينتظر ان تكون مدينة طنجة تحت مجهر موجة تحقيقات محتملة بعد تحذير صارم أطلقه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت. في قلب المدينة، حيث تمتد ممتلكات "الدوق دو طوفار" التاريخية في المدينة العتيقة، وحيث تنتشر الأراضي السلالية في ضواحي مغوغة والعوامة، تتراكم ملفات عقارية معقدة قد تكشف النقاب عن شبكة من التحايلات والتفويتات غير المشروعة. جاء ذلك بعد تحذير صريح أطلقه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بشأن الاستيلاء على أراضي الجموع واختلاس المال العام. إرث استعماري وأراضٍ سلالية "من استولى على شبر من الأرض أو درهم واحد، عليه أن يردها، وإلا سنصل معه إلى الفضيحة"، قال لفتيت خلال مناقشة ميزانية وزارته بمجلس النواب. ولم يكن التصريح زلة لسان في خضم نقاش برلماني، بل رسالة واضحة تنبئ بحملة تطهير محتملة تستهدف ممارسات التملك غير المشروع، لاسيما في مدن كطنجة حيث تتشابك خيوط الاستثمار مع إرث استعماري وخرائط نفوذ انتخابي. وتشير وقائع متراكمة منذ عقود إلى أن طنجة من أكثر المدن المغربية تعرضاً ل"إعادة تشكيل الملكية" عبر تفويتات مشبوهة أو تحويلات غير قانونية لعقارات وقفية وسلالية. وفي صلب هذا المشهد، تبرز أراضٍ تاريخية كتلك العائدة للدوق الإسباني دو طوفار، الذي خلّف تركة عقارية امتدت من المدينة القديمة إلى ضواحيها، قبل أن تنتقل أجزاء منها إلى جماعة طنجة، لتتحول لاحقاً إلى موضوع جدل قانوني حول شرعية التصرف فيها. ولا يقتصر التحقيق في هذه الأملاك على تتبع سلسلة التفويت، بل يطال أيضاً أدوار المقاطعات والسلطات المحلية في تسجيل العقود وتثبيت الملكيات، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطع أرضية ظهرت لاحقاً باسم شركات خاصة. وفي بعض الحالات، جرى استغلال صمت الورثة أو هشاشة الوثائق الأصلية لتمرير عمليات بيع شكلية غيرت معالم المشهد العقاري. لكن أعقد الملفات تبقى تلك المرتبطة بالأراضي السلالية المنتشرة في محيط طنجة، لاسيما بمناطق مغوغة والعوامة والزميج وبني مكادة. وتعرضت هذه الأراضي المحمية بنصوص قانونية خاصة خلال العقدين الأخيرين لعمليات تفويت ضمنية، حيث يُبنى فوقها أولا ثم تُطلق مفاوضات مع الدولة للتسوية، أو يُعتمد أسلوب التحفيظ الفردي دون الرجوع إلى جموع ذوي الحقوق. ويبرز في هذا السياق ملف البحروايين – فحص أنجرة، حيث باشرت السلطات في ماي 2024 حملة هدم واسعة طالت بنايات أُقيمت فوق أراضٍ سلالية وملك عمومي، في مؤشر على بداية مراجعة فعلية للتصرفات غير القانونية. من جهة أخرى، تطرح ممتلكات وزارة الأوقاف أسئلة دقيقة، خصوصا في ظل وجود عقارات محبّسة منذ العهد العلوي ظلت تُستغل بأسعار رمزية أو تُكرى لأشخاص بعينهم على مدى عقود دون مراجعة. وتكشف سمسرات الإيجار التي تنشرها نظارة الأوقاف عن استمرار منطق الامتياز في الانتفاع، وسط غياب آليات مراقبة تتيح التحقق من شفافية الإسناد أو من مدى احترام شروط الوقف الأصلي. شبكات منظمة ورهان الإرادة السياسية ولا يكتمل الحديث عن "وحوش العقار" في طنجة دون الإشارة إلى التوسع العمراني السريع الذي غيّر وجه المدينة، وغذّى في الوقت نفسه الطلب على الأرض، بما فتح شهية شبكات منظمة على تحويل الأراضي المشاعة أو الوقفية إلى مشاريع مربحة، مستندة أحياناً إلى ثغرات قانونية أو تواطؤات صامتة داخل الإدارات في ظل هذا الواقع، يبدو أن تحذير وزير الداخلية لم يكن موجها إلى حالات فردية معزولة، بل إلى منظومة برمتها. وإذا ما صدقت نية الوزارة في مباشرة التحقيق، فإن طنجة ستكون من أولى المدن الموضوعة تحت المجهر، بالنظر إلى حجم الملفات وتداخل المصالح وكثرة الشكايات التي لم تُغلق. ما ينتظر الآن هو أن يتحول الوعيد إلى أوامر إدارية وقضائية تستند إلى الخرائط العقارية ومحاضر التفويت وسلاسل الملكية ومحاضر الجمعيات السلالية. فالإرادة السياسية وحدها لا تكفي لاستعادة الأرض، ما لم تُرفق بتفكيك منظومة الاستغلال الطويل التي غذاها الصمت أكثر من القانون.