المغرب يخرج رسمياً من أزمة الجفاف    تقرير فرنسي يرشح المنتخب الأوفر حظا للتتويج بكأس إفريقيا للأمم    ريال مدريد يُعلن رحيل تشابي ألونسو    زلزال كروي في باريس    الطرق القروية تكشف أعطاب مرحلة بنكيران والعثماني        "الأسود" يكثفون التحضيرات للقاء نيجيريا    مصدر رسمي: سقوط تلميذة بثانوية أحمد الحنصالي بطنجة حادث عرضي وحالتها مستقرة    اصطدام سيارة أجرة بسيارة خفيفة على الطريق الساحلي يخلف اصابات    لوديي يستقبل مساعد نائب وزير الحرب الأمريكي المكلف بالشؤون الإفريقية    دروس من عريضة المطالبة بالاستقلال    وكيل الملك بالرباط يأمر بإيداع مشجع جزائري سجن العرجات 2    بتعليمات سامية من جلالة الملك... استقبال نائب مساعد وزير الحرب الأمريكي بالرباط    الأحرار يشرع في إحصاء خسائره عقب اعتزال أخنوش والميزان والكتاب يشرعان في مفاوضة شخصيات بارزة    ميناء الناظور يسجل تراجعا في مفرغات الصيد خلال 2025    بركة: المغرب خرج من وضعية الجفاف بعد سبع سنوات    المغرب وبلجيكا يوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون القضائي ومكافحة الجريمة    الزعيم لومومبا الزعيم رمز الحرية والاستقلال    بنسعيد: المهرجانات رافعة اقتصادية واستثمارات السينما تسجل أرقاما قياسية    بنك المغرب يعلن عن سحب بعض فئات الأوراق البنكية من التداول    الكاف يفتح تحقيقا بعد أحداث مراكش وشبح العقوبات الثقيلة يقض مضجع الجزائر    بيان نقابي يرصد أعطاباً بنيوية بمديرية التعليم بالحسيمة ويطالب بتدخل عاجل للوزارة    بركة يدافع عن عمل الحكومة ويحذر من "منطق المزايدات" في النقاش البرلماني    ترامب يضيق الخناق على فنزويلا وكوبا ويفرض عليهما الحصار الاقتصادي والطاقي    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    تجديد تراخيص الاتصالات عبر الأقمار الصناعية على طاولة المجلس الحكومي    الداخلية تحدد آجال الاطلاع والتسجيل في اللوائح الانتخابية للغرف المهنية    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث يعود لشفشاون ببرنامج حافل    البيضاء تنضم إلى شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم    جنازة سعيد عاهد تجمع المثقفين والإعلاميين في وداع يليق بمساره الإنساني والثقافي    من الثلاثاء إلى الأربعاء.. تساقطات ثلجية بعدد من المناطق بالمغرب    بركة: لا مستقبل لثقافة الريع والجشع وممارسات "الفراقشية" بالمغرب    النظافة تساهم في نجاح "كان المغرب"    الاتحاد الأوروبي يجيز دواء لإبطاء السكري    "كان المغرب".. نصف نهائي استثنائي يضم 5 متوجين بالكرة الذهبية الأفريقية    اضطرابات جوية وأمطار وثلوج مرتقبة بمختلف مناطق المغرب    تنحي أخنوش عن رئاسة "حزب الحمامة" يسائل التوقيت والدلالات السياسية    وزارة الخارجية الإيرانية تؤكد أن قنوات التواصل "مفتوحة" مع الولايات المتحدة    ترامب يؤكد أنّ الولايات المتحدة ستضمّ غرينلاند "بطريقة أو بأخرى"    الاتحاد الأوروبي يجيز دواء "تيزيلد" لإبطاء تقدم السكري من النوع الأول    وقفة تضامنية بطنجة مع غزة تندد بالعدوان الإسرائيلي وتطالب بإدخال المساعدات    "ملاحقات" ترفع أسعار الفضة والذهب    النفط يرتفع وسط مخاوف بشأن الإمدادات جراء تصاعد الاضطرابات في إيران    فيلم "وان باتل أفتر أناذر" يفوز بالحصة الأكبر من جوائز غولدن غلوب    الشاعر والمترجم والصحافي سعيد عاهد في ذمة الله    مخاوف في أوساط الصناعات البحرية الأوروبية بعد منع المغرب تصدير السردين    الذهب والفضة يواصلان تسجيل مستويات قياسية مرتفعة    إسطنبول.. تعليق الدراسة وإلغاء الرحلات الجوية تحسبا لعاصفة ثلجية مرتقبة    ترامب يفتح باب التدخل العسكري في إيران    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الغياب : فصلك الخامس والأخير في الصداقة يا سعيد!    فخر للمغرب.. البروفيسور رضوان أبوقل عضواً في الأكاديمية الوطنية للطب بفرنسا    الرياضة تضاهي العلاج النفسي في مكافحة الاكتئاب    سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"لا اجتهاد مع النص" تحجيم للعقل وتكريس لتخلف النص عن الواقع
نشر في الشرق المغربية يوم 02 - 02 - 2014


محمد انفي / لا يحتاج المرء أن يكون متخصصا في العلوم القرآنية وملما بكل التفاسير للنص القرآني، أو أن يكون متخصصا في التاريخ، وبالأخص القديم منه، ليدرك مدى حضور التاريخ (والتأريخ) في الكتاب العزيز. فالقرآن الكريم يحكي عن وقائع وعن أقوام وعن شعوب وعن ديانات وعن حضارات وعن دول …؛ كما يحكي عن الحروب وعن السلم وعن المواثيق والعهود وعن التجارة والغش فيها وعن الفساد بكل مظاهره وعن العلاقة بين الدول والشعوب وعن الطغاة وعن الرسل ورسالاتهم وعن المعجزات…؛ ويحكي عن الرخاء وعن الضيق، كما يحكي عن اندثار حضارات وانبعاث أخرى، وغير ذلك من الأحداث والظواهر التي سجلها القرآن، إما بأسلوب سردي (القصص القرآني) أو في صيغة أمثال وحكم أو من خلال صيغ أخرى قد تأخذ شكلا حواريا أو أمرا أو نهيا أو هما معا أو غير ذلك. كما أن التاريخ يحضر في أسباب النزول وفي العلاقة بين الناسخ والمنسوخ. فأسباب النزول – التي تعتبر أحد فروع علم تفسير القرآن الكريم وأحد مفاتيح الوصول إلى مقاصد الأحكام القرآنية- تطلعنا على القضايا والحوادث المتعلقة بنزول آيات القرآن (أو البعض منها، على الأقل)، وذلك من حيث سبب النزول ومن حيث زمانه ومكانه. أما النسخ، فيهمنا من حيث هو تغيير لبعض الأحكام فيما بين المرحلة المكية والمرحلة المدنية، وكذا بين بداية العهد المدني ووفاة الرسول (ص)، أي خلال فترة نزول الوحي. ونحن، هنا، لا نريد أن نخوض لا في أسباب النزول ولا في نسخ الأحكام. فهذه علوم لها أهلها ولها قواعدها. ما يهمنا هو أن نسجل أن القرآن الكريم لم يكن لا منسلخا عن الواقع، ولا متعاليا عليه، بل كان يتفاعل معه ومع مستجداته. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما شكلت أسباب النزول علما من بين العلوم الإسلامية، قائما بذاته، ولما أصبحت قضية الناسخ والمنسوخ في القرآن موضوع علم من العلوم الشرعية. ومن الحِكم الواضحة من وراء هاتين القضيتين، هي مراعاة مصالح العباد والاهتمام بشئونهم، سواء تعلق الأمر بتغيير حكم من الأحكام، أو بالجواب على بعض تساؤلات أتباع الرسالة المحمدية، سواء كانت هذه التساؤلات ذات طبيعة دينية أو ذات طبيعة دنيوية. وإذا أضفنا إلى ما سبق كون بعض الأحكام الواردة في النص القرآني، قد تجاوزها الواقع وأصبحت في الوقت الحاضر غير ذي معنى (مثل حرمة الصيد بالحج وعتق الرقبة وما ملكت اليمين…)، أدركنا مدى أهمية الاستئناس بالتاريخ وبعلوم العصر، وبالأخص الإنسانية والاجتماعية منها، لتفسير القرآن بما يلائم روح العصر وجعله، كما أراد الله له أن يكون، صالحا لكل زمان ومكان. ولن يكون كذلك إلا بإعمال العقل من قبل أولي الألباب الذين كلفهم الله بهذه المهمة. في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تحث على التفكير والتفكر والتدبر والنظر والتأمل، الخ: "أفلا تعقلون؟"، "أفلا ينظرون…؟"، "أفلا تتدبرون…؟"، "أفلا يعلمون…؟"، "أفلا تتفكرون؟"، "أفلا يبصرون؟"… وهي كلها دعوات إلى إعمال العقل، أي إلى الاجتهاد. فموضوع التدبر والتفكر ليس مقصورا على القضايا الكونية والإنسانية، بل ويخص أيضا حتى القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وغيرها. وبمعنى آخر، فإن الأمر يتعلق بالاهتمام بحال ومآل الفرد والمجتمع. وبالاجتهاد (أليس التأويل نوعا من الاجتهاد؟)، يبقى القرآن مسايرا للواقع، بل ومتقدما عليه ومتجاِوزا له؛ بينما التحجج بقطعية الأحكام والنصوص، إنما هو تكبيل وتحجيم للعقل وتكريس لتخلف النص عن الواقع. فمقولة "لا اجتهاد مع النص" هي نفي لأحد السنن الكونية التي جعل الله منها المحرك الأساسي لكل الظواهر الإنسانية والاجتماعية وجعل منها المفتاح لفهم كثير من مظاهر الحياة البشرية؛ ألا وهي سنة التطور. وعدم استحضار هذه السنة الكونية في تدبر النصوص القرآنية، حتى القطعية منها، هو رفض للدروس التي يقدمها القرآن نفسه سواء من خلال قضية النسخ أو من خلال تجاوز الواقع لبعض الأحكام القرآنية. فالله عز وجل، العالم بأسرار الكون، والحافظ للقرآن من كل تحريف ("إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون")، ما كان ليعوزه أن يجعل القرآن خاليا من الأحكام المنسوخة بأخرى بعدية أو أن يفرغه من الأحكام التي تصبح، بفعل التطور، غير قابلة للتطبيق، بل وغير ذي معنى أو وجود في أرض الواقع. فهذه إشارات لأهل العلم والعقل من أجل جعل النصوص منفتحة على الواقع ومستوعبة له، وأساسا فيما يخص فقه المعاملات؛ أما العقائد، فلن تجد عاقلا يدعو إلى تغييرها تمشيا مع الواقع ومستجداته. شخصيا، لا أدعي القدرة على الاجتهاد ولا أعطي لنفسي هذا الحق؛ فأنا لست مؤهلا، علميا، لذلك. لكني أدعو، وبكل قوة، إلى فتح باب الاجتهاد في كل ما يتعلق بفقه المعاملات حتى لا يعيش المسلم في تناقض داخلي دائم بين واقعه (والواقع لا يرتفع!) وبين النصوص التي يصر البعض (وهم الأغلبية، للأسف الشديد!) على عدم إخضاعها لقانون التطور ولمستلزمات العصر، بحجج، ظاهرها القطعية والقدسية، وباطنها الانسلاخ عن الواقع وعن هموم العباد، إما كسلا أو جهلا. فالاجتهاد في زمننا هذا أصبح ضرورة دينية واجتماعية؛ ذلك أننا نعيش في عالم دائم التغير ومتلاحق التطور. والتطور سنة من سنن الله في خلقه (في الإنسان، فكرا وسلوكا؛ وفي الحيوان والنبات وغيره)؛ مما يستدعي الاجتهاد لمواكبة ثمرات التطور من حيث التشريع حتى تتم الاستجابة لحاجيات المجتمع في مختلف الميادين التي لها ارتباط بحياة الفرد والجماعات. ورغم أني لست مؤهلا للاجتهاد، فإن ذلك لم ولن يمنعني من التفكير والخوض في أمور المجتمع الذي أنتمي إليه وفي أوضاع الناس وأحوالهم، اعتمادا على ما يسره الله لي من حظ وافر في التعليم (تعلُّما وتعليما) و من مؤهلات أكاديمية محترمة. وهكذا، واعتبارا لأهمية السكن في حياة الأفراد والأسر ولدوره في الشعور بالاستقرار النفسي والاجتماعي، وفقني الله لكتابة مقال بعنوان " الربا بين فقه الواقع وفقه النص: فصل المقال فيما بين وزر الدائن والمدين من انفصال" (جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، يوم 15 يوليوز 2013)، هدفت من ورائه إلى تبيان انسلاخ أصحاب الفتاوى – التي تحرم الاقتراض من البنوك لامتلاك سكن شخصي- عن واقع مجتمعهم وعصرهم، وبالتالي بعدهم عن الاهتمام بمصالح الناس وبقضايا المجتمع. وعلى إثر الزوبعة التي حدثت (وصلت إلى حد التكفير وإهدار الدم) لمجرد طرح الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الأستاذ "إدريس لشكر"، بعض القضايا الشرعية للنقاش، من قبيل قضية تعدد الزوجات وتزويج القاصرات وقضايا الإرث، في تساوق تام مع مقتضيات الدستور الجديد ومع متغيرات الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، كتبت مقالا بعنوان "في الحاجة إلى عمر بن الخطاب" ("الاتحاد الاشتراكي"، 13 يناير 2014)، أبرزت من خلاله تخلف علمائنا، السلفيين منهم وغير السلفيين، ليس عن عصرهم فقط، بل حتى عن عصر الصحابة رضوان الله عليهم. ففي مسألة الإرث، مثلا، كانت للصحابة فتاوى اختلفت من صحابي جليل لآخر، رغم وجود النصوص القطعية في هذا الباب. ولن يكون علماؤنا اليوم لا أكثر فهما ولا أكثر علما من الصحابة الذين عايشوا الرسول (ص) وعايشوا نزول القرآن وتفعيله على أرض الواقع؛ ولن يكونوا أرجح عقل من عمر بن الخطاب الذي لم يتقيد، في تنفيذ الأحكام، بحرفية النص القرآني بمعزل عن المصلحة الاجتماعية للدولة الناشئة (أي بمعزل عن الواقع)، بل كان ينظر في العلل التي كانت توجب الأحكام قبل أن يقرر إما التنفيذ وإما وقف العمل بها إن كانت العلة لم تعد قائمة أو أن شروط التنفيذ غير متوفرة. وختاما، لا أجد أفضل من هذا التساؤل ("لا اجتهاد مع وجود النص أم لا اجتهاد إلا بوجود النص؟") – الذي وضعه د."شعبان عوض العبيدي" عنوانا لمقال له حول مسألة الاجتهاد (انظر "المنارة للإعلام"، جريدة إليكترونية، 26 يوليو 2012)- لتلخيص الإشكالية التي طرحتها في مقالي هذا، خصوصا وأن الدكتور "العبيدي" استند، في تأملاته، على القرآن والسنة للتمثيل لما ذهب إليه من كون الموضوع الواحد والنص الواحد قد تختلف حوله الأفهام. وقد ضرب لذلك مثلا، من بين أمثلة أخرى، اختلاف فتاوى الصحابة في مسألة الإرث، رغم وجود النص

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.