علال رجل اقترب من نهاية عقده الرابع ، لا زوجة له ولا أبناء ، يقطن في زقاق عتيق بوسط مدينة طنجة ويعيش رفقة أمه العجوز وأختيه ، إحداهما تشتغل في معمل للنسيج والأخرى تعمل مساعدة في متجر . علال رجل فظ وحاد الطبع ومتجهم مع أفراد أسرته لكنه وديع ورقيق مع أصدقائه وجلسائه بحسب رواية أحد جيرانه ... ولأن من طبعه الخمول والإتكالية ، فإن علال راض نفسه منذ حداثته على كل سهل وجنبها كل وعر حيث عرف عنه أنه يأنف العمل و يكتفي بما تجود عليه به أختاه من مال نهاية كل أسبوع أو أسبوعين وبما يرسل له أخوه المقيم بإحدى الديار الأوروبية من مبالغ مالية خلال بعض المناسبات . ولأن أمه العجوز تعتقد أن ابنها علال المسكين قد أصابته سهام العين و"التابعة" منذ يفاعته حتى أن جميع مسالك وأبواب العمل سدت في وجهه فإنها لا تملك إلا أن تحيطه بالعطف وتبالغ في الرفق به والحنو عليه كما أنها لا تتوانى في الإنفاق عليه عبر مده من يوم لآخر بجزء مما تدخره من مال وإن كانت تمنحه في بعض الأحيان كل ما توفر لديها خصوصا حينما يزمجر بصوته وتكون نظراته منذرة بشر. وعلال يعشق السهر والسمر ، و لا يستطيب الاستيقاظ في الصباح الباكر أو الالتزام بموعد خصوصا في النصف الأول من النهار كما أنه يستنكف عن تحمل أية مسؤولية أو تكليف . و لأجل ذلك كان دوما يستمرئ الكسل و يتقاعس عن البحث عن العمل حتى أنه لا يتوفر في سجل حياته على يوم واحد من العمل ، بل إنه لم يرو عنه أنه كسب يوما درهما بعرق جبينه ، ولعل المسوغ الذي يستند إليه في تنصله من العمل هو اعتقاده أن مدينة طنجة التي ولد وترعرع فيها تدير ظهرها لأبنائها و لا تمنح العمل إلا للوافدين عليها الذين يقبل الكثير منهم كما يقول العمل المضني في ظروف غير إنسانية و بأثمنة بخسة . ولذلك فهو اليوم يعيش أسير ماضيه الذي أهدر خلاله فرصا ذهبية تسربت من بين يديه ، لو كان قد استغلها كما يقول لكان اليوم قد تهيأت له أسباب الرفاهية والرغد والنعيم . وعلال كثيرا ما يبدي أسفه على انقضاء ماضيه الجميل الذي يعرب عن حسرته من عدم هجرته خلاله إلى بلجيكا أو فرنسا أو إسبانيا على غرار العديد من أصدقائه وأبناء دربه الذين وسع الله أرزاقهم بعد أن غادروا هذه الأرض الطيبة . لأجل ذلك فقد زهد في العمل في مدينته ونفض يده منه وأشاح بنفسه عنه ،وهو يعتقد أن فرص العثور على عمل لائق يحفظ كرامته وأنفته قد ضاعت كلها حينما كان في ريعان شبابه الذي فوت خلاله فرصة اختيار الطريق السليم ، طريق الهجرة إلى الخارج . واليوم أراح علال نفسه بعد أن تقدم به العمر من كل حديث عن العمل وأصبح يشعر بأن عبء العمل قد انزاح عن كاهله بل إنه صار يعتبر نفسه وقد أشرف على الخمسين معفى من أي تعب أو كدح . يقطن علال في حي عتيق بوسط المدينة ، وهو الحي الذي لا يبرحه إلا نادرا حيث أنه رسم لنفسه منذ شبابه حدودا لنطاق تحركاته و مسلكا نمطيا لحياته التي يقضيها في دائرة محدودة و مغلقة . وعلال وثيق الصلة بوسط المدينة حتى أنه إذا اضطر لتجاوز حدود دائرته تحت ظرف معين أو قاهر فإنه يشعر بالضيق والانقباض . يحكى أنه رافق في فصل صيف أخاه المقيم في أوروبا لتقديم واجب العزاء لأحد أفراد عائلته في منطقة شعبية بضواحي طنجة ، إلا أنه ما أن حل ببيت العزاء وقدم الواجب حتى مال على أخيه و طفق يطن ويرن في أذنيه يطلب منه في إلحاح مغادرة المكان بعدما اشتد حنينه إلى وسط المدينة ، فما كاد شقيقه ينصاع لإصراره ويتهيأ لمبارحة المكان حتى تنفس علال الصعداء و تبدد ما به من وجوم وهو يحث خطاه نحو سيارة أخيه التي ستقله وتنطلق به طاوية الطريق نحو قاعدته بوسط المدينة. والحق أن علال شعر حينما حل بتلك المنطقة بالغربة ، إذ اجتاحه شعور بأنه في مدينة أخرى،فالوقت كان يمر عليه في بطء شديد والوجوه التي صادفها في تلك المنطقة لا تعرفه ولا يعرفها باستثناء أهل بيت العزاء . ولعل من المفارقة أن علال الذي اعتاد على إبداء تحسره على عدم هجرته في طور شبابه إلى الخارج لا يعرف من مدن المغرب إلا طنجة ولم يسبق له أن وطأت قدماه أرض مدينة أخرى وإن كان قد تهيأ ذات يوم خلال شبابه للسفر رفقة صديق له إلى مدينة مجاورة إلا أنه عدل عن تلك الرحلة في اللحظة الأخيرة ، وكانت تلك أول وآخر محاولة لمبارحة مدينته ولو لحين . في إحدى المقاهي التي لا تبعد كثيرا عن بيت أسرته ، يصرف علال سحابة أيامه الرتيبة وجزءا من لياليه المتعاقبة . ذلك المقهى هو مأواه ومعقله وفيه مستقره ومقامه اليومي . والواقع أنه ليس له عن ذلك المقهى الشعبي محيص .فهو يفيق من النوم كل يوم بعد أن يميل ميزان النهار بوجه عبوس متجهم و بعد أن يتمدد ويتثاءب طويلا ، وما أن يفرغ من تناول وجبة الفطور التي تقدمها له أمه العجوز حتى يشق طريقه نحو ذلك المقهى الشعبي الذي لا تتسلل إليه خيوط الشمس وليس له إلا نافذة واحدة واسعة ومستطيلة هي بمثابة مدخنة تطرح ما ينفثه الرواد المدخنون نحو رصيف وشارع لا يخلوان من حركة وجلبة . حينما يتخطى علال عتبة المقهى بسرواله العسكري و بحذائه الرياضي وبطاقيته الشمسية التي لا تبرح رأسه صيفا وشتاء يدير بصره يمنة ويسرة فيجرف بنظراته الفضولية كل الأمكنة والمقاعد قبل أن تستقر في زاوية معتمة تحتضن كل يوم ثلة من أصدقائه الذين يأنس بهم ويسكن إليهم . هؤلاء الذين لا يختلف واقعهم عن واقعه وكذلك طباعهم و أفكارهم ، وعلاقته بهم صارت أشبه بعلاقة الشيخ بمريديه ... ومن عادة علال أن يلتحق بمجلسهم بعد الظهيرة وهو مكروب النفس عبوس القسمات فيفسحون له بعد ذلك المجال ليجلس وسطهم وكأنه سيترأس جلستهم . و على مألوف عادته يخرج علال بعد ذلك من مقلمة جلدية مهترئة معدات التدخين ثم يسحب منها غليونا فيشرع في حشو رأسه المجوف بمسحوق الكيف،وبتلذذ يشعل المحشو ويضع الغليوم (السبسي) بين شفتيه ثم يبدأ في تدخين ما أعده في متعة وانتشاء ، فيتصاعد الدخان في الفضاء في اتجاه كوة صغيرة ويتلوى مشكلا غيمة تكاد تحجب الرؤية عنه ثم يناول الغليون جلساءه فيحذو كل واحد منهم حذوه ويصنع ما صنع حتى يشمل الارتواء و النشوة الجميع . وما أن ينصرم بعض الوقت حتى ينتفي العبوس عن علال فيسيح في عوالم أخرى بعد أن تسري الانتعاشة في أوصاله وتتفتح عيناه وتلوح على صفحة وجهه علامات الانشراح ، ثم تتوقد رغبته في الحديث والضحك مع جلسائه ، وعندئذ يفيض نبع الكلام فينهال عليهم بالحديث في مختلف الشؤون و القضايا محللا ومفسرا ، ولا يقطع حديثه غير قهقهات مجلجلة يقذف بها من فمه من حين لآخر حيث يطل على إثرها ما تبقى في فمه من الأسنان التي نجت من عوامل التعرية . أما جلساؤه فيصغون إليه باهتمام و لا يملكون إلا أن يومئوا برؤوسهم إيماءة التصديق و يردوا على ضحكاته بأعلى منها من غير أن يجادلوه في شيئ ، وكيف يجادل المريدون شيخهم العارف الذي يمدهم بما يصب النشوة في أوصالهم . الزاوية التي يجلس فيها علال في المقهى استراتيجية ، فهي ملاذه ومعتصمه ، يطيب له المكث فيها ،وهو لا يحيد عنها إلا نادرا . قد يحدث أن يحتل أحد مقاعدها في يوم ما زبون جديد وفد لأول مرة إلى المقهى ، في تلك الأثناء إذا دلف علال إلى المقهى فإنه يجلس في مقعد غير بعيد عنها في انتظار انسحاب الوافد الجديد ، ويظل بعد ذلك جالسا في ضيق يفرك كفيه تارة ويخلل لحيته الكثة بأصابعه تارة أخرى وهو يرمق بعينيه الضيقتين حركات ورشفات الوافد الجديد حتى يبرح هذا الأخير المكان ، وعند ذلك يهرع علال إلى تلك الزاوية ثم يرمي بنفسه في أحضانها فينتفي عنه الكرب . والحقيقة أن علال يؤثر الجلوس في تلك الزاوية لاستراتيجيتها ، فهي من ناحية تجعل كل الزبناء الذين يحتضنهم المقهى وكذلك شاشة التلفاز تحت مرمى بصره ، ومن ناحية أخرى فهي تمن عليه بمشاهدة الغادين والرائحين عبر نافذة المقهى من غير أن تناله عيونهم . وعلال فضولي الطبع ، فكل ما يحدث داخل المقهى وخارجه يثير فضوله ، فمثلا إذا اتفق أن كان جالسا في زاويته المعهودة وتهادى إلى مسمعه من الشارع صوت فرامل سيارة أو اصطدام أو جلبة فإنه يرتد واقفا ويهب مهرولا نحو باب المقهى ليستطلع ما حدث ، فإن وجد تجمهرا للناس انحشر وسطهم وأرهف أذنه ثم طفق في لملمة ما يتدفق من أفواه الحاضرين حول ملابسات الواقعة ، وبعد ذلك لا يقفل إلى زاويته إلا بعد أن يكون قد شفى غليل فضوله . وعلال يطربه أن يحكي عن الوقائع والأحداث لجلسائه ، وهو في الحقيقة لا يحكيها بأمانة وإنما يضيف إليها من خياله الذي يخصبه مفعول الغليون ما يجعل المستمعين مشدودين إليه وصاغرين . تتركز معظم أنشطة علال داخل المقهى في لعب الدومينو والنرد والحديث عن الدوري الاسباني لكرة القدم . ومن مألوف عادته خلال لعبه أو حديثه أن يجرع الشاي قطرة قطرة وعلى مهل خصوصا عندما يكون محاطا ببطانة من جلسائه المدخنين . ولكأس الشاي عرف خاص عنده ، ذلك أنه لا يطلب إلا كأس شاي واحدة خلال اليوم كله ، تلازمه ما مكث في تلك الزاوية ، ولا تنفذ تلك الكأس إلا حينما يهم بمغادرة المقهى ليلا ،فهو يحتسي الشاي الثقيل بنشوة و على مهل ، ويقسم رشفاته بحسب زمن قعوده اليومي حتى أن ما تبقى من الشاي يصير بعد منتصف النهار باردا ومعتقا ... يلزم علال المقهى ويعتكف فيه ولا يريمه بعد الزوال إلا من أجل تناول الغذاء الذي تعده له أمه العجوز التي تعلم ما يستسيغ وما لا يستسيغ من طعام ، وفي تلك الأثناء يترك الكأس الفارغ نصفها على طاولته في المقهى حتى يعود ... وتناول الغداء لا يستغرق منه إلا وقتا وجيزا ، وبعد ذلك يعود ليطلب من النادل تدفئة ما تبقى من الشاي ، ثم يشرع في إخراج عدة التدخين من محفظته ليدخل في جولة أخرى من تنشيط المزاج ... يمر الوقت على علال متثاقلا وهو يجالس أصدقاءه في تضاحك و يلقي عليهم محاضراته التي لا ضفاف لها وإن كان موضوع البطولة الاسبانية التي يتابع تفاصيلها بشغف يستحوذ على الجزء الأكبر من أحاديثه واهتماماته. على نفس تلك الوتيرة يواصل علال التهام أيامه المتشابهة وهو رهين محبسه في جحر زاوية المقهى، تتعاقب الأيام والشهور والسنوات عليه ، لا يختلف أمره ولا يتغير حاله ولا يلفه إحساس بأي فراغ ، ينعم بقضاء سحابة أيامه مع جلسائه المدخنين بعيدا عن أي انشغالات أو التزامات ، يستكين لرتابة واقعه الذي لا تثقل عليه وطأته و يجيل عينيه في ماضيه وحاضره غير أنه لا يمد بصره إلى المستقبل ولا يوليه أدنى تفكير ، يعيش حاضره بإحساس الماضي الذي لا يستطيع الفكاك من أسره ، حيث أنه كلما جرى الحديث على لسانه على ماضيه إلا ويندب حظه ويستحضر أطلاله بقلب مفطور وعينين تملأهما المرارة والاغتمام خصوصا حينما تلمع في ذاكرته فترات مجيدة أهدر خلالها كما اعتاد أن يروي فرصا للهجرة إلى الخارج ليبقى في هذه المدينة التي يعتقد أنها تخذل أبناءها و تبخل عليهم بخيراتها وتجزيهم بالنكران والجحود .