في عرض البحر، على بعد أميال قليلة من شواطئ سبتةالمحتلة، تختلط أصوات المحركات الصغيرة برطوبة الليل، بينما تبحر قوارب صيد تقليدية لا تحمل شباكا، بل مهمة أخرى لا علاقة لها بالأسماك. وتحولت هذه القوارب، التي وُجدت أساسا لتأمين لقمة العيش، منذ سنوات إلى أدوات مفضلة لشبكات تهريب البشر والمخدرات، مستفيدة من هشاشة الرقابة، وضعف الوسائل، وواقع اجتماعي ضاغط يدفع البعض إلى اختيار الصمت، أو المشاركة. في الساعات الأولى من صباح الجمعة الماضية، رصدت عناصر الحرس المدني الإسباني قاربا مغربيا ينزل مهاجرا في عرض البحر، قبل أن يتم توقيفه واقتياد اثنين من الصيادين إلى التحقيق. الواقعة، التي وثّقتها وسائل إعلام اسبانية بمدينة سبتةالمحتلة، لم تكن استثناء، بل حلقة أخرى في سلسلة عمليات متكررة، تختلف في التفاصيل وتتطابق في الأسلوب. حيث تخرج قوارب تحمل رخص صيد قانونية، من موانئ الفنيدق أو بليونش، وتتجه نحو نقاط بحرية معروفة لدى المهربين، تقوم بعملية إنزال سريعة لمهاجرين أو لحزم ملفوفة بإحكام، ثم تعود أدراجها كما لو كانت في مهمة صيد فاشلة. في هذا النوع من العمليات، لا مجال للتسرع. كل خطوة محسوبة. يتم الاستعانة غالبا بشخص يعرف جيدا تيارات البحر ونقاط الضعف في تغطية الرادارات. يوضع المهاجرون في القارب عند ساعة محددة، يتم الاقتراب من الساحل الوجهة حتى مسافة آمنة، ثم يُجبرون على القفز والسباحة. لا تترك آثار ولا أسماء. وإن وقعت اعتقالات، تبقى التهمة دائما "مساعدة على العبور" أو "التواجد غير المشروع"، لكن السياق الأوسع غالبا ما يُغفل: بنية شبكية ممتدة، فيها من يدبّر، ومن ينسق، ومن ينفّذ. لا يقتصر التهريب على الأفراد، فالمخدرات بدورها تجد في هذه القوارب وسيلة فعالة لنقل كميات صغيرة يصعب تتبعها. يتم تثبيت الرزم في نقاط بعيدة عن الساحل، أحيانا مربوطة بعوامات صغيرة، في انتظار غواصين يأتون لاحقا لانتشالها. وقد سبق أن عُثر على أكثر من 200 كيلوغرام من الحشيش مخبأة في موقع صخري قريب من سبتة، ملفوفة داخل أكياس معزولة ومموهة بمعدات صيد عادية. في الموانئ الصغيرة بجهة طنجةتطوانالحسيمة، حيث لا تتعدى مداخيل بعض الصيادين مئات الدراهم شهريا، يبدو الإغراء أكبر من أن يُقاوم. يقول أحدهم، رفض الكشف عن هويته: "كيجيك واحد يقولك دُورة وحدة وتهز معاك حاجة، وتعطينا البقعة، وتربح ثلاثة شهور دفعة وحدة… وأنت ما عندك لا تقاعد لا ضمان". هكذا تنشأ الهشاشة، وهكذا يُستغل الفقر كمدخل للانزلاق. من جهتها كثّفت السلطات الإسبانية الدوريات البحرية، ونشرت كاميرات حرارية في محيط سبتةالمحتلة، كما زادت من تعاونها الاستخباراتي مع المغرب، لكن عمليات الضبط لا تزال جزئية وموسمية. أما في الجانب المغربي، فتُسجل من حين لآخر حملات حجز قوارب وإيقاف مشبوهين، لكن الظاهرة تظل أكبر من مجرد قارب، أو شخصين، أو محرك. وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو أن تهريب البشر والمخدرات عبر قوارب الصيد سيتراجع قريبا. فكلما ضاقت سبل العيش على اليابسة، كلما ازدادت شهية البحر المفتوح، حتى ولو لم يكن يحمل شباكا، بل عبورا محفوفا بالمخاطر، في اتجاه الضفة الأخرى.