تواصل جهة طنجةتطوانالحسيمة تعزيز موقعها كإحدى الأكثر دينامية في دعم المقاولات الصغرى، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي تعتبر هذه الفئة رافعة للتنمية القاعدية ومحاربة الهشاشة الاقتصادية. وتعد المقاولات الصغرى اليوم مساهما حيويا في خلق فرص الشغل وتعزيز التوازن المجالي داخل الجهة، حيث تنسجم الدينامية المحلية مع التوجهات الوطنية الرامية إلى جعل المقاولة الصغرى في صلب النموذج التنموي الجديد. في ظل التحولات الهيكلية التي تعرفها البنيات الترابية والاقتصادية للمملكة، أضحت هذه الفئة من المقاولات تحتل موقعا متقدما في السياسات العمومية، بالنظر إلى دورها الحيوي في خلق الثروة، تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية والجهوية، وتحقيق الادماج السوسيو اقتصادي للفئات الهشة. وقد ارتكزت الرؤية الملكية خلال السنوات الأخيرة على تعبئة مختلف الوسائل المؤسساتية والتشريعية والتمويلية من أجل ادماج المقاولات الصغرى ضمن الدورة الانتاجية الموسعة، وتمكينها من الانخراط في ورش الاقلاع الوطني. حيث عبّر صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2024 عن هذا التوجه، بدعوة واضحة لتقوية الروابط بين المقاولات الكبرى والصغرى، من خلال آليات التفويض التشاركي، بما يتيح خلق تكامل اقتصادي فعلي، يعزز مناعة النسيج الانتاجي الوطني ويجعل منه رافعة للعدالة المجالية. هذا التوجيه لم يظل حبيس التوصيات، بل تُرجم إلى مبادرات عملية أطلقتها مختلف المؤسسات العمومية، لا سيما المركز الجهوي للاستثمار، وغرف التجارة والصناعة، والوكالة الوطنية لانعاش التشغيل والكفاءات، فضلا عن تدخلات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي ركّزت في مرحلتها الثالثة على تحسين الدخل والادماج الاقتصادي. ورش مؤسساتي بتوجه استراتيجي وشهد المشهد المقاولاتي الجهوي تحولات نوعية خلال الشهور الماضية، كان أبرزها انعقاد المؤتمر الوطني للهيئة المغربية للمقاولات الصغرى بطنجة في ماي 2025، والذي أفرز تزكية رشيد الورديغي رئيسا للهيئة. وشكل هذا الموعد لحظة فارقة في مسار إعادة تنظيم الحقل التمثيلي لهذه الفئة، التي باتت تطمح إلى لعب أدوار أكبر في رسم السياسات العمومية الجهوية، والمشاركة في إنتاج الحلول، بدل الاكتفاء بتلقي الدعم. وقد سارعت الهيئة في صيغتها الجديدة إلى إطلاق برنامج تعبئة ميدانية شملت لقاءات جهوية، قوافل تحسيسية، ومنصات رقمية للمواكبة والتوجيه، ما أعاد الاعتبار للمقاولة الصغرى كفاعل اقتصادي وجب الانصات إليه، بدل اختزاله في خانة "المستفيد " وفي تفاعل إيجابي مع هذا التوجه، كثّف المركز الجهوي للاستثمار تدخلاته، من خلال تسريع المساطر، وتعميم خدمات التوجيه القبلي، وتبسيط الولوج إلى التمويل، في حين ركّزت غرف التجارة والصناعة والخدمات على تطوير باقات التكوين في مجالات التدبير، التسويق، والرقمنة. ومن جهتها، وسّعت وكالة انعاش التشغيل والكفاءات نطاق تدخلاتها، لتشمل العالم القروي، والمناطق الشبه حضرية، مع إيلاء عناية خاصة للمقاولين الذاتيين، والشباب حاملي الشهادات، والنساء الراغبات في ولوج سوق الشغل عن طريق المبادرة الحرة. كما تم اعتماد مقاربة متعددة الفاعلين، من خلال التنسيق بين الجماعات الترابية، المراكز الجهوية، والمصالح الخارجية، لارساء منظومة تأطير فعالة، قادرة على مواكبة دورة حياة المقاولة من التأسيس إلى التوسيع. مؤشرات ميدانية واعدة وأظهرت معطيات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية برسم الفصل الأول من سنة 2025 تسجيل إحداث 3867 مقاولة جديدة بجهة طنجةتطوانالحسيمة، ما يجعلها في صدارة الجهات على المستوى الوطني من حيث دينامية الإحداث المقاولات. وتسجل عمالة طنجةأصيلة أعلى نسبة بإحداث 2823 مقاولة، تليها تطوان ب536، فالعرائش ب147، ثم القصر الكبير ب114، وشفشاون ب52، ووزان ب42، وأصيلة ب26، في حين لم تتجاوز المقاولات المحدثة بالحسيمة وتارجيست 26 مقاولة مجتمعة. وتشكل الأنشطة التجارية نحو 44.6 بالمائة من مجموع المقاولات المحدثة، تليها أنشطة البناء والأشغال ب15.95 بالمائة، والخدمات ب15.93 بالمائة، ثم أنشطة أخرى تشمل النقل، الصناعة، الإطعام، الإعلاميات، الفلاحة، والصناعات الغذائية. هذا التنوع يشير إلى تحوّل في بنية الاقتصاد الجهوي، مع تنامي أنشطة ذات قيمة مضافة، وولوج مقاولين جدد إلى قطاعات غير تقليدية. غير أن هذه الدينامية تواجه تحديات بنيوية تتعلق بصعوبة الولوج إلى التمويل، هشاشة البنيات التدبيرية، غياب التراكم المهني، وتضارب المساطر. وهو ما تعمل المؤسسات الجهوية على تداركه عبر تمويل موجه، مواكبة تقنية، وتدبير تكاملي للعرض العمومي. وقد أطلقت غرفة التجارة والصناعة برنامجا لتأهيل المقاولات الصغيرة جدا، يهم التكوين في مسارات المقاول الذاتي، الجبايات، الصفقات العمومية، والتسويق الرقمي. آفاق داخل الاقتصاد الجهوي وتراهن جهة الشمال على إدماج المقاولات الصغرى ضمن الديناميات الكبرى للتحول، وفي مقدمتها التحول الطاقي، الرقمنة، والتنمية القروية. فمشاريع الهيدروجين الأخضر، والنجاعة الطاقية، وتحولات سلاسل التوريد الصناعية، تفتح آفاقا جديدة أمام الفاعلين الصغار للتموقع داخل بيئة إنتاجية متغيرة. وتوفر هذه الدينامية فرصا لتطوير أنشطة موازية في مجالات الصيانة، المعالجة البيئية، والخدمات التقنية المصاحبة. التحول الرقمي بدوره يشكل نقطة تقاطع جديدة بين الابتكار وحاجيات السوق، حيث بدأت تظهر مشاريع مقاولاتية صغرى تشتغل على تطوير تطبيقات مرتبطة بالخدمات الحضرية، الدفع الإلكتروني، التجارة عن بعد، والخدمات المرتبطة بالمقاولات الأخرى. وقد ساعد هذا التوجه على تقليص الكلفة التشغيلية، وتوسيع قاعدة الزبناء، ورفع مردودية النماذج الصغيرة. أما في الوسط القروي، فإن المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية قد أرست أرضية ملائمة لاحتضان مبادرات مقاولاتية صغيرة، خاصة في مجالات تثمين المنتجات المجالية، تسويق الصناعات الغذائية التقليدية، وتقديم خدمات النقل القروي، والمواكبة الفلاحية. وقد ساهمت هذه المبادرات في تحسين الدخل، وتثبيت الساكنة، وتقليص الفوارق المجالية. وتجمع مكونات النسيج المؤسساتي الجهوي على أهمية تمكين المقاولات الصغرى من أدوات التكوين والتمويل والمواكبة، باعتبارها طرفا فاعلا في تنزيل النموذج التنموي الجديد، وعنصرا أساسيا في دعم الاستثمار الترابي وتحقيق العدالة الاقتصادية داخل الجهة. ولتحقيق ذلك، بات من الضروري إرساء منظومة جهوية للتنسيق بين الفاعلين، تعتمد على حكامة مرنة، تتفاعل مع المتغيرات، وتُشرك المقاولين في تقييم السياسات العمومية وصياغة البدائل الممكنة. إن الرهان على المقاولة الصغرى لم يعد ترفا خطابيا، بل خيارا استراتيجيا لإعادة بناء التوازن الاقتصادي، وتعزيز مناعة النسيج الترابي في وجه الصدمات، وتكريس ثقافة الإنتاج والمبادرة في أوساط الفئات الأكثر هشاشة. وهذا ما تعمل جهة طنجةتطوانالحسيمة على تكريسه يوما بعد يوم، من خلال بناء نسق متكامل، يجعل من المقاولة الصغرى فاعلا كامل الحقوق والواجبات، في خدمة التنمية الجهوية الشاملة.