العتبة الثانية: حين يتحول الصوت الأنثوي إلى هدف في المقال السابق، وقفنا عند "العتبة الأولى"، تلك التي تفصل بين البيت والشارع، حيث تتفاوض المرأة على حقها في الخروج من الفضاء الخاص. لكن، لو افترضنا جدلاً أن المرأة نجحت في عبور تلك العتبة، وخرجت إلى الفضاء العام، وترشحت، وفازت بمقعد. هل ينتهي التحدي عند هذا الحد؟ الواقع يقول إن هناك "عتبة ثانية" أكثر قسوة، تنتظر المرأة خلف المقعد البرلماني أو داخل قاعة المجلس، إنها عتبة "البقاء والأمان"، حيث يتحول الصوت الأنثوي من مساهمة في الشأن العام إلى هدف سهل للنقد اللاذع والعنف الرمزي. إن المشاركة السياسية للمرأة المغربية لا تواجه فقط تحديات الوصول، بل تواجه تحدي "الاستمرارية" في بيئة لا تزال ذكورية الطبع. من منظور سيكوسوسيولوجي، نلاحظ ظاهرة "العقاب الاجتماعي" لكل امرأة تجرأت على كسر الصمت. فبينما يُنظر إلى نقد الرجل السياسي على أنه اختلاف في البرامج والرؤى، يُنظر إلى نقد المرأة السياسية غالباً على أنه خروج عن المألوف. هنا يكمن جوهر العنف الرمزي: ليس الهدف إقناعها بخطئها سياسياً، بل تذكيرها بأن مكانها الطبيعي ليس هنا، وأن ثمن الوجود في هذا الفضاء هو التعرض للجرح المستمر. وتلعب وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي دوراً مزدوجاً في هذه المعادلة. فمن ناحية، هي منبر للمرأة لتوصيل صوتها، ومن ناحية أخرى، هي ساحة لصيد السمات. تتعرض المرأة السياسية لتشريح مظهرها، لنبرة صوتها، لحياتها الأسرية، بل ولأخلاقها الشخصية، بأسلوب لا يُطبق على نظيرها الرجل. هذه "التعرية الإعلامية" تخلق حالة من "الرعب النفسي"، حيث تعيش المرأة في حالة يقظة دائمة، خوفاً من أن تتحول أي زلة لسان إلى حملة تشهير تهدد مسارها ومستقبل أسرتها. النتيجة هي ما نسميه ب "الرقابة الذاتية الاستباقية"، حيث تبتعد المرأة عن القضايا الشائكة أو المثيرة للجدل، وتكتفي بالأدوار الآمنة، مما يفقد مشاركتها جوهرها التغييري. وعلى مستوى البنية الحزبية والمجتمعية، لا تزال المرأة تواجه "سقفًا زجاجيًا" آخر، يتعلق بشبكات النفوذ غير الرسمية. فالقرارات الحقيقية غالباً ما تُتخذ في أمكنة لا تُدعى إليها المرأة بنفس القدر الرجل ( الاجتماعات الجانبية، المقاهي السياسية...). هذا الإقصاء غير المعلن يجعل المرأة حاضرة جسدياً في المؤسسات، وغائبة فعلياً في صناعة القرار. إنها مشاركة "شكلية" تحمي النظام من نقده دولياً، دون أن تمنح المرأة القدرة الحقيقية على تغيير القوانين التي تمس حياتها وحياة النساء الأخريات. الأخطر من ذلك، هو تأثير هذا المناخ على الأجيال الصاعدة. فحين ترى الشابات نماذج لنساء سياسيات يتعرضن للهجوم الشرس، أو يُجبرن على الانسحاب بسبب الضغوط، تتراكم لديهن قناعة بأن "الثمن باهظ جداً". هذا يفرغ الساحة السياسية من الكفاءات النسائية الشابة، ويتركها حكراً على من يملكون "جلداً سميكاً" أو حماية قبلية وعائلية استثنائية. وبالتالي، نخسر تنوعاً فكرياً ضرورياً، ونخسر نصف الطاقة البشرية التي يحتاجها الوطن للتقدم. كيف نعبر هذه العتبة الثانية؟ لا يكفي سن قوانين تجرم العنف السياسي ضد المرأة، بل نحتاج إلى ثورة في "الثقافة السياسية". نحن بحاجة إلى تعلم فن "اختلاف الرأي" دون "إلغاء الخصم". يجب أن ندرك أن حماية المرأة السياسية من الهجوم الشخصي ليس ترفاً، بل هو شرط جوهري لسلامة الديمقراطية نفسها. حينما تشعر المرأة بالأمان لتقول ما تعتقد دون خوف على سمعتها أو أسرتها، يمكن القول إن المشاركة السياسية قد نضجت. في الختام، إن عبور العتبة الأولى (الخروج من البيت) إنجاز كبير، لكن البقاء خلف العتبة الثانية (مواجهة الفضاء العام) هو التحدي الحقيقي. الديمقراطية لا تقاس بعدد النساء في البرلمان، بل تقاس بمدى قدرتهن على البقاء فيه بصوت مسموع، وكرامة مصانة، دون أن يتحول صوتهن إلى هدف يُصاد في كل موسم انتخابي. لعلنا نتعلم يوماً أن نحترم الصوت الأنثوي ليس لأنه "أنثوي"، بل لأنه "إنساني" يحمل رؤية للوطن تستحق الاستماع والأمان. -باحث في العلوم السياسية