تعيش طنجة منذ أيام على وقع موجة برد لا تبدو استثنائية في مؤشرات الأرصاد الجوية، إذ استقرت درجات الحرارة الدنيا في حدود 7 درجات مئوية. غير أن قراءة أكثر عمقا للمعطيات المناخية والحضرية تظهر أن الإحساس بالبرد داخل المدينة لا يتوزع بشكل متساو، وأن الأثر يتجاوز الرقم المسجل ليصيب أحياء بعينها بشكل أوضح. ويظهر تحليل أنجزته جريدة طنجة 24 الإلكترونية، اعتمادا على تقاطع بيانات الأرصاد الجوية مع مؤشرات ديموغرافية وسكنية، أن تفاعل الرياح التي تراوح سرعتها بين 10 و20 كيلومترا في الساعة مع رطوبة ليلية تفوق 80 في المئة يؤدي إلى خفض الإحساس الحراري الفعلي إلى نحو 4 درجات مئوية. هذا الفارق، وإن بدا محدودا تقنيا، يغير عمليا طريقة عيش البرودة داخل المساكن. وتكمن أهمية هذا المعطى في كونه يفسر لماذا تتحول موجة برد معتدلة رقميا إلى مصدر ضغط فعلي داخل بعض الأحياء، في حين تمر بشكل أقل حدة في مناطق أخرى من المدينة تتمتع بشروط سكن أفضل. تفاوت مجالي في الإحساس بالبرد ولفهم هذا التفاوت، اعتمد التحليل على مؤشر مركب لحساسية البرد (CSI)، يجمع بين العوامل المناخية المباشرة والعوامل السوسيو مجالية المرتبطة بالكثافة السكانية وجودة البناء. وتظهر نتائج هذا المؤشر أن الإحساس بالبرد يزداد كلما اجتمعت البرودة مع الاكتظاظ وضعف العزل الحراري. وتبرز مقاطعة بني مكادة في صدارة هذا التصنيف، باعتبارها تضم أكبر تجمع سكاني في طنجة بحوالي 567 ألف نسمة، تليها مقاطعة مغوغة بنحو 252 ألف نسمة. هذا الحجم الديموغرافي لا يخلق البرودة، لكنه يضخم أثرها، إذ يجعل عددا كبيرا من السكان عرضة للإجهاد الحراري نفسه في وقت واحد. ويحدد التحليل عددا من الأحياء التي تسجل أعلى مستويات حساسية للبرد، من بينها بني مكادة القديمة، والعوامة الشرقية بشطريها، وبير الشفا 2، ومرس أشناد، إضافة إلى مغوغة 1 و2، ومسنانة، ومنطقة برانص كاسابراتا. وفي هذه المناطق، يصبح ضعف العزل عاملا حاسما في تحويل الانخفاض الحراري الليلي إلى إحساس متواصل بالبرد داخل المساكن. تحسن متوقع وحدود التكيف الحضري وتشير التوقعات المناخية إلى تحسن تدريجي ابتداء من منتصف الأسبوع، مع ارتفاع درجات الحرارة الدنيا إلى ما بين 10 و11 درجة مئوية. ومن شأن هذا الارتفاع أن يقلص الفجوة بين الحرارة المقاسة والمحسوسة، ويخفف الضغط الحراري داخل الأحياء الأكثر تضررا. غير أن هذا التحسن الظرفي لا يغير، وفق التحليل، طبيعة الإشكال القائم. فموجات البرد، حتى عندما تكون محدودة زمنيا ومعتدلة رقميا، تواصل اختبار قدرة جزء من النسيج الحضري على التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة. وبذلك، يخلص التحليل إلى أن مسألة البرد في طنجة لا يمكن اختزالها في المؤشرات الجوية وحدها، بل ترتبط بشكل وثيق بجودة السكن والتخطيط العمراني، ما يجعل الإحساس غير المتكافئ بالبرد مؤشرا حضريا قائما بذاته، يتكرر مع كل موجة برودة مشابهة.