لم يكن إسدال الستار على منافسات كأس الأمم الإفريقية بمدينة طنجة، عقب احتضان نصف النهائي بين السنغال ومصر، مجرد نهاية لحدث رياضي عابر، بل شكل بداية لمرحلة تقييم شاملة لأثر هذه التظاهرة على "عروس الشمال". وتكشف المؤشرات الأولية المستقاة من الميدان عن نجاح المدينة في تحويل الزخم القاري إلى محرك اقتصادي فعال في ذروة فصل الشتاء، وهو التوقيت الذي يمثل عادة فترة ركود دوري للمدن السياحية المتوسطية. وتشير القراءات التمهيدية المستندة إلى معطيات المهنيين إلى أن القطاع السياحي كان المستفيد الأبرز من هذه الحركية، حيث سجلت الفنادق المصنفة نسب إشغال استثنائية تراوحت بين 80 و90 في المئة. ويمثل هذا الرقم قفزة نوعية مقارنة بالمعدلات الموسمية الاعتيادية التي لا تتجاوز 50 في المئة، مما يعكس قدرة "سياحة التظاهرات" على فك الارتباط بموسمية النشاط السياحي وتوليد طلب غير مبرمج في ميزانيات القطاع الخاص. ولم ينحصر هذا الانتعاش الأولي في الوحدات الفندقية الكبرى، بل امتد ليشمل النسيج الاقتصادي المحلي عبر الطلب المتزايد على الشقق المفروشة والإيواء البديل. ويرى محللون أن هذه الدينامية ساهمت في ضخ سيولة مالية مباشرة في الاقتصاد المحلي، بانتظار البيانات الرسمية التي ستحدد بدقة حجم القيمة المضافة المحققة وتأثيرها على القوة الشرائية والنشاط التجاري في الأحياء القريبة من المنشآت الرياضية. وفي سياق متصل، قدمت الحركية الجماهيرية التي تجاوزت 50 ألف متفرج في ليلة واحدة "اختبار إجهاد" حقيقي للمنظومة اللوجستية وتدبير الحشود بالمدينة. إن صمود البنية التحتية للنقل والخدمات أمام هذا الضغط المكثف يرسل إشارات إيجابية حول نضج الحكامة الترابية، وهو ما يُعد مؤشرا أوليا على جاهزية طنجة لاستيعاب استحقاقات دولية أكثر تعقيدا في المستقبل، وضمان انسيابية الحركية في المحاور الطرقية الاستراتيجية. وعلى المستوى المؤسساتي، يندرج هذا النجاح الأولي ضمن رؤية المملكة "للأوراش الكبرى" التي تجعل من التظاهرات الرياضية قاطرة للتنمية المدمجة. فقد ساهم الأثر المضاعف للحدث في إنعاش قطاعات المطاعم والتموين والخدمات، حيث سجل المهنيون ارتفاعا محسوسا في رقم المعاملات اليومي، مما حول الحدث الرياضي إلى استثمار ذي عائد اجتماعي واقتصادي ساهم في استقرار مناصب الشغل الموسمية في فترة "خارج الذروة". وتفسر هذه المؤشرات السياقية رهان المغرب على تعزيز "العلامة التجارية" لمدنه الكبرى كأقطاب دولية قادرة على المزاوجة بين التميز التنظيمي والمردودية التنموية. ويمنح النجاح في تدبير هذه المرحلة صناع القرار قاعدة بيانات ميدانية لتطوير الاستراتيجيات القادمة، خاصة في أفق استضافة مونديال 2030، حيث تمثل تجربة "الكان" في طنجة حجر زاوية في تقييم القدرات اللوجستية والأمنية والتقنية للمملكة. وبالرغم من غياب البيانات الإحصائية الرسمية النهائية حتى الآن، إلا أن الانطباع العام لدى الفاعلين الاقتصاديين يميل نحو التفاؤل، معتبرين أن المردود الحقيقي يتجاوز التدفقات المالية المباشرة إلى بناء "سمعة مؤسساتية" متينة. ويظل الرهان القائم هو كيفية تحويل هذه المكاسب الظرفية إلى نموذج نمو مستدام يضمن استدامة النشاط السياحي والتجاري بمدينة طنجة على مدار العام، بعيدا عن الارتهان للمواسم التقليدية. وتطوي طنجة هذه الصفحة وهي تراكم رصيدا ثمينا من الخبرة الميدانية، واضعة نفسها كمنصة قارية موثوقة قادرة على استقطاب الاستثمارات في قطاع الرياضة والأعمال. ومع اقتراب صدور التقارير الرسمية من الجهات المختصة، تظل المؤشرات الحالية كافية لرسم صورة أولية عن نجاح المدينة في تحويل التحدي التنظيمي إلى فرصة حقيقية للإقلاع الاقتصادي، مما يعزز من تموقعها كقطب جاذب في حوض البحر الأبيض المتوسط.