دفعت القيادة العليا للدرك الملكي، بتعليمات مستعجلة، بتعزيزات لوجيستية وبشرية "استثنائية" إلى مدينة القصر الكبير، في إطار عملية انتشار واسعة تهدف إلى إسناد السلطات المحلية والقوات العمومية في مواجهة الوضع الهيدروليكي الحرج الذي فرضه فيضان وادي اللوكوس، عقب اضطرار المصالح المختصة لتصريف حمولة سد "وادي المخازن" الذي تجاوزت حقينته نسبة 100 بالمائة. وشكل وصول هذه التعزيزات، التي وصفتها مصادر ميدانية ب"النوعية"، تحولا محوريا في إدارة الأزمة، حيث تم رصد نشر سرب من الطائرات المسيرة (الدرون) المتطورة في سماء المنطقة، تتولى مهمة المسح الجوي المستمر لمجرى الوادي وروافده، وتوجيه فرق التدخل الأرضي نحو النقاط السوداء التي يصعب الوصول إليها أو معاينتها بالعين المجردة وسط الظلام والضباب. وعلى الأرض، حولت وحدات الدرك الملكي مداخل المدينة المتضررة إلى ما يشبه "ثكنات عملياتية"، حيث تمركزت شاحنات تكتيكية مجهزة للعمل في البيئات المائية، إلى جانب نشر عشرات الزوارق المطاطية والقوارب السريعة (Zodiac) التي يقودها عناصر من فرق "الضفادع البشرية" المتخصصة في الإنقاذ البحري، والذين باشروا عمليات تمشيط دقيقة للأحياء التي غمرتها المياه وللدواوير المعزولة في الحزام الأخضر للمدينة. وتأتي هذه التحركات المكثفة بتنسيق ميداني عال مع وحدات القوات المسلحة الملكية، التي انخرطت بدورها في المجهود الوطني عبر إقامة مخيم إيواء استعجالي بمواصفات ميدانية في منطقة "طريق تطفت"، مجهز لاستقبال مئات الأسر التي اضطرت لمغادرة منازلها، في مشهد يعكس تلاحم مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية لتطويق تداعيات الكارثة الطبيعية. وكانت السلطات المحلية، مدعومة بهذه التعزيزات، قد باشرت منذ ساعات الصباح الأولى تنفيذ خطة إجلاء وقائية واسعة شملت 13 حيا سكنيا مهددا بالغرق، أبرزها أحياء "الديوان"، "أولاد احمايد"، "الشروق"، و"المدينة العتيقة"، حيث استعملت مكبرات الصوت لحث المواطنين على إخلاء المنازل فورا، بينما تولت سيارات الإسعاف التابعة للوقاية المدنية والصحة العسكرية عملية إخلاء المستشفى المحلي ونقل المرضى إلى مؤسسات استشفائية آمنة. ويرتبط هذا الاستنفار القصوى بالوضع المقلق لسد "وادي المخازن"، أكبر المنشآت المائية في المنطقة، الذي استقبل واردات مائية قياسية فاقت قدرته الاستيعابية، ما حتم فتح بوابات التفريغ لتصريف التدفقات الهائلة حماية لهيكل السد، وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع صاروخي في صبيب وادي اللوكوس ليجتاح الحواجز الوقائية ويغمر المناطق المنخفضة. وفي محاولة تقنية للتحكم في مسار المياه، لجأت السلطات المختصة، تحت إشراف مباشر من مسؤولي وزارة التجهيز والماء، إلى إحداث "ثغرة موجهة" في الحاجز الوقائي للوادي، بهدف تخفيف الضغط المائي الرهيب على المناطق الحضرية المكتظة وتصريف السيول نحو الأراضي الفلاحية المفتوحة في منطقة "عرباوة"، في قرار صعب يهدف إلى تغليب كفة الأرواح البشرية والممتلكات السكنية. وتعمل القيادة العليا للدرك الملكي، من خلال مركز قيادة متقدم، على تحيين خطط التدخل لحظة بلحظة بناء على المعطيات الواردة من طائرات المراقبة ومن السدود، مع وضع كافة الوسائل اللوجيستية، بما فيها المروحيات، في حالة تأهب قصوى للتدخل الجوي إذا ما اقتضت الضرورة إجلاء عالقين من أسطح المنازل في المناطق القروية النائية. ويسود القصر الكبير جو من الترقب والحذر، حيث تتابع الساكنة بقلق منسوب المياه الذي حول شوارع بأكملها إلى مجاري مائية، مستحضرين ذكريات فيضانات سابقة، إلا أن حجم الإنزال الأمني والعسكري وتواجد كبار المسؤولين في الميدان، بمن فيهم الوالي وعمال الأقاليم المجاورة، بعث رسائل طمأنة بوجود إرادة مركزية قوية لعدم ترك المدينة تواجه مصيرها وحيدة أمام قوة الطبيعة.