عاشت مدينة القصر الكبير، ليلة "بيضاء" لم يذق فيها السكان طعم النوم، امتدت فصولها العصيبة حتى الساعات الأولى من صباح الخميس، وذلك على وقع فيضانات عارمة اجتاحت أحياء سكنية ومرافق حيوية، فارضة حالة من الاستنفار القصوى وغير المسبوقة منذ سنوات. وتواجه المدينة، التي يخترقها وادي اللوكوس، وضعا هيدروليكيا حرجا للغاية، بعدما فاضت مياه الوادي عن مجراها الطبيعي لتغمر مساحات واسعة من الضفاف، في مشهد أعاد إلى الأذهان ذكريات فيضانات مدمرة سابقة، مما وضع السلطات المحلية وأجهزة الوقاية المدنية في سباق محموم مع الزمن لتفادي الأسوأ. وفي تطور ميداني يعكس خطورة الوضع، غمرت السيول الجارفة صباح الخميس مرافق "مستشفى القرب" المتواجد بالمدخل الشمالي للمدينة، حيث حاصرت المياه المرتفعة المبنى وتسللت إلى قاعاته وممراته، مما تسبب في شلل تام في خدماته. واضطرت المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أمام استحالة استمرار العمل في ظل هذه الظروف، إلى تعليق الخدمات بالمستشفى وإخلائه بشكل مؤقت، في وقت تحاول فيه فرق التدخل شفط المياه المتراكمة وحماية التجهيزات الطبية من التلف، وسط مخاوف من تضرر البنية التحتية للمؤسسة الصحية الحديثة العهد. ويعزى هذا الوضع الكارثي بشكل رئيسي إلى الامتلاء الكامل لحقينة سد "وادي المخازن"، المزود الرئيسي للمنطقة بالمياه والشريان الفلاحي لحوض اللوكوس، حيث بلغت نسبة الملء 100 بالمئة بفعل التساقطات المطرية الغزيرة والاستثنائية التي تهاطلت على المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية. وأمام الضغط الهائل الذي يمارسه المخزون المائي على جدران السد ومنشآته الفنية، لم تجد وكالة الحوض المائي بدا من تفعيل مساطر السلامة عبر فتح بوابات التفريغ لتصريف الفائض المائي، وهي عملية تقنية ضرورية لحماية السد، لكنها أدت حتما إلى رفع صبيب وادي اللوكوس بشكل قياسي تجاوز قدرة المجرى على الاستيعاب. وعلى مستوى الأحياء السكنية، قضى سكان الأحياء المنخفضة، ولا سيما حي "سيدي رضوان" وحي "المناكيب" وأحياء المدينة العتيقة المتاخمة للوادي، ليلة من الرعب والترقب، حيث ظلت الأعين شاخصة نحو منسوب المياه الذي كان يرتفع ببطء ولكن بثبات، مهددا باقتحام المنازل. وأفادت شهادات من عين المكان أن شبكة التطهير السائل بالمدينة أصيبت بالاختناق والشلل التام، حيث عجزت القنوات عن استيعاب كميات الأمطار الممزوجة بمياه الوادي، مما أدى إلى ارتداد المياه العادمة وخروجها من البالوعات لتغرق الشوارع والأزقة، محولة إياها إلى برك مائية آسنة تعيق حركة السير وتهدد الصحة العامة. واستنفرت السلطات الإقليمية والمحلية كافة مواردها البشرية واللوجستية، حيث شوهدت الجرافات والشاحنات الثقيلة تعمل طوال الليل وتحت الأمطار لتعزيز الحواجز الترابية وإقامة سواتر رملية جديدة في النقاط الأكثر هشاشة، بهدف توجيه مسار المياه ومنعها من التوغل نحو عمق الأحياء المأهولة. ووجهت السلطات نداءات متكررة وصرامة للساكنة، دعتهم فيها إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، والابتعاد الفوري عن ضفاف الوادي والقناطر المهددة بالغمر، كما نصحت المواطنين بتقليل استعمال المياه المنزلية لتخفيف الضغط على شبكة الصرف الصحي المتهالكة أصلا. ورغم الجهود الميدانية الجبارة، لا يزال القلق سيد الموقف صباح الخميس، حيث تشير التوقعات الجوية إلى احتمال استمرار الاضطراب الجوي، مما يعني أن خطر الفيضان لا يزال قائما، وأن الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مآل الوضع، في انتظار انخفاض منسوب السد وتراجع مياه الوادي إلى مستوياتها الطبيعية.