تواجه المنابر الصحفية في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة تحدياً غير مسبوق يتجاوز حدود التحرير ليصل إلى عمق "السيادة الرقمية". ففي الأسابيع الأخيرة، رصدت كبريات الصحف الجهوية ما يوصف ب "هجوم تقني صامت" تمثل في تدفق هائل لزيارات وهمية مصدرها خوادم (Servers) في شرق آسيا وأوروبا الشرقية، في عملية تبدو للوهلة الأولى تقنية صرفة، لكنها تخفي في طياتها صراع نفوذ محلي. التحقيقات الأولية التي أجرتها شركتان متخصصتان في الأمن الرقمي بطلب من المؤسسات المتضررة، كشفت عن نمط معقد من التدخل. ورغم أن "البصمة الرقمية" للزيارات تشير إلى جغرافيا بعيدة، إلا أن التقارير التقنية المتطابقة —التي جرى توثيقها عبر مفوضين قضائيين— ترجح وجود "عقل مدبر محلي". تعتمد هذه الاستراتيجية على "بوتات" (Bots) مبرمجة لمحاكاة سلوك المستخدمين، مما يؤدي إلى تضخم مصطنع في الأرقام أو إرباك لترتيب المواقع في محركات البحث، وهو ما يضرب في العمق مصداقية المؤشرات التي تعتمد عليها المعلنون والشركاء المؤسساتيون. "نحن لا نتحدث عن مجرد خلل تقني، بل عن محاولة لضبط إيقاع المنافسة عبر أدوات غير أخلاقية تستهدف الحصة السوقية للإعلانات والاعتبار المعنوي للمؤسسات"، يقول مصدر من أحد المنابر المتضررة. أمام هذا الوضع، قرر الجسم الصحفي بطنجة الخروج من مربع الدفاع إلى الهجوم القانوني. تم فتح قنوات اتصال رسمية مع المجلس الوطني للصحافة: للنظر في الجوانب الأخلاقية والمهنية. و الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT): لطلب تدقيق تقني في مصادر النقرات. ثم وزارة الاتصال: للاستفسار عن وجود أي عمليات رسمية لتدقيق الرواج الرقمي. وحتى اللحظة، يسود صمت مطبق من جانب الجهات الرسمية، التي لم تصدر أي توضيح بشأن طبيعة التحقيقات أو التدابير التي يمكن اتخاذها لحماية البيئة الرقمية للصحافة الجهوية من "القرصنة التنافسية". تأتي هذه الواقعة لتعمق الجدل حول "دكتاتورية الأرقام" في الصحافة الإلكترونية المغربية. ففي ظل غياب مؤسسة وطنية مستقلة لتدقيق الأرقام (على غرار OJD الدولية)، يبقى الرواج الرقمي عرضة للتلاعب، مما يفتح الباب أمام حروب بالوكالة تستخدم فيها "الخوارزميات" بدلاً من الأقلام، وهو ما يهدد في نهاية المطاف حق القارئ في الوصول إلى مشهد إعلامي شفاف ونزيه.