لم تكن العملية التي أطاحت بمصداقية "المؤثر" الهارب، هشام جيراندو، في حاجة إلى اختراق سيبراني أو تسريبات أمنية رفيعة المستوى؛ بل كفتها مكالمة هاتفية واحدة من الناشط الطنجاوي إبراهيم الشرقاوي، لتهدم صرحا من "المصادر الموثوقة" تبيّن أنه بُني على رمال ناعمة من الأوهام والاندفاع غير المسؤول. ففي واحدة من أكثر الوقائع سريالية في فضاء "المعارضة الرقمية"، وجد التيكتوكر هشام جيراندو نفسه في مرمى سخرية لاذعة هزت أركان منصته "التحدي"، بعدما تحول في غضون ساعات من "واضع لليد على الجراح" إلى "بوق" يردد إشاعات هزلية صُممت خصيصا لاختبار هشاشة منظومته المعلوماتية. وبدأت الواقعة حينما استهدف الناشط إبراهيم الشرقاوي جيراندو ب "طعم" إعلامي، ملقنا إياه رواية بوليسية عن عملية تهريب وشيكة للحشيش عبر شاطئ "سيدي قنقوش" بطنجة، يقودها بارونان مزعومان هما: "عمي علي" و"حالوبو". وتكمن المفارقة التي أثارت موجة عارمة من الضحك والتهكم في أن "عمي علي" وصديقه "حالوبو" ليسا سوى بطلين ضمن سلسلة فكاهية رقمية تهدف إلى الترويج للثقافة الطنجاوية الأصيلة. فبينما يمثل "عمي علي" شخصية عبارة عن "دمية" قماشية تُستخدم في التنشيط الثقافي بمدينة البوغاز، يبرز "حالوبو" كلقب فني لشخصية فكاهية محبوبة، وكلاهما أبعد ما يكون عن سجلات الجريمة أو عالم الممنوعات الذي حاول جيراندو إقحامهما فيه بسذاجة مثيرة للاستغراب. ومع ذلك، وبسذاجة مهنية نادرة، تلقف جيراندو "المعلومة" كأنها كنز استراتيجي، دون أن يكلف نفسه عناء التمحيص أو التساؤل عن ماهية هذه الأسماء. وكشفت سرعة استجابة جيراندو للوشاية الكاذبة عن خلل بنيوي في آليات اشتغاله؛ فبمجرد تلقيه المكالمة، أطل عبر "بث مباشر" ليوجه نداءات استغاثة وتحذير إلى قيادة الدرك الملكي، متحدثا عن "عمي علي وحالوبو" بيقين مطلق وتفاصيل دقيقة استقاها حرفيا من الشرقاوي. وأكد هذا الاندفاع للرأي العام أن جيراندو لا يمتلك "مجسات" للتحقق من الحقائق، بل يعتمد على "صندوق بريد" مفتوح لكل من هب ودب، حيث تصبح المعلومة المضللة – طالما أنها تخدم غرض الإثارة والابتزاز – حقيقة مقدسة غير قابلة للنقاش. ولقد وثق إبراهيم الشرقاوي، مهندس هذا "الكمين الرقمي"، تفاصيل الخداع بالصوت والصورة، مبرزا كيف أن جيراندو لا يسعى لنقل الحقيقة بل لترويج الإشاعة لمجرد خلق الفوضى أو الضغط على المؤسسات. ولم يكن الفيديو الذي نشره الشرقاوي مجرد "مقلب" عابر، بل كان درسا بليغا في كشف أدوات الابتزاز الرقمي التي تتغذى على الأكاذيب وتفتقر إلى الحد الأدنى من الأخلاقيات المهنية. وتتجاوز هذه الواقعة حدود السخرية الشخصية لتطرح تساؤلات عميقة حول جدارة من ينصبون أنفسهم "محققين" من وراء البحار. فأن يسقط شخص يدعي امتلاك ملفات "فساد كبرى" في فخ اتهام "دمية" بتهريب المخدرات، هو إعلان رسمي عن انهيار سردية "المعلومات الحصرية" التي كان يوهم بها متابعيه. حيث أظهر الشرقاوي أن جيراندو ليس سوى "بوق" يُستخدم من قِبل الكثيرين كوسيلة تسلية، حيث تعمد العديد من الأشخاص مؤخرا تلقينه معلومات كاذبة لفضحه وتعرية عشوائية خطابه.