حذر وزير اسباني سابق من تداعيات "البرود" الدبلوماسي بين مدريدوواشنطن على النفوذ الجيوسياسي لإسبانيا، مؤكدا أن هذا التراجع الاستراتيجي يضعف موقف بلاده بشأن سبتة ومليلية المحتلتين لصالح تعاظم الدور الإقليمي للمغرب. ونقلت وسائل إعلام إسبانية عن وزير الشؤون الخارجية الإسباني الأسبق خوسيه مانويل غارسيا مارغايو، قوله إن العلاقات الثنائية بين السلطة التنفيذية الإسبانية الحالية والإدارة الأميركية تتسم بفقدان ملحوظ للثقة. واعتبر المسؤول السابق، الذي تولى حقيبة الدبلوماسية بين عامي 2011 و2016، أن هذا التباين يهدد بتهميش مدريد في الحسابات الاستراتيجية الغربية بمنطقة غرب حوض البحر الأبيض المتوسط. وأوضح الدبلوماسي الأسبق أن صورة مدريد في دوائر القرار الأميركية فقدت الكثير من انسجامها المعتاد مقارنة بحقب سابقة. مستحضرا في هذا السياق تداعيات قرار الحكومة الإسبانية سحب قواتها من التحالف الدولي في العراق، محذرا من تكرار عزلة سياسية مماثلة تضر بالمصالح العليا الإسبانية. وعلى الصعيد العسكري، عبر مارغايو عن مخاوف صريحة من إمكانية مراجعة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لخريطة انتشارها العسكري في شبه الجزيرة الأيبيرية. ويشمل هذا التقييم الاستراتيجي مستقبل القاعدتين العسكريتين في روتا بمقاطعة قادس ومورون دي لا فرونتيرا بإشبيلية، اللتين تستخدمهما القوات الأميركية بموجب اتفاقيات دفاعية ثنائية. وتستضيف إسبانيا قوات أميركية في القاعدتين منذ توقيع اتفاقيات مشتركة في خمسينيات القرن الماضي. حيث تعتبر قاعدة روتا البحرية نقطة ارتكاز حيوية للدرع الصاروخي لحلف شمال الأطلسي، بينما تشكل قاعدة مورون الجوية مركزا لوجستيا أساسيا لعمليات الانتشار السريع نحو القارة الإفريقية. وكشف غارسيا مارغايو أن النقاشات الاستراتيجية في العاصمة واشنطن طرحت في مناسبات سابقة خيار نقل بعض القدرات العسكرية الأميركية نحو المملكة المغربية. واعتبر أن هذا الخيار يطرح كبديل عملي في حال استمرار تراجع مستويات التنسيق والثقة السياسية مع السلطات المركزية في مدريد. ويأتي التوتر الإسباني الأميركي في سياق مطالب واشنطن المتكررة لحلفائها الأوروبيين بضرورة الرفع من ميزانياتهم الدفاعية لتجاوز عتبة 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتواجه الحكومات الإسبانية المتعاقبة صعوبات سياسية في الوفاء بهذا الالتزام الأطلسي، مما يثير حفيظة الإدارات الأميركية المتعاقبة. ورأى الوزير الأسبق أن تحقق سيناريو نقل القواعد العسكرية سيؤدي حتما إلى تقليص حاد لمكانة إسبانيا داخل حلف شمال الأطلسي. وأضاف أن ذلك سيحجم من دور بلاده في تأمين مضيق جبل طارق، الذي يعد من أهم المعابر البحرية الحيوية للتجارة العالمية والملاحة العسكرية. وأكد مارغايو أن التراجع الإسباني المحتمل يقابله صعود مستمر للمملكة المغربية كشريك أمني وعسكري يحظى بثقة واشنطن المطلقة في إدارة الملفات الإقليمية. وتصنف الولاياتالمتحدة المغرب كحليف رئيسي خارج حلف شمال الأطلسي، وتعتبره ركيزة أساسية لضمان الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. وفي سياق متصل، سلط الدبلوماسي الأسبق الضوء على الهشاشة الاستراتيجية للوجود الإسباني في الثغرين المحتلين سبتة ومليلية. وشدد على أن المدينتين المغربيتين الخاضعتين للإدارة الإسبانية مرشحتان لتكونا من أكثر النقاط تأثرا بأي إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية في المنطقة. وتتعمق المخاوف الإسبانية بشأن الثغرين المحتلين بسبب وضعهما القانوني المعقد ضمن التحالفات الغربية. وتقع سبتة ومليلية خارج النطاق الجغرافي المشمول بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المتعلقة بالدفاع المشترك، ما يترك مدريد دون مظلة أمنية دولية ملزمة لحمايتهما. وتتمسك المملكة المغربية برفضها القاطع الاعتراف بالسيادة الإسبانية على الثغرين المحتلين والجزر المجاورة لهما. وتعتبر الرباط هذه المناطق أجزاء لا تتجزأ من ترابها الوطني، وتدعو باستمرار إلى إنهاء الوجود الإسباني بها، وهو الموقف الذي يتعزز ديبلوماسيا في ظل التحولات الإقليمية الحالية. وأشار مارغايو إلى أن التحديات في الثغرين لا تقتصر على الجوانب العسكرية، بل تتجاوزها لتشمل ضغوطا جيوسياسية، وفي مقدمتها ملف الهجرة غير النظامية. وأوضح أن أزمات سابقة أثبتت محدودية قدرة مدريد على المناورة وتأمين حدودها دون تنسيق أمني وثيق ومستمر مع السلطات المغربية. وتتزامن هذه التحذيرات الإسبانية مع دينامية متسارعة تشهدها الشراكة الاستراتيجية بين الرباطوواشنطن. وتوج هذا المسار في دجنبر 2020 باعتراف الإدارة الأميركية رسميا بالسيادة الكاملة للمغرب على أقاليمه الجنوبية، وهي خطوة دبلوماسية عززت من ثقل المملكة في موازين القوى. وتترجم هذه الشراكة ميدانيا من خلال برامج التعاون العسكري المكثف. وتعد القوات المسلحة الملكية من أبرز مستقبلي المبيعات العسكرية الأميركية في القارة، عبر صفقات تشمل تحديث أسطول المقاتلات واقتناء منظومات دفاعية متطورة، إلى جانب الاستضافة السنوية لمناورات "الأسد الإفريقي" المشتركة. وخلص غارسيا مارغايو في تصريحاته إلى دعوة صناع القرار في إسبانيا لتبني مقاربة دبلوماسية أكثر براغماتية. وحذر من أن استمرار السياسات غير المحسوبة وتجاهل التحولات الجيوسياسية سيعرض المصالح الإسبانية لتهديدات حقيقية، في ظل نظام إقليمي يشهد إعادة تشكل متسارعة لصالح قوى صاعدة كالمغرب.